تقدم السنوات العشر الأخيرة مؤشرات كثيرة على دخول السياسة الخارجية السعودية في مسار غير مأمون العواقب، اضطربت فيه الأهداف، وارتبكت فيه القرارات الاستراتيجية بشكل غير مسبوق، وأصبحت تسير في بعض الملفات في اتجاه معاكس للمصالح العليا السعودية.
في البدء، لم تستطع المملكة العربية السعودية أن تنتج جوابا استراتيجيا في التعاطي مع الربيع العربي، إذ بدل أن تشتغل على إعداد جواب محلي أو خليجي، أربك ضغط الأحداث المتسارعة عقلها الاستراتيجي، واستثمرت إلى جانب الإمارات العربية المتحدة في بناء جواب إقليمي معاكس لإرادة الشعوب في الحرية والكرامة والديمقراطية، وتسبب هذا الانخراط الإقليمي في ضرب مصلحتين استراتيجيتين للسعودية: الأولى: معاداة الإسلاميين في المنطقة والإخلال بقاعدة التوازن القبلي والسياسي في اليمن، وتمكين إيران من فرصة كبيرة للتسلل للمنطقة بدعم حساسية مذهبية صغيرة، وتحويلها إلى قوة سياسية وعسكرية فرضت نفسها في واقع الأرض، والثانية: المس بصورة المملكة العربية السعودية في العالم العربي، وتحولها في مخيال شرائح عديدة من الشعوب العربية إلى معيق للتحول الديمقراطي.
ولذلك، كان أول درس في الفشل من جراء انتهاج هذه السياسة، اضطراب علاقتها بمصر المتقلبة المزاج والمحاور، وفقدانها لجانب مهم من أمنها القومي في اليمن، بعد أن أصبحت القوى المسيطرة على الأرض، في حالة عداء ليس فقط مع السعودية، ولكن في حالة لقاء استراتيجي مع حلفاء إقليميين يناهضون المصالح العليا للسعودية. ثاني درس من دروس الفشل، تمثل في عدم مصاحبة الخيار العسكري في اليمن بخيارات سياسية تعيد ترتيب الأوراق والتحالفات في اليمن، بالشكل الذي تفكك فيه تحالف الحوثيين بعلي عبد الله صالح، وتضعف قوتهم، وتمكن لبديل سياسي مدعوم قبليا، حتى تكمل السياسة وظيفة الحرب. والمفارقة، أن طول زمن الحرب وعدم تحرك آليات السياسة لتحويل عائد الحرب إلى مكاسب سياسية، ضاعف من المأساة الإنسانية للشعب اليمني، ووضع السعودية في دائرة التهمة، وأنهك طاقة حلفاء المملكة، وبدأت تظهر مؤشرات فشل الخيار العسكري.
الدرس الثالث في الفشل، تمثل في مواجهة الهيمنة الإيرانية في المنطقة، وتحصين جدران منظومة الأمن القومي السعودي. نعم نجحت السعودية بدعم عربي وخليجي واسع في احتواء الحراك الشيعي في البحرين، وتمكنت البحرين بسياسة التجنيس من تأمين التوازن والإيقاف المؤقت للتمدد الإيراني على أراضيها، لكن، العقل الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية فقد صوابه بشكل كامل مع الاتفاق الأمريكي الإيراني حول الملف النووي، فلم تستبق-بسبب وضعها كل البيض في السلة الأمريكية، وبسبب موقفها من الربيع العربي- أي خيارات فعالة لمواجهة التحدي الإيراني، خاصة وأن السياسة الخارجية الإيرانية عرفت كيف تحول سقوط نظام صدام حسين إلى عائد سياسي استراتيجي ناورت في سبيل تحقيقه بشكل عصي مع الولايات المتحدة الأمريكية لكي تحول بغداد لحليف استراتيجي لإيران، بل نجحت في أن تستغل شرار الثورة السورية وتدفع النظام السوري إلى وضع بيضه كاملا في السلة الإيرانية، فتمكنت في أقل من عشر سنوات أن تضمن خدمة أربع عواصم عربية لأجندتها في المنطقة: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، هذا في الوقت الذي فقدت فيه المملكة العربية السعودية نفوذها في اليمن، وتراجع تأثيرها على الوضع السوري، وفقدت القدرة على تنسيق المواقف مع حليفها التركي في الشأن السوري، وذلك على خلفية الموقف من الأزمة الخليجية، ودعم تركيا لقطر، ودخلت في لعبة الشد والجذب مع نظام السيسي الذي راوغها أكثر من مرة دون أن تتمكن من تأمين تحالف استراتيجي معه يخدم مصالحها الحيوية في المنطقة.
أما الدرس الرابع في الفشل، فهو انخراطها في صراع غير مبرر مع قطر، وما نتج عن ذلك من إهدار رصيد قوتها بإضعاف مجلس التعاون الخليجي، وفتح خطوط كبيرة في هذه المنطقة المستقرة لتستغلها إيران من خلال تعميق علاقتها بكل من قطر والكويت، بالإضافة إلى علاقتها الحيوية الدائمة مع عمان، والمساهمة في عزل موقف المملكة.
والمثير للانتباه، أن السعودية فشلت تماما في ثني القيادة القطرية عن مواقفها، ولم تستثمر ـ بسبب تصلبها وتعنتها- نتائج أي وساطة، بما في ذلك الوساطة الكويتية، لكسب بعض النقاط في جولة التفاوض مع قطر للتوصل إلى اتفاق مشترك، بل على العكس من ذلك، صب تصلبها في مصلحة قطر بعد أن كسبت دعما دوليا وخرقت الحصار، وكسبت مواقف القائمين بدور الوساطة المعلنة والمستترة. الدرس الخامس من دروس الفشل، تمثل في الأسلوب غير السلس في إدارة انتقال الحكم في السعودية وأثره على صورة المملكة في الخارج، وبشكل خاص أثر ذلك على الاستثمارات السعودية في عدد من البلدان التي أضحت في وضعية هشاشة وعدم استقرار بعد استهداف رجال الأعمال السعوديين واعتقالهم وسجنهم، مما جعل الدول التي استقبلت هذه الاستثمارات تبحث عن خيارات بديلة للخروج من دائرة الحرج، فأصبحت هذه الدول- بعد حملة الاعتقالات التي لم تسلم منها المؤسسة الملكية والحكومة والعسكرية والأمنية والإعلامية والنخبة الاقتصادية- تدخل السعودية في دائرة الدول غير المستقرة التي لا يتوقع أحد بمستقبل الصراع فيها.
أما الدرس السادس في الفشل، فقد تمثل في السيناريو الرديء الذي أدارت به المملكة ملف سعد الحريري، إذ استثمرت واقعة تعرض الرياض لاستهداف بصاروخ من الأراضي اليمنية، لتجعل من رئيس الوزراء اللبناني رهينة عندها، وتحدث أزمة سياسية في لبنان، وترهن رجوع الحريري لبلده بتحرك الفاعلين السياسيين في بيروت لمحاصرة حزب الله ومنعه من الاشتباك في أجندات إقليمية. ويتمثل الفشل في استثمار إيران وحزب الله لرداءة هذا السيناريو، وتحويله إلى دليل إدانة ضد السعودية، واتهامها بالتدخل في الشأن اللبناني، وتحويل أنظار الشعب اللبناني بكل مكوناته السنية والشيعية والمسيحية وكذا المنتظم الدولي إلى قضية احتجاز رئيس وزراء من قبل دولة وسعيها إلى ضرب استقرار المنطقة بتهور سياساتها.
٭ كاتب وباحث مغربي
بلال التليدي