شيرين حين تستفز «الوطنية» المصرية

حجم الخط
2

لم يكتب للوطنية الدستورية في مصر أن تستمر وتترسخ، ذاك أن هوس العروبة بنسختها الناصرية الديكتاتورية طغى على كل ممكنات البحث عن عقد اجتماعي يكفل لأهل المحروسة إدارة مصالحهم وسبل عيشهم.
الساداتية رغم انقلابها عن الوجهة تلك، أضافت التباساً إلى هوية البلد الذي دفعه رئيسه آنذاك إلى اتفاقية سلام من دون أي تمهيد مجتمعي أو نقد لما سبق.
وعليه، فقد ورث مبارك من سلفيه، نظاماً هجيناً فيه من الاشتراكية بقدر ما فيه من «الاقتصاد الحر»، ومن دعوات السلام قدراً مماثلاً لنضالية الاستعداد لـ»الحرب».
الرئيس الذي انتفض ضده المصريون حاول أن يلفق توازناً لا يمكن تلفيقه بين نظامين يتشاركان في البنية نفسها، العسكرة، وتعطيل الحياة الديمقراطية، واستخدام الإسلاميين، وقمع الأقباط، ولكن بأنماط مختلفة، وبوجهتين متضادتين خصوصاً العلاقة مع الغرب.
انهيار العهد الدستوري قصير الأمد، وإقناع المصريين عبر الدعاية الناصرية بأنهم حملة قضايا العرب، وثم اقتلاعهم رسمياً من هذه الوجهة نحو سلام مع إسرائيل، خلق التباسات في الوطنية المصرية، ما جعلها مائعة يسهل تحمليها أي مضمون. المباركية استفادت تحديداً من هذا المناخ، وعمّمت حالة من اللامعنى على حياة المصريين. وخلال ثورتين، الأولى شابها ضعف في العمل السياسي ما سمح للفريق الأكثر تنظيماً وليس تمثيلاً، للوصول إلى الحكم، والثانية، شابها انقلاب ما زالت مفاعليه مستمرة، لم يُؤسس لأي بحث في الوطنية المصرية. وما زاد الأمور سوءا، أن الفريق الإسلامي الذي أدار البلد بتحالف سقط لاحقاً مع المؤسسة العسكرية، خلال الثورتين، سعى إلى تطييف الحياة العامة والمؤسسات في استيلاد مضجر لأساليب الإسلام السياسي في بناء دولة عميقة.
ولا يبدو عبد الفتاح السيسي الرئيس الحالي للبلاد سوى نتاج لكل هذه الانقطاعات التاريخية، التي عطلت تفكير المصريين حول بلدهم كهوية وأسلوب حكم. وكون مصر مجتمعا منسجما بغالبية سكانه بالمعنى المذهبي، فذلك لا يعفي أهلها من البحث عن إجماع آخر يفسح المجال لحساسيات متنوعة، لأن تتمثل وتنوجد بفعالية في البلاد، عدا عن أن هناك مسألة قبطية متروكة للتوظيف من قبل الأنظمة المتعاقبة، سببها هذا الإهمال في تكوين مشتركات قانونية تتجاوز الانتماء الأولي العام.
المفارقة أن، هذا الفراغ في الوطنية، يجري التعويض عنه بشكل شعبوي، تارة من قبل المجتمع، وطوراً بتوظيف من النظام. والهجوم على تصريحات الفنانة شيرين حول مياه النيل، يأتي في هذا السياق. فالشتائم والانتقادات التي وجهت لها، كانت تثأر لرمز من رموز البلد، يضاف إلى الأهرامات وسواها. رمز يساهم في صناعة صورة مصر وتاريخها و»عظمتها» ضمن سردية تفخيمية مردها التعويض عن افتقاد الوطنية القانونية والدستورية التي من المفترض أن تنظم حياة الناس بأقل الأضرار. أما النظام، فقد وجد في التصريحات، مخرجاً إعلامياً مؤقتاً لحرف الانتباه عن فشل مفاوضاته مع إثيوبيا والسودان، حول سدّ النهضة الذي سيخفف حصة مصر التاريخية من النيل، فجعل من شتيمة النهر غطاء لضياع النهر نفسه، مستغلاً شعبوية مجتمعية ترى الرموز أهم من التعايش في ظلها.

شيرين حين تستفز «الوطنية» المصرية

إيلي عبدو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية