دعا إلى تجاوز «الثنائية الوهمية» حول الشعر والرواية: مراد القادري لـ«القدس العربي»: واقع القراءة في المغرب لا يبشر بالخير!

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» من الطاهر الطويل: تجربة إبداعية وازنة، ودراسة أكاديمية متخصصة، وخبرة في الإدارة الثقافية، ومصداقية في الوسط الثقافي المغربي والعربي… تلك جملة من العناصر التي أهّلت مراد القادري ليحظى بثقة زملائه في «بيت الشعر في المغرب»، وينتخبوه على رأس هذه المنظمة الثقافية الكبرى، كي يتابع ويطوّر المسار الذي اختطه سابقوه: محمد بنيس، حسن نجمي، عبد الرحمن طنكول، نجيب خداري، في سبيل خدمة القصيدة، إنْ على مستوى التظاهرات الأدبية أو اللقاءات النقدية أو على مستوى النشر والجوائز وتجسير العلاقة مع الأجيال الجديدة.
لمراد القادري مجموعة من الدواوين الزجلية «حروف الكف» (1995)، «غزيل البنات» (2005)، «طير الله» (2007)، «طرامواي» (2015). وله أيضا كتاب نقدي أكاديمي بعنوان «جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة… الممارسة النّصيّة عند الشّاعر أحمد لمسيح» وهو أطروحة جامعية نال بها شهادة الدكتوراه في الأدب الحديث من جامعة محمد بن عبد الله في فاس سنة 2012.
حول مهمته الجديدة على رأس «بيت الشعر في المغرب»، أجرت معه «القدس العربي» الحوار التالي:

■ ما هي التوجّهات التي يعتزم «بيت الشعر في المغرب» نهجها، بعد انتخاب مكتبه الجديد؟
□ التوجّهات التي سينهجها الفريق الجديد المنتخب من طرف المؤتمر الأخير لـ«بيت الشعر في المغرب» صيفَ هذه السنة، لن تَحِيدَ عن الخطّ العام الذي تبنّته هذه المنظمة منذ ولادتها سنة 1996، وتتمثل أساسا في خدمة الشعر المغربي وتعزيز حضوره في المجال العام، والدفاع عن الشعراء المغاربة وصون كرامتهم ووجودهم الإنساني، وابتداع طرق جديدة في توصِيل الشعر المغربي وتلقّيه والترويج له والتعريف به من خلال الترجمة وكل الوسائط الحديثة الممكنة. على أن المؤتمر الأخير لمنظمتنا كان، كذلك، مناسبة لترهين هذه التوجهات، عبر القيام بتشخيص حالة المشهد الشعري والثقافي في بلادنا. فبالنسبة للمشهد الأول، دعا المؤتمر إلى مقاومة مظاهر الاستسهال الذي يطال الكتابة عموما والكتابة الشعرية بوجهٍ خاص، ويجعلها باسم الحق والحرية، في مهبّ الفوضى. كما أكد على ضرورة إيقاظ الوعي بالحاجة إلى الشّعر الذي كان شعلة المقاومة التي تتصدّى لنسيان الوجود، وهي الشعلة التي نراها، يوما بعد آخر، يتقلّص وهجُها وتتراجع أنوارها أمام حدّة نبرات الكراهية والحقد وارتفاع صوت العنف والتّهافت على امتلاك الحقيقة الدينية واستثمارها سياسيا واجتماعيا. أمّا بالنّسبة للمشهد الثقافي، فقد ألحّ المؤتمر على ضرورة إقرار سياسة ثقافية مندمجة تكون رافعة للتنمية بمعناها الواسع والشامل، حيث يكون بمقدور الإنسان المغربي التّعبير والخلق بكل استقلالية وحرية، وكذا الاستمتاع بالثقافة وخيراتها الرمزية بدون قيد. تلك هي التوجهات التي صادق المؤتمر الأخير عليها، والتي سنحرص على تنفيذها بما يخدم الحركة الشّعرية في المغرب، ويُقـوّي مشاركة الشُّعراء المغاربة، ليس في ما يثري الرّصيد الفنّي والجمالي للقصيدة المغربية وحسب، بل بما يُقوّي، كذلك، انخراطهم ويعزّز ارتباطهم العضوي بالقضايا المجتمعية، وبالدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة، وبالانتصار للخيال والحلم ودوام الإيمان بالشعر، كي يسعفنا في إدراك هشاشة ذواتنا في مواجهة العالم، وحاجة هذا الأخير إِلى الشعر وإِلى الشعراء.

من أجل سياسة ثقافية عمومية

■ إلى أي حد يساهم «البيت» في إعادة الاعتبار للقصيدة، ولاسيما بالنظر إلى انتشار مقولة إن هذا زمن الرواية بامتياز، حيث يلاحظ أن عددا من الشعراء المغاربة أنفسهم أخذوا يتجهون إلى كتابة نصوص روائية؟
□ نشْرُ كلامٍ من هذا القبيل يعزّز الشّك في الشّعر وفي الحاجة إليه، وهو الأمر الذي لا يمكن لي الانخراط فيه، علاوة على أنه يصوّر الرواية كخصمٍ لدود للشعر، فيما واقع الحال يشِي بأنّ واقع القراءة في المغرب سواء تعلّق الأمر بالشّعر أو بالرواية لا يبشّر بالخير، وهو ما يستدعي ـ في نظري ـ تجاوز مثل هذه الثنائيات، والتوجّه نحو سنّ وإقرار سِياسة ثقافية عمومية تعزّز حضور الأدب المغربي بمختلف أجناسِه وأصنافه في المنظومة المدرسية والجامعية وفي الإعلام والحياة عموما.
أمّا بخصوص توجّه بعض الشّعراء إلى كتابة الرّواية، فأنا شخصيا أرى أنّ الانتماء للكتابة واحد، لا فرق فيه بين الحالة الشّعرية والحالة الروائية، فالجنسان معا مدعوان للقبض على ما يدهش ويعزز الانتماء للإنسانيّ، خاصة في هذا الزمن الذي صار فيه الموت والدم جزءا مألوفا في اليومي، وفْق نُزوع ظلامي يكره الحياة. ويجب أن أشير إلى أن شعراءنا المغاربة الذين «هاجروا» إلى الرواية كمحمد الأشعري وحسن نجمي وياسين عدنان ومحمود عبد الغني ومنير السرحاني وعائشة البصري… حرصوا في هجرتهم هاته على نقل لغتهم وروحهم الشّعرية داخل ممارستهم النصية السردية، وهو الأمر الذي يُغني الكتابة الإبداعية ويـُموضِعُها ضمن أفق رحب يحرّرها من أيّ ثُنائية وهـمية. وضمن هذا الأفق نفسه، سيواصل «بيت الشعر في المغرب» الاضطلاع بدوره في تثمين الشعر المغربي والترويج له والتعريف بمُنجزه ووجوهه ومتونه بمختلف حساسياتها ولغاتها وأجيالها بعيدا عن أيّ إقصاء أو تهميش. كما سيعمدُ، في هذا الإطار، إلى مواكبة الإصدارات الشّعرية المغربية بالقراءة والاحتفاء، ومواصلة التعاون مع مؤسسة الرعاية لـ»صندوق الإيداع والتدبير» في شأن منْح «جائزة الأركانة العالمية للشعر»، وتوقيع شراكات مع قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية وخصوصية، وتطوير المنشورات والإصدارات الشّعرية والنقدية، خاصة إيجاد حلول عملية لمعضلة توزيع مجلة «البيت»، وإحداث موقع إلكتروني على الإنترنت، واستعادة المهرجان العالمي للشّعر، وتنْظيم 10 ملتقيات نقدية وفكرية حول قضايا ذات صلة بالشّعر وأسئلته.

أفق أوسع للانتساب إلى «البيت»

■ هل تفكرون في توسيع قاعدة المنتمين إلى «بيت الشعر في المغرب»؟ وكيف تردّون على من يعتبر البيت مؤسسة منغلقة على ذاتها ومتشددة في معايير الانتماء إليها؟
□ منذ البداية، تبنى مؤسسو «بيت الشعر في المغرب» رؤية تنظيمية خاصة بجمعيتهم، رؤية تقوم على جعل هذه المؤسسة أشبه بالأكاديمية، حيث الولوج والانتساب إليها يتم عبر مسطرة محددة، وحيث عدد الأعضاء لا يمكن تجاوُزه إلا من خلال قرار للمؤتمر العام الذي يحق له الموافقة على رفع عدد الأعضاء خلال كل دورة، بما يتناسب والمشهد الشعري وحيوية الفاعلين فيه. غـير أن الممارسة أبانت أنّ بيت الشعر إذا كان يعمل وفق تصور معين للعضوية، فإنه من ناحية أخرى منفتح على كافة الشعراء والنقاد والمُترجمين والفنانين الذين يدرجون الشعر ضمن أفق اشتغالهم، انفتاح يتمّ وفق عدة آليات، ليست العضوية سوى واحدة منها.
وحتى أوضح أكثر، أعود للتقرير الأدبي الخاص بالمرحلة السابقة من عمر «بيت الشعر في المغرب» التي أدارها الشاعر نجيب خداري (من آذار/ مارس 2013 إلى تموز/ يوليو 2017)، حيث سجل هذا التقرير مساهمة ما يناهز 258 مُشاركا، من بينهم 130 ليسوا من أعضاء «البيت»، أي بنسبة 51 ٪. وبخصوص النّشر، أصدر «بيت الشّعر في المغرب»، خلال الفترة نفسها 62 كتابا، حظِي منها أعضاء «البيت» بنسبة 27 ٪، فيما استفاد مَن هم خارج البيت بنسبة 73٪. أما المساهمون في مواد الأعداد الثمانية من مجلة «البيت»، فقد بلغ عددهم 43 ناقدا وشاعرا، 35 منهم من خارج البيت، أي بنسبة 81٪، و18 من أعضاء البيت، أي بنسبة 19٪. أظنّ ذلك كافيا، للتأكيد على أنّ الانتساب لأفق بيت الشعر في المغرب غير منحصرٍ في العضوية بمعناها التنظيمي الصّرف، بل يتعدى ذلك نحو أشكال وأساليب أخرى تتيح إدماج الشعراء ومنتجي المعرفة الشعرية في دورة الحياة لهذه المؤسسة الثقافية، التي صادق مؤتمرها الأخير( يوليو 2017) على التحاق 20 عضوا جديدا بها من مختلف الحساسيات الشّعرية واللغوية والنقدية في المغرب.
■ ما هي دلالات وجود شاعر منشغل بالزجل، هو مراد القادري، على رأس مكتب «البيت»؟
□ أولا، أنا ممتن للصديقات والأصدقاء أعضاء «بيت الشعر في المغرب» الذين انتدبوني لهذه المهمة الجليلة، خلفا لأصدقاء كبار، أعتزّ بصداقتهم الشعرية والإنسانية، تحمّلوا قبلي مسؤولية رئاسة «بيت الشعر»، وهم الشعراء: محمد بنيس، حسن نجمي، نجيب خداري، الناقد عبد الرحمن طنكول، متمنيا أنْ أكون في مستوى هذا التشريف والتكليف الرامي إلى خدمة القصيدة المغربية والارتقاء بمستوى وجودها وإشعاعها داخل المغرب وخارجه. طبعا، وجودي على رأس هذه المؤسسة الثقافية، وأنا المنشغل بالقصيدة العامية المغربية إنتاجا وبحثا، يكتسي الكثير من الدلالات، فهو من جهة احتفاء بشعر الدارجة وتحية لشعرائه الذين أسهموا، كل من موقعه الفنّي والجمالي، في التأكيد على انخراط هذا الشعر ضمن مدارات حداثة قصيدتنا المغربية المعاصرة، وانضوائه ضِمن الانشغالات التناصية والبنائية نفسها التي ميّزت القصيدة المغربية بمختلف لغاتها وأطيافها وأجيالها.
علاوة على أن انتخابي رئيسا لـ«بيت الشعر في المغرب» يعتبر، من جهة أخرى، تحيّةٌ للجيل الشعري الذي أنتمي إليه، والذي يستحقّ ـ في نظري ـ أن يُجرّب فرصته في الإدارة الثقافية لواحدة من أهمّ المؤسسات الثقافية الوطنية التي برهنت، على مدى عقدين من الزّمن، على حيويتها وديناميتها ونجاحها في أن تكسب الشّعر المغربي أراضي شاسعة من الاهتمام والتداول داخل المغرب وخارجه.

دعا إلى تجاوز «الثنائية الوهمية» حول الشعر والرواية: مراد القادري لـ«القدس العربي»: واقع القراءة في المغرب لا يبشر بالخير!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية