نحو علمنة الظاهرة الأدبية في النقد العربي

حجم الخط
1

(1) نظرا لارتباط النقد بالشعر العربي، لم تصلنا منه إلا مؤشرات دالة عليه تمثلت في «القصيدة»؛ باعتبارها مستوى من النضج الشعري، في نطاق العلاقة المتلازمة بين الظاهرة الإبداعية والنقد. وما دام الشعر ديوان العرب، فإن الفصل الحقيقي بين النقد وباقي العلوم الأخرى لم يتحقق إلا مع ابن سلام الجمحي (ت231هـ)، الذي اعتبر أن الشعر ثقافة وصناعة لا يعرفها إلا أهل العلم كباقي أصناف العلم والصناعات، داحضا بذلك أيديولوجية الشيطان ليتحمل الشاعر مسؤوليته في القول الشعري منذ ذلك الحين.
وإذا كان كل علم لا يقوم إلا بتحديد الموضوع والمنهج؛ فإن النقد لم يتحدد موضوعه عند العرب إلا في القرن الرابع الهجري مع قدامة بن جعفر (ت337هـ) في مؤلفه «نقد الشعر»، وبذلك ازدهر في هذا القرن، بفعل ظهور مكتبة نقدية مهمة، تبعا للسجال الذي ساد بين النقاد العرب خلال هذه الفترة التاريخية. أما على مستوى المنهج؛ فبفعل ما عرفه الشعر من تطور، عمد النقد إلى علوم أخرى أكثر انسجاما مع طبيعته الأجناسية، مثل علم العروض وعلم القافية والبلاغة العربية وغيرها. على الرغم من طابع المحافظة التي عرفها آنذاك، حيث اعتبر الشعر الجاهلي نموذجا ينبغي أن يحتذى، منذ القرن الثاني الهجري، لدرجة أن النقاد لم يدونوا لمعاصريهم من فحول الشعراء، لكن سيعرف هذا النموذج خفوتا خلال الحقبة الإسلامية، لدرجة الضعف كما نعته بعض النقاد، نظرا لموقف القرآن والحديث منه. إنه «موضوع كثر الجدل فيه وتباينت حوله الآراء، وهو أدخل في مجال التأريخ للشعر من مجال نقد الشعر».
لكن، بعد القرن الرابع الهجري، سيعرف النقد تدهورا تبعا لخفوت صوت الشعر، بدون أن يمنع هذا من وجود انفلاتات لبعض النقاد، حاولوا أن يطبعوا هذه الفترة بطابع علمية فريدة؛ ونذكر منهم عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) وضياء الدين بن الأثير (ت671هـ) وغيرهما. وإذا كان الحديث هنا عن النقد مرتبطا بالشعر، فإن هذا لا يعني غياب النثر، حيث لم يفطن النقاد إلى هذه المسألة، إلا في ما بعد مع أبو هلال العسكري (ت395هـ)، في «الصناعتين».
وتجدر الإشارة إلى أن ما عرف بـ»عصور الانحطاط» تحتاج إلى المزيد من البحث فيها، مادامت هذه المقاربة تقتصر على وجهة نظر سياسية محضة، فهل ارتبطت بالأدب فعلا، وهل هذه النظرة لم تكن مجحفة في حق أدبنا وتراثنا العربي خلال هذه الفترة التاريخية بالضبط؟
(2)
إذا كانت هذه بدايات النقد العربي نحو علمنة ظاهرة الشعر على وجه خاص، فإن النقد كممارسة علمية مرتبطة بالظاهرة الأدبية لم تترسخ في شكلها العلمي إلا في العصر الحديث، وإن اعتبر النقد علما آنذاك نظرا لاعتماده على علوم الآلة.
وبذلك، ستعرف قضية النقد «طفرة «نوعية مع تطور العلوم الطبيعية والتجريبية، ووصولها إلى مستوى من النضج التاريخي، خاصة في البيولوجيا والفيسيولوجيا، حيث وصل علم الطبيعة إلى نوع من الاستقرار في صورته الحديثة خلال القرن السابع عشر والكيمياء في القرن الثامن عشر، ومنه تم استثمار المناهج العلمية التي ميزت على وجه خاص القرن السابع عشر، الذي اعتبرته يمنى طريف الخولي «قرن المناهج» وبذلك، كانت البداية الحقيقية للنهضة العلمية الحديثة.
ووصولا إلى القرن التاسع عشر، نكون قد وصلنا إلى مرحلة احتدم فيها النقاش حول علمية النقد، نظرا للانتقال من المستوى التأملي في الدراسات الإنسانية نحو «الدراسة العلمية المحددة لموضوعها والضابطة لمناهجها». إنه إشكال قائم الذات؛ مادامت الظاهرة الأدبية ظاهرة مرتبطة بالإنسان، فهي في غاية الانفلات والزئبقية، وإن حاولت المناهج العلمية/ النقدية أن تجد شكلا تنميطيا للنص الأدبي فإنها لم تنجح في هذا المسعى، لأنها متعددة المداخل والأبعاد والمستويات، وبذلك، كان كل منهج يستدرك على الذي قبله (المنهج التاريخي، المنهج النفسي، المنهج الاجتماعي، المنهج البنيوي، منهج البنيوية التكوينية، المنهج السيميائي).
لكن، أهم ثورة في هذا المجال، كانت بظهور اللسانيات، منذ «محاضرات في اللسانيات العامة» (1916) حيث عملت على دراسة اللغة كظاهرة طبيعية وعلى أسس علمية.
وبذلك، حاول بعض روادها مقاربة النص الأدبي بقواعد علمية مرتبطة بالأدب، ما أفرز لنا مفاهيم من قبيل «الشعرية» و«أدبية الأدب» «ونظرية الأدب»، في أفق خلق من الظاهرة الأدبية قواعد معالجتها، وهذا ما أسفر عن ظهور «الأسلوبية» مع كل من شارل بالي (1865-1947) وليوسبيتزر (1887- 1960) و»ستيفان أولمان» (1914-1976) ومايكل ريفاتير (1924-2004)، هذا الأخير الذي وسع من مجال «علم الأسلوب» من الاهتمام بالنص الأدبي نحو علاقته بالقارئ. ويقول في هذا السياق: «إن الظاهرة الأدبية ليست النص وحده، بل هي إشكال إدراك القارئ للنص أيضا».
ولم يكن النقد العربي الحديث بعيدا عن هذا السعي العلمي للظاهرة الأدبية، حيث حاول تمثل مجموعة من المناهج، وإن كان يعرف في بعض الأحيان التمرد على بعض القواعد الضابطة لها. ليستقر هنا والآن مع مناهج التلقي والتأويل، في أفق الجمع بين الثالوث المحقق للاتصال الأدبي، بل رغبة في الإحاطة بجوانب تهم الظاهرة الأدبية، ما أسفر عن اتجاهات نقدية أخرى قبيل تحليل الخطاب والنقد الثقافي وغيرهما.

٭ أكاديمي مغربي

نحو علمنة الظاهرة الأدبية في النقد العربي

رشيد طلبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية