يتوق ايهود باراك للعودة إلى رئاسة الوزراء وهو مجهز بـ «سلاح سري»: تجربته. «أنا ناضج وأهل لقيادة الدولة أكثر من أي شخص آخر: السجل والتجربة، المعرفة الدولية والحميمة لمشاكل الأمن، السياسة والاقتصاد». لا يمكن حرمان باراك من حقيقة تجربته، ولكن التجربة من شأنها أن تكون سيفًا ذا حدين. فللجمهور الإسرائيلي أيضا توجد تجربة مع زعامته، فليس مصادفة أن طرد الجمهور الإسرائيلي باراك مكللا بالعار، في هزيمة ساحقة، في نهاية ولاية قصيرة.
لقد كان عمله السياسي المركزي هو مشروع السلام للفلسطينيين في كامب ديفيد. من دون نقاش في الحكومة أو في الكابنت، وبناء على رأيه الخاص، حطم باراك الاجماع القومي الأكثر أساسية في مسائل السياسة الأمنية والبنية الفكرية لحزب العمل منذ 1967. البنية التي طرحها رابين في خطابه الأخير في الكنيست قبل اغتياله، كخطوطه الحمر في المفاوضات على التسوية الدائمة: عدم العودة إلى خطوط الرابع من حزيران 1967، الحفاظ على وحدة القدس ومحيطها، الحفاظ على غور الأردن «بالمعنى الأوسع للكلمة» وغيرها.
أما باراك فحول اللاءات إلى نعمات. اقترح انسحابا كاملا من كل المناطق (مع «تبادل للأراضي» طفيف)، التنازل عن غور الأردن وتقسيم القدس؛ لا التنازل عن «الأحياء البعيدة»، بل تقسيم البلدة القديمة. لِمَ فعل هذا؟ أعتقد بأنه حين لا يكون هناك شريك للحل الوسط المسؤول ـ فإنه سيحطم القواعد، يعرض على الفلسطينيين العرض المطلق الذي لن يكون بوسعهم رفضه، فيجلب لإسرائيل السلام المنشود. لقد ألغى بغرور حكمة السياسة المتراكمة لكل حكومات إسرائيل ـ وتحطم. أما الفلسطينيون فرفضوا عرضه رفضا تاما وشرعوا بالهجمة الإرهابية الأسد في تاريخ الدولة، التي جنت منها أكثر من ألف قتيل.
لو أنه أوضح على الأقل، بعد رفض عرضه، بأن العرض لاغ وملغي، غير باق وغير موجود، لقلنا حسنا. ولكنه واصل الإعلان بأن «هذه هي الخطة ولا بديل عنها». وبعث ببيغن إلى طابا، تحت نار الإرهاب، في موعد قريب من الانتخابات، بخلاف فتوى المستشار القانوني للحكومة الياكيم روبنشتاين، ليعرض عروضا أبعد أثرا بكثير، ولكن يرفضها دحلان، مندوب عرفات، باستفزاز، ويسمي عرضه «خرطة برطة»، وفي الدعاية الانتخابية الأخيرة طلب من الجمهور التفويض للسير خطوة أخرى لازمة للوصول إلى السلام. وما هي الخطوة؟ «حق العودة»؟.
فضلا عن سفك الدماء الذي تسببت به سياسته، أدت أيضا إلى هزيمة سياسية لا نزال نأكل حتى اليوم ثمارها الفجة، كل عرض حل وسط إسرائيلي، بروح عروض رابين، يعرض على الفور كـ «رفض» كونه يقاس بعرض باراك.
لقد أدار باراك مفاوضات مع سورية أيضا. أكثر من كل رئيس وزراء، كان مهووسا بأن يسلم الجولان إلى حافظ الأسد، الذي وصفه صبح مساء، حتى التعب بأقوال التزلف: «زعيم ذكي وشجاع، مصمم سورية الحديثة». وعرض عليه كل الجولان باستثناء بضع عشرات الامتار في شاطئ طبريا، ولو لم يرفض الأسد العرض، لأوقع مصيبة وطنية على إسرائيل.
في ضوء أزمة الزعامة في إسرائيل اليوم، في ضوء التحقيقات مع رئيس الوزراء، توجد لدى الجمهور أمنية لزعيم طاهر المقاييس ونظيف اليدين، وليس من نجا بصعوبة من قضية جمعيات باراك، بفضل الصمت. 12 رئيس وزراء كان لإسرائيل. وباراك لا يعد من الـ 11 الأفضل بينهم.
اسرائيل اليوم ـ 19/11/2017
أوري هايتنر