لصوص الأمس ولصوص اليوم

حجم الخط
4

حين أصيبت تلك القرية بمرض النسيان، راح أهلها يكتبون على كل شيء محيط بهم اسمه ووظيفته مثل: «هذه بقرة وهي تدر اللبن».. ثم بعد قليل نسوا كيف يفسرون معنى الحروف، وكادوا يفقدون تاريخهم ومعنى علاقاتهم ببعضهم بعضا حتى عاد رجل منهم كان مسافرا وعرف الحالة وأعطاهم الترياق الذي أعاد لهم الذاكرة.
تذكرت «مئة عام من العزلة» للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز، وأنا أشاهد فيلما عن تدمير آثار الموصل، أثناء مراجعتي لمواد نشرت عن محاولات إسرائيل نقل اليهود الأكراد إليها. تذكرت تدمير المتحف الإسلامي، ومكتبة الوثائق القومية ومبنى مديرية أمن القاهرة وسط العاصمة المصرية، بعد ثورة يناير مباشرة، وعرفت ساعتها أن المقصود ليس الانتقام من الشرطة، لكن تدمير الذاكرة المصرية ومحوها. صورة سبق ورأيتها والقنابل الأمريكية تدمر المتحف الوطني العراقي، كنت أعرفه وأعرف تفاصيل جدارياته وتماثيله الرائعة، وقطع الخزف والزجاج، بل و»الاوستراكات الصغيرة» قطع الفخار واحدة واحدة، تماما كما أعرف الثروة الهائلة للمتحف الإسلامي المصري. ليس لأنني أعشق المتاحف فحسب، بل لشعوري بأنني جزء منها، وأن تواصلي معها يصنع قيمتي الحياتية، وهو ما يدفعني دائما للاهتمام بذاكرة الأمة، وأذكر أنني استمعت إلى شهادات عراقية بعد ضرب بغداد بالقنابل التي استهدفت آثارها العظيمة، قال فيها بعض المواطنين، إنهم استشعروا الرغبة في النهب عند الجنود الأمريكيين، فذهبوا سرا إلى المتاحف وأخذوا بعض المقتنيات إلى بيوتهم كي يحافظوا عليها، وقيل أيامها إن اللوحات المنحوتة في عهد الملك «نبوخذ نصر» الأكدي تدحض كل مزاعم إسرائيل عن وجود الهيكل تحت جدران المسجد الأقصى. توجد لوحات لنائحات يبكين سقوط مدينتهن تحت أقدام الآشوريين، وهي ضد الكثير من المعلومات التي تتشدق بها إسرائيل والصهيونية العالمية، ولهذا وجهت الضربات إلى هذا التاريخ، حتى لا يكون له أثر. هذا ما دعا الفنان خالد يوسف للتنبه في ثورة يناير 2011 إلى وجوب حماية المتحف المصري، لكن مع الأسف إن استطعنا حمايته في تلك اللحظة فإننا لم نستطع أن نحمي غيره، وفقدنا محتويات بعض المتاحف في ملوي وغيرها، وفقدنا مئات القطع وظهرت بيننا عصابات تهريب الآثار التي اكتشفت أن ربح الاتجار في الآثار أكثر كثيرا من الاتجار في المخدرات، ونسي هؤلاء الذين خضعوا لإغراء عصابات دولية ومافيا منتشرة في كل أنحاء العالم، أن الذي يحصل على تراثنا الآن لا يكرمه ولا يحتفي به، كما فعل الذين حصلوا على هذا التراث من قبل كهدايا من الخديوي، أو صفقة للعمل على استخراج هذه الآثار، وجزء من الثمن للبعثات التي تقوم بالحفر والاستكشاف، لأن هؤلاء المستكشفين مهما كانت أغراضهم من الربح كانوا في النهاية علماء يعشقون التاريخ، لهذا ظهرت مثل هذه القطع في كبريات المتاحف العالمية، يتباهى بها أصحابها، كما حدث مع نفرتيتي، وأذكر أنني حين زرت برلين للمرة الأولى زرت متحفها ووقفت أمام تمثال أعشقه كتب تحته «أميرة فرعونية» وهو معروف لنا هنا باسم «أخت آتون» وكنت لشدة الوله بهذا التمثال، الذي أعتبره صانع مدرسة النحت الحديثة، أهديه لأصدقائي الأجانب، ولا تخلو منه حقيبتي في السفر أبدا، لكنني لم أعلم أنه موجود بجوار نفرتيتي في متحف برلين، فلما شاهدته هناك بكيت، بكيت غربته وغربتنا وفقرنا وضعفنا وعدم قدرتنا على إعادة هذه الآثار التي تمثل جزءا منا، جزءا من حضارتنا وتاريخنا.. ليس اللصوص الجدد مثل سابقيهم.. هؤلاء لصوص من نوع آخر يستهدفون محو تاريخنا، أما الإرهابيون الذين يقومون بالتدمير مستخدمين العصاة من أبنائنا، فهم الأكثر شراسة والأشد قسوة، لأنهم لا يحرموننا فحسب من تاريخنا.. بل يحرمون البشرية جمعاء من تاريخ الإنسانية الحقيقي، فالمسألة ليست أن هذا الفنان عاش على أرض مصر أو على أرض اليونان، بل إنه عاش على هذه الكرة الأرضية أينما كان مكانه.. هم يريدون تزوير التاريخ، لأن اختفاء هذه الآثار التي استطعنا تفسير بعضها ولم نستطع حتى الآن إيصال حلقاتها كلها ببعضها بعضا، معناه أن فترات من تاريخ البشرية ستختفي وأنهم يستطيعون كتابة التاريخ كيفما شاءوا، وكيفما أرادوا.
تدمير آثار الآشوريين في الموصل سببه الأول إخفاء الآثار التي تسجل المواجهات بين الآشوريين واليهود، التي انتصر فيها الآشوريون منذ عهد آشور ناصر بال الثاني وابنه شلمنصر الثالث، ومن جاء بعدهم حتى الدولة الأكدية. ليس هذا فحسب، بل إن التدمير ومحو الذاكرة الذي رأيناه في فيديوهات مصورة من «داعش» سبقه شراء أراض، تم من قبل تجار يهود في عام 2011 سواء في الموصل أو في المنطقة الواقعة على حدود سوريا مع شمال العراق، التي تبلغ حوالي 200 كيلومتر، وتمتد باتجاه إيران مرورا بتلعفر وحتى الموصل بالطريقة نفسها التي تمت من قبل في فلسطين، وإن هذا الشراء كان قد سبقه في عام 2003 عدة زيارات تحت غطاء السياحة الدينية من قبل يهود اسرائيليين، ثم ظهر الهدف الأساسي بعد ذلك مع تصاعد رغبة الأكراد في الانفصال، ألا وهو تمكين اليهود الأكراد من الإحلال محل الأشوريين والكلدانيين، باعتبار أنها مناطق يهودية، حيث مراقد الأنبياء اليهود، وتحقيق حلم اسرائيل الكبرى بضم هذه الأراضي إلى اسرائيل. وقد ذكر الصحافي الامريكي ويي مادسون في مقالاته عام 2003 أن الأكراد سيحلون محل الكلدان والآشوريين بعلم الأمريكيين، وأن الأمريكيين يسهلون مهمتهم.. المتتبع لهذا التدمير يرى اليد الصهيونية من ورائه حتى بارتكاب هذه الفظائع بأيدي «داعش» ومثيلاته لأنها صناعتهم باعترافهم وبامتياز.
كاتبة مصرية

لصوص الأمس ولصوص اليوم

هالة البدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية