من الشعري إلى السياسي: هنري ميشونيك أحدث «ثورة كوبرنيكية» في الإيقاع ووصفه بالدالّ الأكبر

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري: على مدار أربعة عقود، شيد هنري ميشونيك (1932- 2009) واحدةً من أهم شعريّات القرن العشرين؛ فقد سافر – بمهماز النّقد والسجال- في تأمل الخطاب النظري والتحليلي الخاص بالشعر وقراءة أجروميّاته الأساسية من منظور الشعرية، التي نظّر لها باعتبارها معرفةً تبحث في صيغ الدلالة النَوعية للنص الأدبي. وفي طليعة القضايا المعرفية التي شغلته وبلورت تصوُّره للشعر والشعرية، ولعلاقة النظرية بالممارسة، ثمّة الإيقاع.

الإيقاع دال أكبر

يؤسس هنري ميشونيك نظرية جديدة للإيقاع انطلاقًا من غياب الإيقاع في المعنى، والمعنى في الإيقاع، أي ما به يكون «الإيقاع يوتوبيا المعنى» على حد تعبيره، أو تشكيلًا للتلفظ بقدر ما للملفوظ». وفي هذا السياق، يجسد في كتابه «نقد الإيقاع: الأنثروبولوجيا التاريخية للغة» مسارًا نقديًّا للعلوم الإنسانية، وفي الذهاب ـ الإياب بين تحليل النصوص وبحث المفاهيم يواجه أكثر من مجال أوروبي وغير أوروبي (عربي، عبري، سلافي). يؤكد ميشونيك أنّ نقد الإيقاع لن يكون فحسب نقدًا لنظريات الإيقاع؛ فهذا الأخير لن يكون ممكنًا، وضروريًّا، إلا ببناء نظرية للإيقاع تؤسس الإيقاع في اللغة كخطاب. إن نقد الإيقاع، وليس نقد نظرية الإيقاع، بمثابة تأسيس للإيقاع داخل اللغة؛ أي داخل المعنى، لا بجانب المعنى. من هنا، ندرك التحويل الكامل الذي أجراه ليس على مفهوم الإيقاع، بل على مفهوم المعنى نفسه. لهذا السبب، ندرك أن نقد الإيقاع هو – في المقام الأول- نقدٌ للشعر، وللممارسة الأدبية بوجه عام، داخل تاريخنا الحديث. وفي مستوى متطور من الفهم، لم يكن نقد الإيقاع إلّا نقد الشعرية نفسها، سواء الشعرية المختزلة في الشكلانية أو البنيوية التي تتخلى عن نظرية المعنى– الذات والتاريخ، وتقيم داخل نظرية الدليل وأولوية اللسان، أو حتّى في الشعرية التاريخية للخطاب وللذوات، أو شعرية اللغة التي تقوم على أنساق الأدلة. فيما مسعاه كان مبذولًا لإعلاء شعرية الخطاب التي يراها بأنها غير المكتمل النظري، وتتعاضد مع لسانيات الخطاب التي لا تزال بدورها تتأسس باستمرار؛ إذ إن هذه الشعرية ترى أن التواصل، والقصيدة كأيّ خطاب، يتجاوز الأدلة، كما أنها تحلل القصيدة باعتبارها كاشفة عن اشتغال الإيقاع داخل الخطاب.
ينظر ميشونيك إلى الإيقاع كمبدأ أنثروبولوجي أساسي داخل اللغة، أكثر من الدليل: مادام أنه يتجاوز نظرية الدليل، ويمتد إلى نظرية الخطاب. الخطاب، في نقد الإيقاع، هو استراتيجية بحدّ ذاتها؛ لأنه فعالية لغة الذات في المجتمع وفي التاريخ، وعليه من المهم بالنسبة إلى نظرية الخطابات، وإلى نظرية الشعر كذلك، أن تتخذ الشعر بوصفه خطابًا نوعيًّا. هكذا لن يكون الخطاب، داخل نظرية الإيقاع التي جعلها بنفنيست ممكنة، استعمالًا للأدلة، بل فعالية للذوات داخل وضدّ التاريخ والثقافة واللغة. وفي النتيجة، يعثر الإيقاع على ما يعيد الاعتبار له كـ»دالّ أكبر»، لأنه المبدأ الأكثر ذاتيّةً، أو هو – بصورة أشمل- مبدأ نسق الخطاب كله، بعدما جردته نظريّتا الإيقاع المجرد والشكل من كل قيمة ذات اعتبار عبر تفكيكه إلى مقولات ومسمّيات لا تعني شيئًا.

الإيقاع، المعنى والذات

في الشعر، يراهن ميشونيك على النظر إلى الإيقاع مُتفاعلًا مع المعنى والذات داخل الخطاب، بوصفها عناصر تبادلُيّة ومتحوِّلة تبعًا للخطابات والوضعيات. فعلاقة الإيقاع بالمعنى وبالذات، داخل الخطاب، تُحرّر الإيقاع من مجال العروض. يقول: «إذا كان الإيقاع داخل اللغة، داخل الخطاب، فهو تنظيم (ترتيب، تشكيل) للخطاب. ومثلما لا ينفصل الخطاب عن معناه، يكون الإيقاع غير قابلٍ للفصل عن معنى هذا الخطاب. إنّ الإيقاع تنظيمٌ للمعنى في الخطاب. وإذ هو تنظيمٌ للمعنى، فلن يكون قطّ مستوى متميّزًا، متجاورًا؛ كما أنّ المعنى يتمّ داخل كل أنساق الخطاب وعبرها» (نقد الإيقاع). هذا ما يُبرّر لماذا يُلحُّ ميشونيك على أن يعد الشعر، وليس البيت، هو الممارسة النوعية للإيقاع؛ وبالتالي، المجال الذي يميز درس الإيقاع. إلى ذلك، ينبهنا إلى أن الإيقاع يتعرض لخطرين:
إما أن يكون الإيقاع مُفكَّكًا كموضوع، كشكل إلى جانب المعنى، والذي يُعرف بتكرار ما قد قيل: حشو، تعبيرية.
إما أن يكون مفهومًا من خلال مصطلحات سيكولوجية تُموِّهه حين يتمُّ النظر إليه كأنه غير قابل للوصف، ومستهلك داخل المعنى أو الانفعال.
وبما أنّ الإيقاع «ليس دليلًا»، فإنه يرفض الدلائلية، ليخلق دلائلية مُضادّة، طالما أنّهُ غير قابلٍ للاختزال إلى الدليل، بل هو يتمُّ في اللغة. وبالنتيجة، يقول: «أُعرّف الإيقاع داخل اللُّغة كتنظيمٍ للسمات التي من خلالها تُنْتج الدوالّ، اللسانية وعبر اللسانية (في حالة التواصل الشفوي خاصة)، عِلْمَ دلالةٍ نوْعيًّا، مُغايرًا للمعنى المعجمي، الذي أُسميه الدلالية: أي القيم الخاصّة بخطاب، وخطاب مفرد». على هذا النحو يهجر الإيقاع مجاله التقليدي، وينفتح باستمرار على جميع دوالّ الخطاب وعناصره البانية التي لا تعمل مستقلة عن بعضها بعضا، بل هي تعمل ككل، مما يجعلها تؤسس في تضافرِها المحورين الاستبدالي والمركبي، اللذين يقومان بتحييد مفهوم المستوى كما تصورته نظرية الدليل وثنائيته. إن دالّ الإيقاع يشتغل في قلب الدلالية وهي تحرر المتواليات الصغرى كما الكبرى داخل الخطاب الشعري، لذلك فالإيقاع يتأبّى على كل قياس، كما الدلاليّة نفسها. وليس المكتوب، بل الصوت داخل ما يصطلح عليه بـ»الأنثروبولوجيا التاريخية للصوت»؛ وهي تتعلق بتسجيلات صوت الشاعر، وتبرز من خلالها سمات الصوت الخاصة، الجسدية والفيسيولوجية (السنّ): صوت أنثوي أو ذكوري، شاب، ناضج، هرم، ممتلئ أو منطفئ، ساخن أو حادّ. كما يشير إلى علم الأعراض التي تتخلل الصوت، عدا التلفُّظ وصوت الصدر، وصوت الرأس، وصوت الأنف. ولا تعدّل المتغيراتُ الصوائتَ وحسب، بل إنّها كذلك تشرط نطق الشخص. ثم يستخلص: «الصوت يوحّد، يجمع الذات، جنسها وحالاتها. إنه البورتريه الشفوي».

السياسي والشعري

في كتابه «سياسة الإيقاع.. سياسة الذات»، يواصل ميشونيك مجهول البحث في الإيقاع ونقده. فبعد أن بحث حركة الكلام داخل الكتابة وكشف كيف يُحرّر الإيقاع الذات، يضع التصوُّرات التي تحكم علم الاجتماع والتحليل النفسي ولا تُخلي مكانها لأحد، موضع سؤال مُجدَّدًا، فيما هو يعلن أن الأدب والفن غير قابلين للفصل عن تمثُّل المجتمع، بطريقة تُفكِّر في الجماعة والمؤنث. من البدء، يقدم العمل نفسه باعتباره مُخطَّطًا نقديًّا لمجموع صيغ الفكر التي صنعت المشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وحتى الأمريكي، منذ الستينيات من القرن الفائت، بما في ذلك النظريات، والبنيوية تحديدًا، التي همشت الشعر وألقت به جانبًا مع الانزياح والجنون، وقادت إلى الاعتقاد بـ»موت الذّات» ووضعت القصيدة والخطاب خارج تاريخيّتهما. يقودنا ميشونيك، عبر هذا المسار، إلى أرسطو الذي شدّد – في نظره- على التعاضد بين الشعرية والأخلاقيات والسياسة. نسيان هذا التعاضد هو النسيان نفسه للذّات. من هنا، يحاول أن يجعل من تفكيره في الذات «سياسةً» للذات، شارطًا بأنّ ما تحتاج إليه القصيدة هو ذات القصيدة، من ذاتٍ إلى ذات. هذه الذات النوعية ينبغي أن يكون مُفكَّرًا فيها باستمرار. يقول: «هذا التفكير ضروريٌّ لنا كلِّنا، حتى وإن لم يُعْرف. إنها ديمقراطية القصيدة، تلك التي تسعفنا للتفكير في مقولة الفكر الشعري وعبره بما يسمح له بأن لا يُحوِّل التمثُّل السائد للغة وحسب، بل أن يعيد اليوم، وبشكل آخر، اكتشاف الوشيجة المنسية بين اللغة، الشيء الأدبي، الأخلاقيّات والسياسيّ. كما بين الإيقاع والذات وشيجة تتأتّى مما نعني به في الفكر الشعري اكتشافَ الإيقاع، بالمعنى الذي لا يكون فيه تتابعًا شكليًّا، بل تنظيمًا للذات. إني أعرف الشعر أو الفكر الشعري كاكتشافٍ للذات، مثلما للذوات بشكل غير محدود» (سياسة الإيقاع.. سياسة الذات).
لا تنفصل الذات – عنده- عن القيمة التي يأخذها بمعنى مزدوج: فرضية العمل الذي يتبادلانه معًا، والأثر الذي يكون لبعضهما على الآخر. فالقيمة، داخل النصّ الأدبي، هي سمة الذات، مثلما هي نفسها عناصر لنوعيّة النص. كما أن الذات بدورها ليست ذاتًا سيكولوجيّةً ولا موحَّدة، ما دام أن القصيدة لا تنتج من الأدلة، وأن النوعية ليست بحثًا عن الأصالة. فهي غير ذات التحليل النفسي، التي إذا كُنّا جميعًا نمتلكها، فإنّ ليس لجميعنا، في المقابل، ذات القصيدة. هكذا، يستنتج ميشونيك أن القيمة تكشف عن أنه لا توجد داخل الشعرية نظريّةٌ للذات بدون نظرية للغة. فعلى النقيض من الدليل وتداعياته المطمئنة، تُخْلق القيمة بكيفية غير قابلة للفصل عن الشعريّ (الفكر، الأسلوب ـ كما لو أنّ هناك فكرًا بلا أسلوب، وأسلوبًا بلا فكر)، وعن السياسيّ كذلك.
وهو يستعيد فكرة هيروقليطس عن الإيقاع، يُبْرز ميشونيك أنه للمرة الأولى، منذ أفلاطون، يمكن للإيقاع داخل اللغة أن يتجلى كتنظيم للحركة في الكلام، وتنظيم للخطاب عبر الذات، وللذات عبر خطابها. ليس ثمة من صوت، ولا من شكل، بل الذات. فلا يوجد تَمفْصلٌ مزدوجٌ للغة، إنما الدوال فحسب. وفي فهمه، يرى أن الدالّ يُغيِّر المعنى، بحيث لا يتعارض مع المدلول، وأن الخطاب ينجز داخل علم الدلالة الإيقاعي والتطريزي الذي لا يتِمّ بحسب الوحدات المفكَّكة للمعنى من جهة، وداخل فيزياء اللُّغة من جهة أخرى، غير غافل تمامًا عن تماسّ الصوت والجسد في المكتوب.
في النتيجة، ومن منطلق اعتبار الإيقاع تنظيمًا ذاتيًّا للتاريخية، يُميِّز ميشونيك بين المنطوق والشفويّ، ويرى أنّه لا يوجد نموذج ثنائي، شفوي ومكتوب، للدليل يتحكم بالصوت ويجسده مكتوبًا؛ بل نموذج ثلاثي، منطوق ومكتوب وشفوي. وإذا كان الشفوي مفهومًا كأولوية للإيقاع والتطريز في التلفُّظ، فهو مع ذلك خاصية ممكنة للمكتوب كما للمنطوق، وليس بالضرورة أن تكون محاكاة المنطوق محاكاةً شفويّةً. وفي هذا المعنى، لا يعد ميشونيك الشفاهية حفريّات مفقودة بدعوى اختفائها المزعوم في العالم الحديث، وينتقد الفكرة المهيمنة التي أشاعها عنها، إلى أيّامنا، والتر أونج من خلال كتابه «الشفاهية والكتابية». من شعرية الإيقاع إلى سياسة الإيقاع، يعطي ميشونيك للإيقاع رؤية جديدة لم تكن له؛ إذ تتداخل الذات في القصيدة بالقيمة وبالدال. وهو يعني بسياسة الإيقاع – هنا- ذلك «الجريان الداخلي الّذي يتمُّ بين القصيدة والأخلاقيات والسياسيّ»، بشكل غير قابلٍ للفصل. إنه اكتشافٌ بالفعل، بحسب تعبيره.
إن غزو المفهوم التقليدي للإيقاع من طرف ميشونيك، يستتبعه تغيير في نظرية اللغة نفسها، لا في معنى كلمة إيقاع فقط، طالما أن ثنائية الدليل التي تعتقل التصور التقليدي ليست لسانية أو دلائلية فحسب، بل إنها ذات نتائج دينية وسياسية. لذلك فإن العمل على تغيير مفهوم الإيقاع هو عمل تدريجي من أجل تغيير نظرية اللغة بأكملها.
في المجال العربي، رغم وفرة الدراسات التي أُنْجزت بصدد الإيقاع، خاصة داخل «نظريّات» الشعر العربي قديمه وحديثه، لا يزال هذا الرهان مفتوحًا ومتطلّبًا أكثر من أي وقت مضى؛ فإن أكثرها وقع أسير «تقليدانيّة» العروض ومعاييره الاصطلاحية الثابتة، وبعضها الأحدث لم يسلم من إغواء «حداثوية» كان يمليها عليه فهمه المتسرع والمنبهر لمثل هذه النظريات الوافدة. بيد أن الارتفاع بالنقاش والتحليل من الوزن إلى الإيقاع، ومن قياس العروض إلى نسق الخطاب، يقتضي اختراق تصورات عروضية وبلاغية وتداولية استحالت مع الوقت الميت إلى عوائق إبستيمولوجية بالفعل آنًا، وأطرًا برّانية ومغتربة آنًا آخر.

 من الشعري إلى السياسي: هنري ميشونيك أحدث «ثورة كوبرنيكية» في الإيقاع ووصفه بالدالّ الأكبر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية