لقد أصبح واضحا وبعد تراجعها الملحوظ في قضية الحريري ، عدم نجاح السعودية في اشعال الجبهة الشمالية والدفع باتجاه حرب من نوع ما بين حزب الله واسرائيل من اجل الحد من نفوذ حزب الله وايران في لبنان ،والتقليل من اهمية اخفاقات سياساتها في سوريا والمنطقة .
أكد المحلل العسكري لصحيفة هآرتس 12112017 ان اسرائيل «لن تسارع في تنفيذ العمليات القذرة للسعودية في لبنان» واكد هذا ايضا السفير الامريكي السابق في اسرائيل وهو دان شابيرو في مقالة له في هآرتس باللغة الانكليزية في الاسبوع الماضي، وسبقه في ذلك السيد دوب زكهايم ،وهو موظف كبير سابق في البنتاغون في مجلة فورن بوليسي والشواهد التي تؤكد ذلك كثيرة .
يمكن القول وبشكل عام إن فشل السعودية في اشعال الجبهة الشمالية جاء نتيجة لسوء تقديرها لمواقف الاطراف المعنية والتي كانت ترفض جميعها وبشكل واضح الانجرار للتصعيد، ومن جهة اخرى فقد بالغت السعودية في تقدير حجم قدراتها وامكاناتها في تغيير هذا الموقف واقناع أو دفع الاطراف للتصعيد .
أما بشكل خاص فإن أحد الاسباب الرئيسية في هذا الفشل هو معاناة متخذ القرار السعودي من الضعف والسطحية في فهم كيفية تفكير الاسرائيلي ،فقد تبين ووفق النتائج الملموسة أن السعودية اساءت فهم اهمية ودور التنسيق _الوثيق والمتزايد بينها وبين اسرائيل في المجال السياسي، والمترافق بالتعاون الاستخباراتي، وفق هآرتس 10112017_في السياسة الاسرائيلية الخارجية .
فعلى الرغم من الاهمية البالغة التي توليها الحكومة الاسرائيلية بل ويفتخر بها نتنياهو داخليا للتعاون مع بعض الدول العربية الا أن دوره في السياسة الاسرائيلية واضح ومحدد :لمحاربة النفوذ الايراني بأدوات عربية واسلامية واستخدامه للضغط على الفلسطينيين للتعاطي مع المشاريع المدعومة اسرائيليا ،وذلك دون أن تدفع تكاليف تذكر .
لقد اخطأ متخذ القرار السعودي مرة اخرى في قراءة خارطة المصالح الاسرائيلية ولم يتعلم من فشله السابق في دفع اسرائيل لضرب المشروع النووي الايراني او في اقناعها في التدخل العسكري المباشر في سوريا كما اكدت المصادر الإسرائيلية، فاسرائيل لا تخوض حروبا بالوكالة كما انها غير جاهزة ووفق كل المحللين والخبراء الامنيين في اسرائيل، لحرب مكلفة وباهظة الثمن في الجبهة الشمالية فهي تعتمد بالدرجة الاولى على الدبلوماسية المدعومة أمريكيا اضافة الى استخدام بعض حلفائها العرب من اجل تحقيق مصالحها .
لم يعد لافتا في الطلب السعودي من اسرائيل ضرب لبنان انه يدل على مدى حجم التنسيق الوثيق والاستراتيجي بين البلدين ،فقد اصبح هذا معلوما وظاهرا، ولكن الذي لا يقل خطورة عن ذلك أنه يدل على طريقة التفكير واتخاذ القرار لدى القيادة السعودية الجديدة فهو ينذر بالمزيد من التخبط والارتباك والقرارات الخاطئة التي ظهرت منذ أزمة حصار قطر وحتى اقالة الحريري .
كما أن الفشل السعودي ناتج عن عدم إدراك متخذ القرار في السعودية لكيفية تفكير ونظرة نتنياهو «قائد الدبلوماسية الاسرائيلية» للعرب ،فهو ينظر اليهم نظرة استشراقية استعلائية ،ترى بالعربي وضيعا وان ملك الاموال امام التفوق اليهودي كشعب الله المختار، وقد ظهر ذلك جليا ايضا في تعامله مع العرب الفلسطينيين داخل الخط الاخضر حيث اتخذ من معاداتهم سبيلا لاستمرار حكومته .
من المعقول القول ان نتنياهو يفتخر باجتماعاته الخاصة «بعلو يده» ،وبتأثيره الساحر على بعض القادة العرب وبقدرته على تجنيدهم واستخدامهم لمصالحه ضد ايران والقضية الفلسطينية وذلك لحاجتهم اليه وللمزيد من دعم السياسة الامريكية في المنطقة فهو يعلم كما يزعم من أين تؤكل الكتف العربية .
وأخيرا يبدو بأن الفشل السعودي في اشعال الجبهة الشمالية لن يكون الأخير ، وذلك بسبب المقاربات المغلوطة وغير المدروسة جيدا التي تتبعها القيادة السعودية الجديدة في علاج المسائل والقضايا الداخلية والاقليمية .
٭ كاتب أسير في أحد السجون الإسرائيلية
عبد الناصر عيسي