رغم التوصيف الأجناسي للقصة «القصيرة» و»القصيرة جدا»، ورغم تهميش النقد والبحث لها، إلا أن حضورها ذو مكانة الخاصة في نفوس الكتاب المبدعين. لقد اتخذت القصة القصيرة لنفسها طريقة وجود متنوع ومتعدد، فهي تتخلل النص الشعري والرواية، حتى أن بعض الروايات ليست غير محكيات قصصية تبحث لنفسها عن مبررات تقنية وأسلوبية ومبررات نسقية تجعل منها نصا روائيا. وتتسلل القصة إلى المقال الصحافي والسير الذاتية والغيرية، والنصوص التاريخية والوعظية والدينية. والناظر المتمعن في مسار القصة القصيرة المغربية الحديثة والمعاصرة، سيكتشف أنها كائن حي حيوي قوي الحضور في جل محطات التحول الفكري والاجتماعي والسياسي المغربي، وبأن القصة القصيرة مُدَوَّنَةٌ حقيقية للوعي الفني والجمالي المغربي المعاصر، وأنها بدأت طفلة مع الاقتباس والترجمة، وبدأت رومانسية وتاريخية مع مرحلة الوعي بالجنس الأدبي، ثم اجتماعية تتكلم بلسان من لا لسان لهم وترتدي بزة الجندي والمصلح مع مرحلة التأصيل ومحطة البحث عن الروح «المحلية». بعد ذلك دخلت معترك التجريب ومغامرة الوعي بالكتابة النوعية، ومنه إلى مجال أرحب تمثل في التنويع الأجناسي بظهور القصة القصيرة جدا، باختيار من جيل الألفية الثالثة وما صاحبها من أدوات ووسائط معلوماتية وإلكترونية ووعي متأثر بالسرعة وشمولية الانتشار ويسر التواصل ولا محدوديته.
المفهوم العام الذي نقترحه للقصة هو كالآتي: أنها (كما جاء في كتابنا «التداعي والمفارقة والتهكم في القصة القصيرة»، 2014)، خطاب سردي ووصفي، قصير وممتع، سري النهاية، فجائي الحلول، يتخذ من السخرية والمفارقة سلاحا للانتقاد وللكشف وللفضح، وللتعبير عن وجهة النظر والموقف من الذات والآخر والعالم والأحداث الطارئة، ينهض على الفكرة الفريدة التي يسندها اليقين والاطمئنان، أو على السر والغموض (والاستثنائيّ) يسندهما الشك واللايقين، أو يقوم على الحدث ذي البعد الاجتماعي والواقعي أو المتخيل العجيب والغريب، أو يقوم على رصد الشخصية الواقعية ذات الصفات المميزة، أو الشخصية الفريدة، العجيبة والغريبة الأطوار.
وهكذا تنتسب المجموعة القصصية «حُلُمُ غَفْوَة» لمحسن أخريف إلى المرحلة الحالية التي تعلن فيها القصة القصيرة عن تجاوزها لمرحلتي التجنيس والتأصيل إلى مرحلة الوعي الذاتي والجمالي، أي مرحلة النضج، حيث يكتب القاص انطلاقا من وعيه القصصي ومرجعيته الثقافية المتنوعة والمختلفة ومن تجربته الشخصية القادرة على منحه، إمكانية ابتداع شكل للمتخيل القصصي الشخصي ووعي خاص كذلك بمفهوم القصة.
