العلاقةُ بين الكاتبِ وبينَ السّلطة علاقةٌ مغلقةٌ مبنية على تعميمٍ فاضحٍ وساذجٍ فى المِخيَال الشعبي ، فبشكلٍ أو بآخرٍ فإنَّ هذه العلاقة ، هي علاقة ثنائية لا ثالث لها ، وهي بالضرورةِ تُؤسّس لاتجاه سلطوي يضع الكاتبَ في تبعيةٍ مجتمعيةٍ أو سياسيةٍ في ظل التزام فني بموضوعاتٍ ذات انتشارٍ جماعي ، تحت دعاوى كليّة ، لفضاءٍ زمكاني محدد مسبّقًا ، وهذا يؤكد على المعالجاتِ الآنيةِ أو تلك المعالجات الإختزالية التي لا تراعي خصوصية الموضوع منْ حيثُ زمنيته ولا طبوغرافيته التي يَمتَح منها تفاصيله ، والتي من شأنها أنْ تضع الكاتبَ أو المثقفَ بعيدًا عن طُلُولٌ الماضى واسْتلهاماتهِ ، أو مغيبًا في شرنقتهِ لا يستشرف المستقبل ولا تطوراته. هذه هي فحوى ديباجة دكتور «حليم بركات» لفصلٍ تحت عنوان (الكاتب العربي والسّلطة) من كتابه (غربة الكاتب العربي) .
ثمَّ أردف ذلك تصنيفا وتنويعا لعلاقة الكاتب بالسلطة ، فذكر أنَّ هناك علاقة اللاّمبالاة ، وهي عدم رغبة الدولة فى الإهتمام بالكاتبِ وقلمهِ ، والكاتبُ لا يبالى أيضًا بتلك اللاّ علاقة ، ضاربًا بالثقافةِ اللبنانية مثالاً على هذه اللامبالاة ، وهذا البرود السلطوى . وذكر أيضا ما أسماه بعلاقة الإضطهاد أو الإجحاف لمضامين هُوية الكاتبِ منْ حيث كونه حًرًا يمارس شعائرَ الحرية ويتقصّى مواردها داخل المكونات الإجتماعية المختلفة ، وهي تلك العلاقة القائمة على السجن والتنكيل والاغتراب والنفي الإجتماعي من قبل الدولة تجاه المثقف أو الكاتب ، ويبدو أنَّ د/ «حليم» يعيش في هذا النّوع ؛ لأنه لم يذكر دولةً بعينها كمثالٍ على هذه العلاقة التأديبية والإنتقامية ؛ وهي نوع مشاع ومتاح جدا في البيئة العربية منذ أجيال وأجيال ، وكل ما فعله أنه ذكر الثقافة العراقية في مرحلة الخمسينيات ، فلم يعيّن نظاما عربيا قائما الآن ! يرهق بدورهِ كاهل العقليين بالسلطوية والتصنيف والتحزيب ، وما أكثر هذه الأنظمة . وأيضا من العلاقات التي تحدّث عنها ، علاقة الوصاية ، وهي تلك العلاقة التي تحتضن فيها الدولةُ الكتّابَ وتؤسّسَ لهم النوادي والإتحادات ، وبطبيعة الحال يكون المثقف هنا بشكل أو بآخرٍ مُدجَّن ، ومموّه بالرّمادى تجاه القضايا البينية التي تستدعي موقفا حاسما ، فتصير العلاقة أمبيرية في صعود وهبوط غير صريحين كمن يحاول امساك العصى من منتصفها ! ؛ وذكر مصرَ والجزائرَ كمثالٍ للدول التقدميّة التي تمارس الوصايةَ الثقافيةَ، ويبدو أنَّه يعتقد أنَّ شمالَ افريقيا رقعةً تقدمية على المستوى العربى في مقابل الدولة الإستبدادية أو الدولة الدينية في الغرب الآسيوي (المشرق العربي) . ثم آخر هذه العلاقات وهي علاقة المشاركة التي يتقاسم فيها الإثنان الكاتبُ والدولةُ مناحي التغيير والتبديل المجتمعي . فهل المثقفُ تكنوقراطي يستظل بمظلة الدولة ويبشّر برؤاها المستقبلية ، وانحيازاتها واختياراتها السياسية ؟ أم هو قائم بذاته والوجود داخله مغايرٌ ومتجاوزٌ للرؤى الجماعية حتى وإن اصطبغتْ بالأيديولوجيات المبهرجة كالقومية أو الشعوبية ، أو أي نمط من الأنماط الجماعية ؟ والمثقف كونه مثقفا فهو يحمل مكونات التغيير النفسي والعقلي فكيف يكون تابعا ؛ يحارب بالوكالة ، ثمَّ هل استقلاليته مدعاة لانفصاله عن الواقع ولوازمه ؟
إنَّ الفرنسي «جيل دولوز» كان يرى أنَّ العلاقةَ بين النظرية وبين التطبيق آخذة في التبديل خروجًا عن الشكلِ التقليدي فهو يرى أنَّ الممارسَةَ صارتْ الأساس ، وتحولتِ النظريةُ إلى نتيجةٍ تاليةٍ ، فالنظريةُ سقطتْ من عليَائِها وتزحزحتْ إلى المرتبةِ الثانية ، فيبدو أنَّ كل الأشَكال العلائقية بين الشخوص القلقة ، وبين الكيانات بدأتْ فى التشكَّل عنْ طريق الواقع وحركته الزمنية ليأخذ التطبيقُ بعد ذلك هيئةَ النظرية ، بعدما كانت النظريةُ تأتي أولاً ثم تطبيقها ، والدولةُ بكل قواها الأنطولوجية تدير دفّة تبديل الوعى الجمعى ، وهذا هو الواقع ، وإنْ كان ذلك لا ينفي خصخصة الإعلام أو ظهور منابر أهلية مسببة زخمًا يعادل الأبواقَ الرسمية ؛ فهي منابر مرهونة برأس المال الماركسي .
نعم إنَّ الجماهيرَ كما قال «ميشيل فوكو» لم تعد في حاجةٍ إلى مثقفٍ يقود الجمعَ ويوجّه الوعي ، فقد أضحتِ الثقافةُ متاحةً وعالميةً مبذولة لمن يريد ؛ وأرى أيضًا أنَّ آلياتَ التبادل بين الأجيال أمستْ بلا قيمة في عالم مطمور بالمعلومة الفورية ، مع غيابٍ تام لزمنية الخبر في استقباله ثم تاليا في تحليلهِ ؛ فلقد ساعد التلميذُ الأمريكي المراهق «مارك زوكربيرغ» في ردم الهُوة بين الآباء وأبنائهم ليصنع الصغارُ مستقبلهم على عينهم وبشروطهم ، ولم تعد المعرفةُ احتكارًا طبقيًا ، أو انفرادًا تاريخيًا ، فالفيسبوك وجميع مواقع التواصل الإجتماعى سلمتِ الدفةَ للأجيال
الصغيرة دون انتظار للآباء المؤسَّسين للمقدرات المعرفية ؛ للتصدق عليهم أو منحهم معرفة أركيولوجية أو تفسيرًا لماكينة الوجود الفسيح ، فلم يعد هناك كبير ولا صغير ، بل لم يعد هناك مثقف بمعناه البسيط ؛ وطالما الأمر كذلك فإنَّ الدولة ككيان عضوي داخل المجتمع ، لا يرضى إلا بأن يقود الوعي ، فهذا النظام الدوغماتيكي لا يريد هذا الخطاب المهلهل الذي يزحزح مركز قوة الدولة إلى الصفوف المتأخرة ، إنَّ الدولة تريد نظامَ الوصاية المباشرة أو غير المباشرة فتعمل على تجنيد المثقف تحت مطالب زائفة بل ومشبوهة أحيانا في نظر الجماهير المقهورة ، وعليه فإنَّنا نحتاج إلى فهم الجدلية القائمةِ بين المثقف وبين السلطة خاصة ؛ عبر إعادة موضعة المثقف داخل قالبٍ زمني ومكاني ، وفي سياقٍ تاريخي معين ، وربما هذا يميل بنا نحو فهم «جاك دريدا» للمثقف ، فهو يرى أنَّ المثقف بينه وبين السلطة توتر تاريخي يختلف من بيئةٍ لأخرى ، فهى جدلية ليست مطردة وثابتة بقدر حركتها الشديدة داخل السياقات المتباينة ! فربَّما كانت تباشير التاريخ الإسلامي مناخًا خصبًا نشأ فيه المثقّفُ الثيوقراطي الذي يحرر مسلماته تحت عباءة السّلطان ، وفي هكذا وضع يغيب عن المثقف جانبه النقدي المنوط به ، لوجوده داخل مجتمع يقتات أطروحاته من داخل الجماعية ، وتأويلاتها للمفاهيم والقضايا ، فتصير العملية الناقدة رسمٌ على الورقِ ويكون المثقف أو الكاتب الشمولي لسانَ حال الدولة الأبيّة ؛ وأيضًا في المجتمع البرجوازي ومنطق قوى رأس المال يُصنعُ المثقفُ بهوية تسحقه تحت ضغط وسائل إنتاج رأس المال في المجتمع المفتوح ، ليصير مهمّشًا وفوضويا أو برجوازيا صغيرًا يساهم في البُنية الفوقيةِ ، لكنّه في انفصالِ تامٍ عن عملية الإنتاج المادي ، مقهورا مع اخوته من المقهورين اقتصاديا .
وبما أنَّ المثقفَ ينتمي لمصطلح دلالي ناشئ كمصطلح الثقافة ، وفي ظل تعدد تعريفات الثقافة وانشعابها بين أروقةٍ علم الإجتماع المختلفة ، فإنَّ المثقفَ ابن هذا الإرتباك الدلالي ؛ ومن هنا فإنَّ معضلاتٍ شتّى تمس المثقف ؛ خاصة المثقف العربي ، ممَّا يجعله في تعتيم دلالي دائما . إنَ السّلطةَ وليس المقصود بها هنا الحكومات التى تقبع فوق النظام ككلٍ ، وإنَّما السلطة بمؤسّساتها الأيديولوجية والتعبوية ، أقول إنَّ السّلطةَ تمثل ذروة الكيان الذي يجابه المثقف ويحارب رؤيته نحو عالم أفضل ، وعلى المثقف بدوره التوعوي هذا أن يكون خارجًا عنِ السائدِ أو المستقر ، مدافعًا ضد خروقات الأنظمة أو ضد أى تبديل فى العقد الإجتماعى الذى بموجبه تكون السلطة جسدًا بيروقراطيا ينظم لأفراد المجتمع حيواتهم المستقلة ، وفي سبيل ذلك يتنازلون عن جزء من أمنهم نظير الأمان للمجتمع كلّه . وسيكون على المثقف الحر أن يقف على الضفة الأخرى مسدَّدًا سهم قوسهِ للمنحرف والمعوج ، إذا ما حادت الحكومة الموظفة من قبل الشعب عن الجادة ، دون أن يغفل انتماءه أو أنْ يفقد هويته القومية .
كاتب من مصر
محمد جلال الأزهري