عن مسرحية الحريري: هل اكتشفت الرياض أن التخلص من حزب الله لن يتم بدون تدمير لبنان؟

حجم الخط
13

خسرت السعودية على ما يبدو رهانها في لبنان، فبعد التصريحات النارية وتهديدات وزير ملف الخليج ثامر السبهان للبنانيين بسبب قبولهم بحزب الله، اكتشفت الرياض أن لعبة إسقاط سعد الحريري واجباره على الاستقالة الممسرحة لم تؤد إلا لتوحيد اللبنانيين حول زعيم لم يكن حتى لحظة اختفائه الغامضة شعبيا. فقد تعامل اللبنانيون بكل طوائفهم على استقالة رئيس وزرائهم التي تمت بأمر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وقرئت من على قناة تملكها السعودية بأنها انتهاك للسيادة ودوس على الكرامة الوطنية. وترددت كلمة رهينة ومخطوف في كل أحاديث السياسيين حتى السنة الذين يمثلهم الحريري رأوا في كل القصة محاولة لجرهم في حرب غير ضرورية مع حزب الله، القوة السياسية والعسكرية المهيمنة على القرار اللبناني. وبدا اختيار ولي العهد السعودي للبنان سوء تقدير أو فهم في حجم التداعيات العكسية التي جلبها قراره، فقد حدث ما كان يريد منع حدوثه من ناحية تأكيد لشرعنة حزب الله وراعيته الإيرانية وتسليم لبنان لطهران. وهو مشهد بات يتكرر في السياسة السعودية الخارجية «الحازمة» ففي اليمن التي تعامل معها وزير الدفاع الشاب كنزهة تستمر لأسابيع ورط فيه الجيش السعودي والدول المتحالفة معه في مستنقع بات النصر فيه بعيد المنال. بل وجعل (م ب س) (كما يعرف في الإعلام الغربي) من وجود إيران حقيقة واقعة هناك وإمكانية لأن يتحول «أنصار الله» الحوثيين لقوة مثل حزب الله اللبناني ولكن قريبا من الحدود السعودية. وكان الصاروخ الباليستي الذي تم اعتراضه قرب مطار الملك خالد في الرياض دليلا على تطور القدرات العسكرية للحوثيين. ولم يعد وضع الحريري رهينة أم منفيا في فرنسا حسب روبرت فيسك في «إندبندنت» (16/11/2017) ليغير من حجم التداعيات التي تركتها المغامرة السعودية الأخيرة. وكان الحريري غادر الرياض على متن طائرته الخاصة يوم أمس السبت بعد تدخل الحكومة الفرنسية بصفته مواطنا فرنسيا بالإضافة لجنسيته اللبنانية والسعودية. والغريب أن الرياض حاولت اللعب على فكرة مواطنته السعودية وأنه في زيارة لعائلته وحر الحركة ويمكنه المغادرة في أي وقت يريد حسب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير. لكن الطريقة التي أخرجت فيها مسرحية اسقاط الحريري وتفكيك السعودية للتحالف القائم بينه وحزب الله صورت للبنانيين والمراقبين أن الأمور غير طبيعية، سواء من حركة الجسد والقلق البادي على الحريري في لقاءاته وغير ذلك من الأمور التي كانت مادة للإعلام والشائعات في طاحونة الأخبار. لكن المهم في المسرحية هو أن السعودية التي اعتقدت أنها من خلاله ستقضي على سطوة حزب الله وتأثيره في الحياة اللبنانية اكتشف أمرا آخر.

التخلي عن الأصدقاء

وأعطت حادثة الحريري صورة عن الطريقة التي تتخلى فيها الرياض عن حلفائها وبسهولة، فعلت هذا مع القبائل السنية العراقية والمعارضة السورية ولكل سياسي لبناني قصته والحريري صار واحدا منهم مقارنة مع إيران الوفية لحلفائها، تقف معهم في السراء والضراء سواء كانوا في العراق أو سوريا ولبنان كما ورد في مقالة لإميل هوكاييم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (16/11/2017). وقال هوكاييم إن ولاء كهذا منح إيران القدرة على ممارسة النفوذ عبر شبكات وجماعات وكيلة تستدعيها في أي وقت. كل هذا في وقت تعتبر فيه طهران دولة مارقة ومحاصرة ولا تملك ما تملكه السعودية من قدرات نفطية وعلاقات واسعة مع الكبار ومن مجال سني واسع. بل على العكس أسهمت السعودية في سياساتها المتقلبة بتدمير مجالها السني ولا يوجد لها حلفاء إلا من يستفيدون منها. وكشفت أزمة قطر محدودية ما يمكن للسعودية فعله فلم ينضم إليها في الحصار على الدولة الصغيرة إلا مجموعة قليلة من الدول. وكما يرى مرتضى حسين في موقع «أنترسيبت» (17/11/2017) فان السعودية تسببت بالدمار والمعاناة بعد قرن من إنشائها وأثبتت أنها أسوأ من إيران في لعبة السيطرة والهيمنة على المنطقة. ورغم ما يجمع بين البلدين من الهوية الطائفية واستخدامها للتاثير والسعي للهيمنة على المنطقة إلا أن السياسة الخارجية السعودية وبعد اغتيال الملك فيصل عام 1975 الذي كان ملكا محبوبا في العالمين العربي والإسلامي انحرفت عن مسارها وتبدو السعودية اليوم في حرب ليس فقط مع إيران وحلفائها بل مع قطر والإخوان المسلمين والمنافسين الداخليين.

وهم جر إسرائيل

لكل هذا نفهم الحركة الأخيرة في لبنان التي يبدو أنها قامت على حسابات خاطئة. وقامت على فكرة جر إسرائيل على قاعدة «عدو عدوي صديقي» فالعداء المشترك لحزب الله لا يعني أن إسرائيل ستندفع في حرب بالنيابة عن السعوية. ولماذا؟ وقد حافظت على الهدوء الهش مع الجماعة اللبنانية وتقوم باستهداف شحناتها العسكرية وقادتها في سوريا. ورغم العنتريات والتهديدات التي أبداها بعض القادة العسكريين في أنهم سيعيدون لبنان للعصر الحجري لو اندلعت حرب إلا أن هناك فرقا بين التهديد والتحرك. وهذا هو حال السعودية مع إيران التي يعترف الجميع أنها خطر على استقرار المنطقة وتخرب نسيجها، لكن المواجهة لا تتم أبدا بإجبار رئيس وزراء دولة ذات سيادة على الاستقالة ولا الدخول في معركة تعرف الرياض أنها خاسرة بل تحتاج لإجماع دولي وتحالف واسع وعمل جاد كما تفعل إيران. وكما كتب عاموس هرئيل المعلق في صحيفة «هآرتس» في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» (16/11/2017) فان ما يشغل بال إسرائيل في الوقت الحالي هو الجهود الإيرانية في سوريا. والخط الأحمر للقيادة الإسرائيلية هو عدم السماح لإيران بالخروج منتصرة من الحرب الأهلية هناك. ومن المستبعد حسب هرئيل أن يتخلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن حذره بشأن حزب الله ويخوض حربا بالنيابة عن السعودية. وحسب ياكوف أميدرور، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي فإن «إسرائيل ناضجة بما فيه الكفاية لكي تخوض حربا بالنيابة عن الآخرين» (كريستيان ساينس مونيتور- 14/11/2017).

اكتشاف

وفي حال سقط خيار الحرب الذي قيل أن السعودية عبرت عن استعدادها لدفع المليارات من أجل تحقيقه ووسط «دفء» في العلاقات بين البلدين فما هي خيارات السعودية لمواجهة إيران في حزب الله؟ أخبرنا ديفيد إغناطيوس كاتب العمود في صحيفة «واشنطن بوست» (16/11/2017) أن قصة الحريري «اقنعت واشنطن والرياض أن المصلحة تكمن في الحفاظ على استقرار البلد لا زعزعته وحتى إن كان هذا يعني التعاون مع حزب الله الذي يمثل الحزب المهيمن» على البلاد. وحسب مسؤول سعودي فإن بلاده تسعى للعمل مع أمريكا لدعم المؤسسات اللبنانية مثل الجيش وهو ما من شأنه أن يضعف حزب الله وداعمته إيران. ويبدو أن محمد بن سلمان أدرك أن محاربة حزب الله لعبة طويلة الأمد وليست قصيرة. والسؤال لماذا الآن الحديث عن دعم الجيش اللبناني وقد ألغت السعودية صفقة أسلحة فرنسية بالمليارات لدعمه قبل عام أو يزيد؟ والسر في الفشل السعودي هو الموقف الأوروبي والأمريكي. ففي العواصم الأوروبية وواشنطن لا يريدون حربا جديدة تؤثر على استقرار بلد قائم أصلا على توازن هش ويعاني من آثار الحرب القريبة منه والتي جلبت إليه 1.5 مليون لاجئ سوري في بلد تعداده أربعة ملايين نسمة. وكانت التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي والدور الفرنسي أثر في التراجع السعودي على الأقل في ملف الاحتفاظ بالحريري «رهينة» في الرياض. وعلى ما يبدو بالغ الأمير محمد بن سلمان بتقدير الدعم الأمريكي له ووقوف دونالد ترامب معه. ويرى فيليب غوردون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية بمقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» (15/11/2017) أن على ترامب أن يقدم النصيحة للأمير بن سلمان قبل أن يهدد مصالح أمريكا ومصالح بلاده. وهناك إجماع على أن الأمير يتصرف بجرأة لاعتقاده أن الولايات المتحدة ستقف معه. وبعد حملة التطهير في الرياض كتب ترامب تغريدة قال فيها إنه واثق بالملك سلمان وولي عهده «ويعرفان ما يفعلان». لكن الموقف الأوروبي كان حذرا ونقلت مراسلة صحيفة «فايننشال تايمز» في بيروت (17/11/2017) عن دبلوماسي غربي قوله: «كنا واضحين من أن زعزعة استقرار لبنان من جديد ليس من مصلحة الجميع». وأضاف «أعتقد أن السعوديين اكتشفوا عدم قدرتهم الضغط أكثر وإلا أطلقوا النار على أقدامهم» أي جرحوا أنفسهم. وينبع الموقف الأوروبي من أن نزاعا جديدا سيؤدي لدولة فاشلة جديدة ولاجئين جدد يتدفقون على أبواب أوروبا وهو ما لا تريده القارة خاصة بعد أزمة عام 2015.

الورقة الاقتصادية والتحويلات

تبقى لدى السعودية ورقة ضغط أخرى وهي الضغوط الاقتصادية على لبنان من ضرب السياحة والقطاع المالي وتحويلات العاملين في أراضيها ودول الخليج أي منعها أو طرد اللبنانيين وهي مقاربة تنطوي على خسائر كبيرة للسعودية ومنطقة الخليج فهناك أكثر من 400.000 لبناني يعملون هناك وتمثل تحويلاتهم ثلثي العاملين في الخارج وتدعم أموالهم عجلة الاقتصاد اللبناني وقدرة الدولة على الاقتراض من البنوك. لكن السعودية في مقام آخر لم تعد مؤثرة في الاقتصاد اللبناني كما كانت من ناحية الإستثمارات في قطاع العقارات. وقد تنجح بالضغط على لبنان لكنها في الحقيقة لا تضر بوكيل إيران فيه بل باللبنانيين العاديين، فمن المعروف أن حزب الله يعمل خارج إطار النظام المصرفي اللبناني بسبب الملاحقات والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على المصارف التي تتعامل مع حركات مصنفة كإرهابية لديها. ولهذا السبب يبدو حتى حلفاء السعودية السنة غير راغبين بمواجهة لبنانية – لبنانية جديدة. وهم وإن طالبوا بتصرف حزب الله كحركة وطنية حقيقية لا كجماعة تنفذ أوامر إيران إلا أنهم لا يريدون الإنجرار في حرب عبثية لا طائل لها. و «لو أراد السعوديون التسبب بأضرار اقتصادية على لبنان فهم يستطيعون ولكنني لا أعرف كيف سيخدم هذا هدفهم» كما يقول هوكاييم من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية. وسيشعر اللبنانيون بالمصاعب على خلاف قطر الدولة الصغيرة والغنية والتي تعتبر من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم. والمهم في فصل الحريري هي أن السعودية التي لا تريد أو لا تستطيع مواجهة إيران ذهبت للحلقة الأضعف وهي الساحة اللبنانية التي ظلت محلا لتصفيات الحسابات الخارجية بين القوى المتنازعة على الهيمنة في المنطقة. والمفارقة أن الرياض قررت التحرك ضد حليفها في لبنان وتدميره في وقت بدأ البلد فيه يسير على المسار الصحيح: أقر ميزانية، الأولى منذ عام 2005 وحدد موعدا للانتخابات البرلمانية، الأول منذ عام 2009 وبدأت حركة السياحة تنتعش حيث استعاض القطاع عن غياب الخليجيين بسياح من الدول العربية الأخرى. وكان الحريري قبل يومين من دعوته المفاجئة للرياض يخطط لمقابلة مسؤولين في صندوق النقد الدولي لحث الدول المانحة على دعم بلاده لمساعدة اللاجئين السوريين. وبالمحصلة أثبتت الأزمة الأخيرة أن لبنان ظل ساحة يتقاتل فيها الأعداء وكبش فداء وسواء عاد الحريري أم لم يعد، فحكومات لبنان اليوم لا تشكل إلا بموافقة حزب الله وبالضرورة إيران. والسؤال هنا هل تعلمت الرياض الدرس من إسرائيل «مبدأ الضاحية» أي لا فرق بين حزب الله ولبنان؟ فطالما ظل حزب الله لاعبا في السياسة اللبنانية فيجب على اللبنانيين تحمل المسؤولية، وهذا بالفعل ما قاله ثامر السبهان الناطق بلسان إبن سلمان.

عن مسرحية الحريري: هل اكتشفت الرياض أن التخلص من حزب الله لن يتم بدون تدمير لبنان؟

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية