صنعاء ـ «القدس العربي» من أحمد الأغبري: في سياق حديثها عن تجربتها في الكتابة خلال فعالية خاصة ضمن الأنشطة المصاحبة لمعرض عُبادي للكتاب اليمني في صنعاء مؤخراً، ذكرت الروائية اليمنية نادية الكوكباني ــ من مواليد العام 1968 ــ إن الكتابة بالنسبة لها مشروع حياة ومسألة مصير، حيث استعرضت أهم محطات تجربتها في كتابة الرواية منذ صدور روايتها الأولى «حُب ليس إلا» 2006 عن «دار ميريت» في القاهرة، وحتى روايتها الرابعة «سوق علي محسن» 2016 عن «دار الهلال» المصرية، بالإضافة إلى ما ستمثله روايتها الخامسة التي ستصدر لاحقاً بعنوان «وارث الثورات»، وهو اسم ــ كما قالت ــ مازال مقترحاً للرواية الأخيرة في ثلاثيتها (صنعائي، سوق علي محسن، وارث الثورات)، التي ناقشت، من خلالها، رؤيتها تجاه مأزق تطور بلادها، من خلال استحضارها بعض محطات الصراع في التاريخ اليمني الحديث والمعاصر.
القراءة التلصصية
عن ردود فعل قراءة الرواية، سواءً لدى القارئ العادي أو القارئ الكاتب، انتقدت الكوكباني ما وصفته بـ «القراءات التلصصية» للرواية، كما يحدث في ربط بعض القراء وبعض القراء الكُتاب، للأسف، بين حياة بطل أو بطلة الرواية وحياة الكاتب أو الكاتبة، مثلاً، باعتبار البطل أو البطلة هو نفسه الكاتب أو نفسها الكاتبة. هذه القراءات ـ من وجهة نظرها- تكون، في الغالب، ردود فعل غير واعية بخصوصية وطبيعة الكتابة الروائية، وهو ما يمكن قوله على انتقادات أخرى تصطدم وتحاكم حرية الكاتب وموضوعه ومشروعه، مشيرة إلى ما تلقته من ردود فعل إزاء كل رواية من رواياتها، إلا أنها، وعلى ما كان في بعضها من قسوة، لم تسمح لها أن تُعيق مسيرتها، باعتبار الكتابة صارت، بالنسبة لها، مشروع حياة ومسألة مصير.
تطور التجربة الروائية
عقب روايتها الأولى أصدرت رواية «عقيلات» عام 2009، ومثلت هذه الرواية، تطوراً في التجريب والخطاب، وإن كانت الكاتبة قللت فيها من أهمية وقيمة البناء وتحديداً في عدم إيجاد مشترك أكثر وضوحاً وإقناعاً بين حكايات نسوة الرواية، وهو ما تعرضت بسببه لانتقادات مس بعضها بهويتها كرواية، وهي الانتقادات التي تحدثت عنها نادية بكل أريحية، لتعبر عن اعتزازها بكل خطوة قطعتها في تجربتها. وفي روايتها الثالثة «صنعائي» الصادرة عام 2014 عن «دار عُبادي للنشر» في صنعاء، حققت تجربة الكاتبة تحولاً وتطوراً نوعياً (موضوعياً وتقنياً)، وتحديداً في علاقة الكاتبة بالرواية كتجربة فنية، وبالوطن كرؤية وقضية وموضوع. وانطلاقاً من ذلك جاءت الرواية خطوة متقدمة برزت فيها الكاتبة أكثر قدرة على التحكم بالحدث، وأكثر تميزاً في التعامل مع البناء السردي وتطويعه لخدمة خطاب سردي متعدد الأوجه والعناوين والأهداف، بدءاً من المكان وتنقلاً عبر التاريخ في سياق محاولة لتقديم قراءة لمشكلة الوطن في علاقته بحلم التغيير وبالمستقبل عموماً. لقد تعاملت الرواية مع مدينة صنعاء كقيمة ثقافية وحضارية تعرضت وتتعرض لكثير من الخراب والدمار، تقول: «ربما أن هذه الرواية هي أول رواية يمنية أعطت صنعاء حقها من الضوء والاحتفاء كتراث وثقافة وحياة وإنسان وغير ذلك».
صنعائي وفكرة الثلاثية
اشتغلت، هذه الرواية، على حدث سياسي ومفصلي في تاريخ اليمنيين، وهو حصار السبعين يوماً لمدينة صنعاء (27 نوفمبر/تشرين الثاني 1967 فبراير/شباط 1968)، حصار القوات الملكية الإمامية ضد النظام الجمهوري والجمهوريين الذين تحصنوا داخل العاصمة. وحاولت تقديم قراءة لما لم تقله الكتابات التوثيقية والتاريخية اليمنية عن ذلك الحدث، من خلال خطاب استند إلى خلفية إنسانية وثقافية واجتماعية رأت الكاتبة فيها أهمية استثنائية لإبراز خصوصية الحدث. من ناحية أخرى مثلت تلك الرواية بداية لمنحى جديد في علاقة الكاتبة بالكتابة وبتجربة كتابة ثلاثية روائية ــ لا نستطيع الجزم بأن الكاتبة قررت خوض تجربة كتابة ثلاثية روائية قبل الرواية أو خلالها ــ إلا أن ذلك لا يقلل من قيمة التجربة التي تواصلت في اشتغالها الموضوعي والتاريخي على معاناة بلادها مع صراع السياسة على السلطة والثروة، كإشكالية يستعصي استيفاء معالجتها روائياً في رواية واحدة، وهو ما أصبحت معه الثلاثية حاجة انطلقت من خلالها الكاتبة لاستكمال معالجة الموضوع في أكثر من رواية. وربما أن معايشتها لبعض أحداث الصراع في بلدها قد عزز من قناعاتها بالتجربة الجديدة، فجاءت روايتها الرابعة «سوق علي محسن» لتستوعب بعض شخوص رواية «صنعائي»، ولتقدم رواية الكاتبة جزءا من مرحلة أخرى من مراحل ذلك الصراع، المتمثل في أحداث ما عُرف في اليمن بـ (ثورة الشباب) عام 2011.
سوق علي محسن
تناولت الكاتبة في «سوق علي محسن» مأزقا جديدا من مآزق القضية اليمنية، لكن هذه المرة، من خلال النبش في حقبة حُكم الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، على هامش تناول أحداث النسخة اليمنية من «الربيع العربي» 2011. تميزت هذه الرواية بجرأتها الموضوعية في الاشتغال على أحداث جسام عصفت بالبلاد، تقول نادية: «كان من الصعب تناول ثورة ــ أحداث الربيع العربي في اليمن ــ عقب سنوات قليلة منها، كونها مرحلة لم تطو صفحتها بعد، وبالتالي فقد اكتفيت في الرواية، بمحاولة توثيـــق أحداث الـــثورة، وتسليط الضوء على مشــروعها الذي انبعث شعبياً، رداً على مَن يقول إن تلك الثورة كانت ثورته أو ثورة فئة أو حزب أو جماعة أو تيار، بينما كانـــت، في الحقــــيقة، ثورة كل فئات الشعب».
وتحدثت الكاتبة عن الامتـــداد التي مثلته هذه الرواية في علاقتـــها برواية «صنعائي» ليس في الشخوص وإنما في الموضوع والمعالجة والرؤية، تحت سماء الثلاثية الروائية التي تستكمل في روايتها المقبلة، وهي رواية قالت الكاتبة إنها عادت، من خلالها، لتناول موضوع الثورة اليمنية الأم (ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962) لاسيما في ظل ما يشهده اليمن من أحداث وفي سياق معالجة الثلاثية لمشكلة البلد في الطريق صوب المستقبل.