بصراحة عن الاخوان المسلمين: يحتاجون لـ’أخونة’

لا أعرف سببا يدعوني للإعتقاد بأن جماعة الأخوان المسلمين سببا للأزمة التي تعيشها الأمة العربية بأي حال من الأحوال خلافا للنظام الرسمي العربي الذي قام بتجريف الحياة السياسية ووصفات الإصلاح وكرس ثنائية الفساد والإستبداد .
وعلى العكس تماما رغم عدم وجود أي رابط ذهني أو عاطفي بيني وبين الأخوان المسلمين خارج سياق معادلة فلسطين وإسرائيل أتصور بأن جماعة الأخوان بمستوى وحجم شعبي يؤهلها وسبق ان أهلها للقيام بدور إيجابي في الحفاظ على السلم الأهلي وإستقرار المجتمع في العديد من البلدان العربية.
تجربة مصر تدفع النقاش حول دور الأخوان وفكرهم وحصافتهم السياسية إلى أقصى طاقة ممكنة.
وهذه التجربة مع توفر العديد من الملاحظات هنا وهناك ينبغي أن تدفع الأخوان أنفسهم لمراجعة حقيقية ليس للفكر ولكن للنهج حيث لا زال بيت الأخوان الداخلي بمثابة سر نووي لا يمكن الإطلاع على تفصيلاته الأمر الذي يحجب الجماعة عن العديد من مفاصل المجتمع الحيوية ودوائر التحليل المنطقي المسؤول.
هي نفسها عمليا الإشكالية المفصلية التي نشتكي منها نحن المواطنون البسطاء عندما نتحدث عن إدارة الدول العربية بطريقة الشركات وتحويل الأوطان إلى مزارع شخصية لبعض جنرالات وازلام السياسة والأنظمة عبر تكريس دائم لثقافة الإنغلاق والحفاظ على سلسلة من الأسرار بدون مبرر وبشكل يعوق الشفافية والمصارحة وبالتالي المصالحة.
أتصور ومن باب التحليل وليس المعلومات أن الأخوان المسلمين عموما وفي إطار الممارسة أخفقوا في مسألة الشفافية التنظيمية خصوصا مع الجماهير المحايدة التي لا ترغب بالإلتحاق في حافلتهم أو تحتفظ بتصورات وأفكار معاكسة لإتجاهات.
من هنا حصريا برأيي المتواضع يمكن تلمس إخفاقات الأخوان المسلمين في بعض المسارات والملفات مثل الحرية الشخصية وقبول الأخر والإهتمام بالحريات العامة وبالنساء والقدرة على الإنفتاح على الأخرين وظهور مؤشرات الرغبة في الإستئثار وعدم وجود برامج أو مشاريع إقتصادية وفي بعض الأحيان بروز الميل للسلطة وليس للحكم العادل الرشيد.
وجهنا عدة مرات وفي عدة مناسبات لأصدقائنا من قيادات اخوان الأردن مثلا تساؤلات محددة حول هذه المسائل ولم نحصل يوما على إجابات واضحة حاسمة مانعة وكانت اللغة مراوغة في العديد من المجالات.
في جلسات ذهنية مع رفاق وأصدقاء في جماعة الأخوان المسلمين ولدت رغبات جامحة في الحديث عن مراجعات للخط والأداء الأخواني العام وكذلك للخطاب ولإحتمالات الإعتراف بحصول إخفاقات.
ليس سرا أن بعض الأراء الأخوانية كانت صادقة ونقدية بصورة جارحة في بعض الأحيان لكن بعض الأخوان تبادل معنا السؤال الأهم حول أسباب وخلفيات الإخفاق وكان السؤال يدور بحثا عن أجوبة شافية بلا طائل مع ظهور بعض ملامح الضجر من الإصرار على الإسئلة الإستنكارية والنقدية على حساب الإستفهامية.
نحب الأخوان المسلمين ونحترم دورهم خصوصا في التصدي لمظاهر العنف والتشدد الذي كانوا هم ضحاياه قبل غيرهم.
ونقدر دور هذه الجماعة في الحفاظ على السلم الأهلي في أكثر من بلد عربي وفي تقليص مساحة المناورة احيانا أمام اجهزة أمنية ظالمة توفر الحماية للفساد أو لا تؤمن بالديمقراطية أو تخشى الإصلاح.
لكن ذلك ينبغي أن’لا يمنع محاولات المراجعة والإستفهام والتقييم والإعتراف بالأخطاء فتلك فضيلة من فضائل الإسلام في كل الأحوال.
بعيدا عن التجربة المصرية وما حصل في هذا البلد العظيم المهم الذي يسترخي في وجدان الشارع العربي دون منافس لابد للأخوان المسلمين من الإجابة على أسئلة محورية وأساسية عالقة في وجدان الواقع والمحبين والراغبين في نهضة الشعوب عبر شراكات منتجة غير إقصائية مع الأخوان المسلمين وكل تعبيرات’الطيف الإسلامي.
نعرف مسبقا وبحكم الخبرة بأن داخل تنظيمات الأخوان المسلمين تستقر تقاليد بالية لا تنتمي للعصر الحديث وتسترخي تصرفات مؤسسية وفردية غامضة وغير مفهومة وتؤمن بالإقصاء وتخلط بين الإدارة والسلطة بدون توفير إمكانات التواصل مع الأخرين بصرف النظر عن أفكارهم وإتجاهاتهم.
داخل الأخوان توجد مدارس ومشارب وإتجاهات ..هذا طبيعي وصحي ومنتج شريطة ان لا ينتهي بقرارات ومشاريع غير مفهومة تتميز بقدرة على الإقصاء وقمع الفكر الإبداعي ومحاصرة التجديد والإصرار على ذهنية القطيع في إدارة المواقف السياسية دون ادنى إهتمام بالتنوير وأسس الإستثقطاب.
أعرف شخصيا بحكم تجربتي الشخصية بأن داخل المؤسسات الأخوانية تقام احيانا {محاكم} لا تقل ظلما وعسفا عن تلك المحاكم التي تقيمها الأجهزة الأمنية القمعية وهي محاكم حزبية ونظامية وظيفتها قمع أي فكرة مجددة ومحاصرة أي إجتهاد خارج النص المرجعي حتى’لو كان منتجا.
وهي محاكم تفسر عمليا الكثير من الإنشقاقات في صفوف الجماعة وتفسر إبتعاد العديد من أقطاب الجماعة ونخبها ومفكريها التي كان يمكن ان تكون لهم صولات وجولات في تنوير التجربة وتثقيف المؤسسات التنظيمية وتأسيس مبادرات خلاقة تقدر دور الشراكة في كل المجتمعات.
وفي أروقة بعض الشعب الأخوانية وبصراحة توجد مختبرات وظيفتها {فلترة} كل لمحة تعبر أو تتسلل في ذهن أي مفكر شاب وتخالف تلك الأدبيات المحنطة التي يتم ترديدها بمناسبة وبدون مناسبة على مسامع الأجيال والتي تكتسي خلافا لتعاليم الدين أحيانا قدسية في غير مكانها.
حسب فهمنا المتواضع وإحتكاكنا بالزملاء والأشقاء الإسلاميين يحتاج الأخوان المسلمون اليوم إلى {أخونة} حقيقية تؤمن بالمراجعة والتقييم وتكرس تقاليد جديدة في الإدارة وتسمح لبعض الرموز بالتنحي والتقاعد والتحول إلى {آباء روحيين} حتى تصعد الأجيال الجديدة الشابة المبدعة التي تشتعل بالميادين وتثير فيها قيادات التأسيس الكثير من الشجون والإنقسام وأحيانا الإنفصام.
أخونة الأخوان بمعنى العودة للأصول وللنصوص الأولى وإنفاذ كل ما يطلبه الأخوان من الاخرين والسماح بحرية وإستقلالية رأي داخل مؤسسات التنظيم والجماعة قبل الإنتقال للمجتمع والحكم والأحزاب والناس.
نقول ذلك من باب المحبة والتقدير والحرص الشديد وبعدما هاجمنا عبر هذا المنبر كل من يسعى {لشيطنة} الأخوان المسلمين ويهمش دورهم وحضورهم كحاضنة طبيعية للفكر المعتدل المنتج لعبت دورا محوريا في إمتصاص موجات العنف والتشدد التي كان الأخوان المسلمون في الواقع ضحيتها الأولى مرتين ..الأولى عندما واجهت الأنظمة والثانية عندما شكك بهم وأحيانا قام بتكفيرهم الكثير من المتشددين.
مراجعة الأخوان المسلمين لذاتهم وفي إطار مؤسساتهم تساعد من يحبهم ويحترمهم ويعترف بدورهم المنتج المسؤول في التصدي لهجمة شرسة لا نشك لحظة بأنها في صالح أعداء الأمة والدين.

‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية