مصر: الحجازيون بين دوافع الإقالة ومآلات التعيين

حجم الخط
0

في تشرين الأول/أكتوبر عقد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إجتماعا مع كل من وزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس المخابرات العامة واللواء محمد حجازي مساعد وزير الدفاع آنذاك، وفي مساء ذلك اليوم وبعيد انتهاء الإجتماع أصدر الرئيس المصري قرارا بترقية اللواء محمد حجازي لرتبة فريق وتعيينه رئيسا لأركان القوات المسلحة، بدلا من الفريق محمود حجازي الذي تم تعيينه مستشارا للتخطيط الإستراتيجي وإدارة الأزمات في رئاسة الجمهورية.

التغيير المفاجئ

منذ تخلى الرئيس المصري عن منصبه كوزير للدفاع فى آذار/مارس 2014 والمجلس الأعلى للقوات المسلحة يقوم بإجراء تغييرات في قيادته كقادة الفرع والمناطق ورؤساء الهيئات، واعتبرت تلك التغييرات أنها روتينية ودورية، وكان الجميع على يقين أن منصبي الوزير ورئيس الأركان لن يشملهما أي تغيير، فالأول محصن دستوريا والثاني محم من قبل الرئيس، ولكن المفاجأة كانت في إقالة رئيس الأركان وترقيته إلى منصب شرفي خاصة أنه كان مسؤولا عن العديد من الملفات الداخلية والخارجية ، فإقالة حجازي لم يكن يتوقعها أحد، ولذلك اعتبرها البعض لا تقل أهمية عما حدث فى 12 من آب/أغسطس 2012 عندما تمت إقالة المشير طنطاوي والفريق سامي عنان من منصبيهما.

تزامن الإقالات

صدور قرار إقالة محمود حجازي بعيد اجتماع السيسي لمناقشة نتائج تحقيقات حادث الواحات، وما تبعه من قرارات وزير الداخلية بإقالة مدير قطاع الأمن الوطني ومدير أمن الجيزة ومدير إدارة العمليات الخاصة بقطاع الأمن المركزي ومدير الأمن الوطني في الجيزة، لم يكن من قبيل المصادفة وإنما كان من قبيل ترتيب القرارات، خاصة أن فارق التوقيت بين القرار الرئاسي والوزاري لم يكن سوى دقائق، ومن ثم فإن شبهة تقصير تكون قد لحقت بحجازي المقال، وفق لنتائج التحقيق التي ناقشها السيسي مع وزراء الدفاع والداخلية والمخابرات.

الإخفاقات المتعددة

بمجرد تولي الفريق حجازي رئاسة أركان القوات المسلحة أسند اليه السيسي عددا من الملفات، من أهمها ملف ليبيا وملف حماس وملف سيناء وملف الإشراف على المخابرات الحربية لمدة تقارب العام، إلى أن تم تعيين اللواء محمد الشحات مديرا لها فى نيسان/ابريل 2015، ومع توليه تلك الملفات لم يكتب له النجاح فى أى من تلك الملفات فملف حماس والقضية الفلسطينة ظلت حبيسة الأدراج إلى أن تولت المخابرات العامة هذا الملف وأحدثت فيه إنجازا غير مسبوق وهو المصالحة بين فتح وحماس والتوصل إلى تفاهمات مع حماس بشأن إدارة الحدود بين غزة وسيناء والتي كان لها عظيم الأثر فى كبح جناج ولاية سيناء ، أما الملف الليبي فيبقى كما هو لا جديد فيه بل إن الحدود الليبية أصبحت أكبر خطر يهدد الدولة المصرية، فالعمليات الإرهابية التي حدثت في الصحراء الغربية ، كافة التحقيقات تشير إلى قدوم الإرهابيين من ليبيا فضلا عن قتل عشرات المصريين في ليبيا من قبل تلك الجماعات الإرهابية.

احتواء غضب الشرطة

التسجيل الصوتي الذي تم تسريبه فى الإعلام عقب هجوم الواحات الإرهابي، أكد أن قوات الجيش لم تدعم قوات الشرطة إلا بعد مرور قرابة 24ساعة على الحادثة ، أي في صبيحة اليوم التالي للهجوم ، وهذا ما أثار غضب العديد من رجال الشرطة، حتى وإن سلمنا بما قيل بأن الأمن الوطني أراد أن ينجز تلك المهمة بعيدا عن الجيش، ولكن أنباء وقوع قتلى من قبل الشرطة جاءت بعد ساعات قليلة من بدء اقتحام الوكر الإرهابي فتأخر قوات الجيش كان عليه علامات استفهام كبيرة ، ومن ثم كان لا بد من رفع الحالة المعنوية لأفراد الشرطة كالعملية التي تمت بعد أسبوع من هجوم الواحات وفي المنطقة ذاتها، بالإضافة إلى محاسبة المقصرين في كل من الشرطة والجيش، فإقالة حجازي جاءت بسبب اخفاقه في حل الملف الليبي، وليس كما ذكرت بعض التقارير بأن تأخير قوات الجيش كان بناء على أوامر صدرت من قبل حجازي شخصيا ، وهذا الأمر مستبعد لأن حجازي في ذلك التوقيت كان متواجدا في واشنطن لحضور اجتماع رؤساء أركان الدول المشاركة في الحرب على الإرهاب ولم يعد إلى القاهرة إلا بعد مرور أسبوع كامل على الهجوم .

خطوة تمهيدية

نصت المادة (234) من الدستور المصري الذي تم اقراره في عام 2014 على أن» يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور.» ووفقا لتك المادة لا تجوز إقالة وزير الدفاع ، ولكن يمكن لوزير الدفاع تقديم استقالته وفقا لتفاهمات كما فعلها السيسي فى عام 2014 ، حيث قدم استقالته لكي يتم ترشيحه للرئاسة ، وبالتالي فربما تكون إقالة جحازي خطوة تمهيدية لإستقالة صدقي صبحي حيث أنه لم يتبق من قادة 30 حزيران/يونيو الذين تصدورا المشهد مع السيسي سوى صدقي صبحي، فرؤساء الفرع الرئيسية وقادة الجيوش والمناطق باستثناء قائد القوات الجوية تمت إقالتهم ، وكذلك وزير الداخلية واحمد الزند وتوفيق عكاشة ومحمد البرادعى، وختاما تمت إقالة رئيس الأركان ولم يتبق سوى صدقي صبحي.

تغيير داخلى

لا أحد ينكر أن محمود حجازي كان رجل السيسي الأول في القوات المسلحة، وكان بمثابة ظهره وسنده الذي يتكئ عليه فى الجيش ، كذلك لا يستطيع أحد إنكار أن السيسي استخدم الجيش المصري في غير موضعه وأسند إليه أمور ووظائف أنهكته وشغلته عن وظيفته الرئيسية ، ولربما رأى الجيش أنه يجب الفصل بين مؤسسة الرئاسة والقوات المسلحة حتى وإن كان الرئيس هو القائد العام السابق للقوات المسلحة ، وبالتالي كانت إقالة حجازي بناء على توصية من القوات المسلحة بتخفيف قبضة الرئيس على الجيش لأن استمرار الدمج بين المؤسستين يضر بالجيش ، خاصة وأننا مقبلون على إنتخابات رئاسية والمرشحون المحتملون فيها كلهم قادة سابقون، وبالتالي لابد وأن يظهر الجيش أنه بعيد كل البعد عن رئاسة الجمهورية وإنتخاباتها، فإقالة حجازي تمثل تخفيفا لسيطرة السيسي على الجيش لما يمثله ـ محمود حجازى ـ من ولاء تام للسيسي وما تربطهما من صداقة ممتدة عبر أربع عقود وصلة نسب منذ 2010 ، وليس معنى ذلك عدم دعم الجيش للرئيس ولكن سيستمر الدعم كما كان في عهد طنطاوي لمبارك.

الحنين إلى الماضي

من الأعراف العسكرية لابد أن يكون رئيس الأركان قادما مباشرة من الهيئات أو الجيوش أو الأفرع الرئيسية ، أما رئيس هيئة العمليات كطنطاوي أو رئيس حرس جمهوري كمجدي وهيبة أو قائد الدفاع الجوي كسامي عنان أو قائد أحد الجيوش كصدقي صبحي أو مدير مخابرات حربية كمحمود حجازي، ولكن أُن يُؤتى برئيس أركان ترك منصبه كقائد للجيش الثاني الميداني منذ خمس سنوات وعمله الحالي منصب في أعمال إدارية بحتة ، فهذا يدل على عودة رجال طنطاوي في سدة المجلس العسكري ،وربما عودة سياسات طنطاوي التي كان يسير عليها منذ أيار/مايو 1991حتى آب/أغسطس 2012.
وأيا كان سبب الإقالة فإن المعلوم والمؤكد أن السيسي فقد ظهره وصهره وسنده في الجيش المصري، وبالتالي فقد جزءا مهما من أدواته للسيطرة على مفاصل الدولة إن لم يكن أهمها على الإطلاق.
كاتب من مصر

مصر: الحجازيون بين دوافع الإقالة ومآلات التعيين

عاصم عليوه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية