السعودية تشغل العالم، ليس فقط داخل المملكة أو دول الجوار والإقليم نتيجة قراراتها السريعة والمفاجئة والمثيرة التي تحولت إلى زلزال لا أحد يعلم نتائجه العكسية.
فقد شهدت السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، تغيرات في سياستها ومنهجها التاريخي المعتاد، عبر إصدار العديد من القرارات المفاجئة التصعيدية (في منتصف الليل)، وكانت الرسالة الأولى لتلك القرارات هو الانقلاب على العهد السابق الملك عبدالله، وعلى سياسته وشخصياته، بل على سياسة العائلة الحاكمة منذ تأسيس الدولة والإعلان عن عهد جديد.
عهد الملك سلمان، رغم قصر فترة حكمه، حيث بدأ في 23 يناير/كانون الثاني 2015 استطاع فرض سياسة جديدة تتسم بالتصعيد في التعاطي مع الملفات الداخلية والخارجية، باسم بناء وإعادة هيكلة السعودية الجديدة وتأسيس الدولة السلمانية باختيار القوة المباشرة لفرض سياستها وليس بالاعتماد على الوكلاء ومن تحت الطاولة.
وكشف العهد السلماني الجديد عن منهجه التصعيدي بعد نحو شهرين من استلامه الحكم بشن حرب على اليمن في 25 آذار/مارس 2015 باسم «عاصفة الحزم» على أساس فرض سياسة الرياض الجديدة بالقوة المباشرة وحسم الحرب خلال أيام، حرب مصحوبة بحملة إعلامية كبيرة لتكون رسالة لدول المنطقة أن الرياض الجديدة ستستخدم كل أساليب الحزم والقوة، ولكن هذه الحرب ما زالت متواصلة لغاية اليوم!
الملك سلمان بدأ حكمه بنفس مختلف عن بقية الملوك أبناء الملك عبدالعزيز، على أساس بناء عهد جديد يتسم بالقوة والجرأة والحزم حتى مع أفراد الأسرة الحاكمة، فقد اتخذ في 29 نيسان/ابريل قرارا بإعفاء أخيه الأصغر الأمير مقرن عن ولاية العهد رغم وصية العاهل الراحل الملك عبدالله بعدم التغيير حيث قال: لا يجوز بأي حال من الأحوال تعديله أو تبديله أو تسبيب أو تأويل. ولكن الملك سلمان لم يلتزم بوصية الملك الراحل عبدالله وهذا العمل يعبر عن عدم الوفاء بالوعود حسب العرف والمجاملات وسط عائلة آل سعود.
ولأول مرة في تاريخ السعودية قام الملك سلمان بتعيين الأمير محمد بن نايف وليا للعهد كأول حفيد لمؤسس السعودية في هذا المنصب وكبداية لمرحلة الأحفاد رغم وجود أبناء للملك المؤسس. ولكن هذا التعيين لم يستمر طويلا بل كان مجرد سلم لتحقيق مآرب خاصة للملك إذ تم في 21 حزيران/يونيو 2017 إعفاء محمد بن نايف من ولاية العهد ومن وزارة الداخلية ومن كل المناصب، وتعيين ابن الملك المفضل الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد كملك مقبل بصلاحيات واسعة جدا.
وحاول الأمير الشاب محمد بن سلمان كسب الشارع السعودي وخصوصا فئة الشباب الذين يشكلون نحو 70 في المئة من السكان، فقام بإصدار مجموعة من القرارات منها السماح للمرأة بقيادة السيارات في نهاية عام 2018 وبدخول الملاعب لمشاهدة المباريات الرياضية ومراجعة الدوائر الحكومية بدون محرم، وإنشاء مؤسسة الترفيه لإقامة المهرجانات، وتقويض صلاحيات المؤسسة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وإعلان الأمير الشاب المتحمس تخلي السلطة السعودية الحاكمة عن الفكر الديني المتطرف الذي سيطر على البلاد نحو 30 سنة (حسب كلامه) وقيامه بحملة اعتقالات للعديد من الرموز الحركية والدينية والإصلاحية، وأخيرا قيامه بحملة اعتقالات لعدد من الأمراء ورجال الأعمال باسم القضاء على الفساد وإعادة المال العام.
ورغم صعود الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولاية العهد، وسيطرته على جميع مؤسسات الدولة بصلاحيات واسعة جدا بهذه السرعة إلا أنه يواجه تحديات واسعة وخطيرة له منها داخل الأسرة حيث يوجد صراع أجنحة، وتحديات اقتصادية إذ شهدت الميزانية السعودية عجزا كبيرا بلغ نحو 200 مليار دولار وهي تعاني الإفلاس، وقد طرح الأمير شركة «أرامكو» السعودية، العملاقة في مجال النفط والطاقة، لبيع جزء من أسهمها في 2018. فالوضع الاقتصادي المتدهور لا يخدم طموحات وتطلعات الأمير لتحقيق وعوده لرؤية السعودية 2030 بالإضافة إلى تغييب دور المؤسسة الدينية الوهابية التي كانت تمثل قوة بيد السلطة السياسية الحاكمة لها سيطرة على المؤسسات الدينية بشكل مباشر، فضلا عن الفشل في حسم الحرب على اليمن والتي تحولت إلى مستنقع. كما توجد التزامات بدفع المال للدوائر الغربية ومنها أمريكا بالخصوص، مقابل حماية السعودية كما طالب الرئيس الأمريكي ترامب لا حماية دون مقابل مجز وقد دفعت السعودية لغاية الآن أكثر من 500 مليار دولار.