أخريف جعل السرد القصصي القصير ينتقل من التركيز على عقدة (ذروة) الحكاية إلى عقدة (المركب النفسي) الشخصية، أي أنه جعل مرتكز قوة متخيله السردي القصصي القصير في رصد حالة التناقض والضعف في نفس الشخصية المتخيلة، والمعادل الموضوعي والرمزي للكائن المقهور تحت ضغط قوى مجتمعية ونفسية خفية. وهو بذلك يرسم صورة عن ذلك الكائن «الكافكاوي» الذي يرعبه خياله، لأنه أطول من قامته الحقيقية؛ الكائن المعاصر الذي يعيش تحت طائل فكرة أنه لا شيء، وأنه عبد لقوى آدمية خفية متحكمة في كل ما ومن تدب فيهم الحياة. قصصه القصيرة، وهي في جوهرها قصيرة جدا، مكتفية بذاتها، لا حاجة عندها في مد أطرافها لتحتوي العالم الأوسع، لأن العالم الداخلي الضيق أكثر اتساعا من الخارج. وهي قصص لا تهتم بالتفاصيل مثل فاطمة في قصة «فاطمة ورولان بارت»، حين يقول السارد القاص: «حكايات فاطمة قصيرة، إذ إن فاطمة تكره التفاصيل، حتى لو كانت تفاصيل بعض الحكايات شيقة وممتعة؛ فاطمة تذكِّر نفسها دوما: التفاصيل تجلب المشاكل وتوقع في الأخطاء، لذلك من الأفضل أن أترك النسوة يبحثن لوحدهن عما يختفي وراء أكمة الحكايات».
هذه القصة القصيرة (جدا) تنقل وجهة نظر حول مفهوم ومعنى القصة القصيرة (جدا) لدى أخريف، في أنها تهتم بـِ(الأثر) وتترك التفاصيل للقراء وللمهتمين والمنشغلين بـِ(توسيع) المحكي الإطار إلى محكيات متنوعة ومتفرعة، قد تكون امتدادات لا تقول الحدث أو الفكرة الجوهرية أو الحالة النفسية فحسب، بل تَقول التوسيع في المحكي وتأويلَ القارئ ووجهة نظره المشاركة في بناء المتخيل القصصي.
إذا كان المحكي في مجموعة «حلم غفوة» لا يتنامى عبر توسيع المحكي أفقيا بالامتدادات المحكية والاستطراد، فكيف يبنى السرد فيها، مادام السرد خاصية نوعية أساسية في جنس القصة القصيرة وباقي الأجناس المصاحبة لها، مثل الرواية والسيرة بأنواعها؟
إن السرد يتنامى عبر تناقض الحالة النفسية والذهنية لمكون الشخصية القصصية، لقد اختار القاص أخريف الاشتغال على المستوى الباطني والعميق، حيث تتفاعل الذات في داخلها، غالبا عبر الحوار الداخلي (المونولوغ). ولهذا نجد عددا من النصوص القصصية اتخذت من «الوحدة» موضوعة لها، سواء الوحدة النفسية أو العزلة الجسدية، فنجد مثلا حادثة الاعتقال في قصة «شاهد بعينين مغمضتين» حيث يضطر الشاهد إلى كتمان الحادث في نفسه ورفعه من مستوى الحدث العام المتداول إلى مستوى الحدث الشخصي، فيكشف مدى تمكن الخوف والقهر من الذات في المجتمع القاهر والمتحكِّم. إلا أن هناك قصة قصيرة أخرى رسمت هذا النوع من الإحساس القاهر الذي يمكننا تسميته بـِ»التعلق» وهي قصة «عارضة الأزياء» حيث سيتحول التعلق بالوهم هوسا يُبقي الشخصيةَ عالقةً في عوالم الصمت والعزلة.
وفي قصة «صور» يعود القاص إلى موضوعة الخجل، وإلى كتابة الحالة النفسية التي تجعل السرد باطنيا، وتدفعه نحو التنامي العمودي لا الأفقي. وفي قصة «صور» يتطور هوس الشخصية القصصية، أي تأمل صور الفتيات القرويات الراغبات في الزواج بالكشف عن حقيقة مرض «خجل» الذات. والسجن الاحتياطي (التعسفي) تتمثل فيه قيمة الوحدة والعزلة في تلازم مع نوع المكان الذي تقيم فيه الشخصية، ويراوح بين المعتقل في قصة «شاهد بعينين مغمضتين» وقصة «سراح»، والقبو وغرفة منزوية بسطح بيت يعيش رؤوف فيها وحيدا دون زوجة أو أولاد، وبدون عَقْدٍ. غرفة بدون وضع قانوني كما هي حال الشخصية ووضعيتها، إقامةٌ في الوجود بدون عقد وهوية مثبتة. كعادة المعدمين في المجتمعات الجائرة، يقيمون في الوهم، في الحلم يبنون عوالمهم وفي العوالم الافتراضية، فالواقع بالنسبة لهم لا ينهض، يرزح تحت ثقل الظلم والجور.
فكما هربت شخصية رؤوف إلى ظل الصمت والعزلة، هربت شخصية قصة «حلم غفوة» إلى هشاشة الحلم والتمني بعيدا عن الحياة. أو كذلك الوحدة الناجمة عن الفقدان والموت أو تقدم العمر كما في قصة «شيخوخة» التي تعبر فيها «رابحة» عن خوفها وبالتالي خوف الإنسان القلق، كل إنسان، من البقاء وحيدا مع العجز. يقول السارد القاص: «كانت «رابحة» تخاف من الموت خوفا شديدا، ليس من موتها هي، بل من موت زوجها وبقائها وحيدة. كان الموت بالنسبة إليها يعني الوحدة القاتلة. وكان خوفها يتعاظم مع مرور الزمن، فأصبحت تتمنى جهرا أن تسبق خاتمتها خاتمة زوجها، رغم أنه يتقدم عليها في العمر بسنوات كثيرة». وتعميقا للإحساس بالوحدة ووطأتها، جعل القاص زواج رابحة عقيما بلا خلف ولا مؤنس في سنوات العجز والضعف. لذلك حينما كانت وحيدة تتأمل صورا من حياتها السابقة تفاجأت بالفراغ الموحش، لكنها لا تريد أن تصدق الحقيقة مثلما فعلت شخصية رؤوف سابقا مع دمية عرض الأزياء في واجهات المحال التجارية. إن الفزع والخوف والخجل عوامل باطنية تحجب حقيقة الحياة عن الفرد المعاصر، الشخص المعتل، لأن الحياة هي ما يعيشه الكائن حقيقة واقعية، وليست ما يتمناه ويرغب فيه، ولعلها حكمة بليغة مستخلصة من تجارب الناس.
لقد اشتغلت مجموعة «حلم غفوة» في بناء متخيلها القصصي على العوالم الباطنية «العميقة» للكائن، في صراعه مع ذاته والوجود المحيط به، من كائنات وأمكنة، لتكون بذلك قد اختارت الكتابة عن الواقع ليس كموضوع خارجي واقعي، بعيد عن عين القاص الراصدة، أي واقع الآخرين الظاهر، ولكن كموضوع محايث، يسكن الذات ويتلون بألوانها وينعكس في مرآتها. إنها كتابة قامت بتذويت الواقع فهي ليست كتابة على نهج السيرة الذاتية أو الغيرية، ولا حتى هي تخييل ذاتي، ولكنها كتابة الذات في تحول الواقع، وفي صراعها مع الضيق لا الشساعة. ولهذا فإن من الملامح المميزة للقصص في مجموعة «حلم غفوةٍ» التقطيع المشهدي والأحجام القصيرة، المكتفية بالتلميح والإشارة بعيدا عن التطويل والتوسيع والاستطراد وتشعب السرد إلى محكيات.
فالعالم الخارجي واسع ومتنوع وموضوعاته مطروحة في الطريق وكانت مجال اشتغال العديد من القصاصين الواقعيين في المغرب والعالم العربي والعالم، بينما ما يعتمل في داخل الشخصيات المتخيلة هو موضوع الخاصة من الكتاب، لأنه لا ينهض على العين اللاقطة الراصدة والسرد الواصف، بل يقوم على مجاراة التناقض والالتباس في عالم بلا حدود مميزة وفارزة. تتطور فيه الأحداث والوقائع عموديا حفرا في الظلام، وفي عتمة النفس البشرية.
محسن أخريف: «حلم غفوة»
دائرة الثقافة، الشارقة، 2017
116 صفحة