كما لا يمكن التغافل عن سياسة العهد السلماني بقيادة الأمير محمد بن سلمان من تأزيم وتصعيد التوتر في منطقة الخليج بفرض سياساته والوصاية على دول الجوار منها قطر لدرجة التدخل في سيادة الدولة وفرض حصار اقتصادي عليها، وتهديد لبنان بالحرب وإجبار رئيس الوزراء سعد الحريري على الاستقالة، والتصعيد الخطير مع إيران لدرجة إعلان حرب.
المتابع للأحداث في السعودية يرى أن المملكة التي يسيطر عليها أفراد العائلة الحاكمة أمراء وأميرات لهم نفوذ وصلاحيات واسعة أدت إلى إغراق الوطن في أزمات الفساد وسرقة الأراضي والمال العام، تنتقل من سيطرة العائلة إلى قبضة الرجل الواحد فقط بصلاحيات واسعة وهو الأمير محمد بن سلمان، وهذا يعني المزيد من المشاكل والأزمات والاستبداد، ويتعارض مع شعارات الإصلاح والانفتاح والتغيير والتحول إلى دولة حضارية، دولة المؤسسات والمحاسبة.
قيام العاهل السعودي الملك سلمان وبقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باعتقال عدد من الأمراء والمتنفذين باسم القضاء على الفساد بطريقة مذلة، هو مجرد استعراض لقوة الأمير محمد بن سلمان وتشكيل صدمة مروعة لبقية الأمراء وغيرهم للخضوع، وذلك في الحقيقة جزء من معركة صراع الأجنحة في العائلة الحاكمة التي تتسع. إذ يوجد من يرفض وصول وسيطرة محمد بن سلمان على الملك والحكم، حيث أن كل أمير من أبناء وأحفاد الملك المؤسس يشعر أن له حقا بالحكم والحصول على نفوذ، وحملة الاعتقالات ليست فقط لإخضاع أمراء الأسرة الحاكمة والمتنفذين باسم القضاء على الفساد، بل هناك سبب مهم جدا وهو حاجة الأمير للمال لتحقيق طموحاته في ظل الأزمة التي تعاني منها المملكة إذ أشارت الصحف السعودية إلى أن المبلغ الذي سيحصل عليه الأمير من خلال حملة الاعتقالات الأخيرة تتجاوز 375 مليار ريال.
لقد تمكن الأمير محمد بن سلمان من خلال اعتقال بعض الأمراء باسم القضاء على الفساد، تصفية المنافسين والتخلص بشكل نهائي من أهم شخصية من عائلة آل سعود تسيطر على مؤسسة الحرس الوطني القوة العسكرية الكبيرة التي يبلغ عدد أفرادها نحو ربع مليون عسكري، وهو الأمير متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني، وهذه رسالة قوية لجميع أفراد عائلة آل سعود بأن ولي العهد قادر على تصفية أي فرد في العائلة بالقوة، وضرورة الخضوع لسياسته.
شعب المملكة يتطلع لإصلاحات واسعة لتشييد دولة القانون والمؤسسات، ليحصل كل مواطن على حقوقه كشريك في الوطن والحكم، بلا مكرمة ملكية وحسب مزاج الحاكم، فقيادة المرأة للسيارات ودخولها لملاعب الرياضية والترفيه أمور بسيطة جدا من الحقوق قد حرم المواطن منها طوال عقود من الزمن، بل المواطن طموحه الحكم حسب دستور يمثل إرادة الشعب مباشرة عبر صناديق الانتخاب وفصل السلطات، ومحاسبة المسؤولين وتطبيق قانون من أين لك هذا؟ وذلك لإيقاف الفساد المنتشر في أرجاء مؤسسات السلطة الحاكمة، وإعادة المال والأراضي والشواطئ المسروقة للشعب. أجل من حق الشعب أن يعيـــش حياة كريمة حيث كل مواطن يحصل على سكن وهو أبسط الحقوق، فالدراسات تشير إلى أن أكثر من 65 في المئة من الشعب لا يملكون مساكن أو أراضي.
التغيرات السريعة في المملكة مزعزعة وتسبب القلق للمواطنين ولدول الجوار، فالسعودية ذات مساحة هائلة وثروة طائلة كبيرة فهي من أهم مصادر طاقة النفط في العالم، وفيها أهم المواقع الإسلامية، مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأي تغيير وتصعيد وتوتر واندلاع مشاكل وأزمات وحروب في المنطقة ستكون لها تداعيات كبيرة جدا، المنطقة لا تتحمل المزيد من صب الزيت على النار.
يرى بعض المراقبين أن السياسة الداخلية والخارجية في العهد الجديد السعودي متأزمة جدا: فالوضع الاقتصادي سيء، وقد فرضت الحكومة ضرائب كبيرة على المواطنين والمقيمين، وستعرض أهم شركة التي تبيض ذهبا «أرامكو» للبيع، زيادة حجم الكبت والتضييق على الحريات عبر الاعتقالات الواسعة، ومنع أي صوت ينتقد سياسة السلطة مع تأسيس جهاز أمن الدولة. وعلى مستوى الخارج فشل الحرب على اليمن، وفشل الحصار على قطر وفشل في سوريا وغيرها… العهد السعودي الجديد يبحث عن أي انتصار عسكري أو سياسي.
فهل سيتمكن الأمير محمد بن سلمان في عهده من النجاح بتشييد دولة جديدة حضارية تتناسب مع تطلعات المواطنين؟
لا أحد يجزم بمعرفة ماذا سيحدث وإلى أين تتجه الأمور في ظل سرعة الأحداث والمفاجآت في السعودية، وفي ظل تأييد إدارة ترامب لقرارات ولي العهد ودعمه مقابل أي شخصية أو جناح في العائلة، بل تأييده في سياسة التصعيد في المنطقة مع اليمن وقطر وسوريا ولبنان وإيران.
علي بن سلمان