راقبت كغيري من المواطنين الأردنيين تلك المباراة التي شارك فيها وزراء الخارجية العرب على هامش اجتماع القاهرة الأخير، تحت عنوان التصدي للتدخلات الإيرانية.
كادت المايكروفونات تنفجر في أحضان بعض المزاودين من الوزراء العرب وهم يقدمون عروضهم ضد إيران على طريقة «الجمهور عايز كده» والجمهور في حالتنا هذه هو متفرج واحد بدا أنه يستمتع بوصلات النفخ ضد إيران وهو عادل الجبير وزير خارجية السعودية.
لو كنت مكان الجبير لأدركت أن بلادي لا تحتاج إلى خصوم في ظل وجود حلفاء من هذا النوع، أسهموا في تحويل الاجتماع من لقاء عربي تشاوري يُفترض أن يبحث عمق الأزمة مع إيران إلى مسرحية كوميدية تستعرض خطابات نارية مزاودة لا معنى لها ضد إيران وتدخلاتها في المنطقة.
استمعت على الأقل لثلاثة وزراء عرب يلومون السعودية ضمنيًا لأنها لم تعلن الحرب بعد عسكريًا على جارها الإيراني.
حتى الصديق، الزميل السابق وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي شارك في حفلة النميمة وأسمع الأشقاء في مملكة خادم الحرمين الشريفين فقط ما يريدون الاستماع إليه، فيما الأذن السعودية تترنم وتحتفل بوصلات النّفاق الانتهازية الخالية من العلم والمنطق والتحليل.
لست أقل من أكبر المزاودين العرب حرصًا على التنديد بالدور الإيراني «المشبوه» في العراق تحديدًا وفي سوريا، وأشارك المرتابين كلهم ثقافيًا وحضاريًا بالاستثمار الإيراني المقلق في ورقة الحقن الطائفي وفي بعض الأحيان بطريقة تطابق طريقة خليفة داعش أبو بكر البغدادي، لكن في الاتجاه الطائفي المعاكس لزوم المسرحية نفسها.
لكن كمواطن عربي أتوقع في الحد الأدنى «لغة عاقلة» من شيوخ الدبلوماسية العربية.. لغة تترفع عن التصعيد اللفظي، وتشارك في تقويم البوصلة السعودية نفسها، التي طلبت أصلا الاجتماع.. لغة تحليل عميقة وفكر سياسي ودبلوماسي تقول لنا نحن معشر المصفقين العرب لِمَ لدى إيران مشروع فيما نتسوّل نحن العرب المشروعات التي يقترحها الآخرون علينا، أو نقتات فتات الأجندات والصراعات والانقسامات الإقليمية والدُّولية.
كنت أمنّي النَّفْس بالاستماع لوزير خارجية عربي واحد بدلا من الاستعراض الأبله فقط، لإرضاء جناح نافذ في الحكم السعودي، يحلّل المشهد بعمق، ويتحدث عن التصدي للنفوذ والهيمنة الإيرانيين بالعلم والصناعة والتجارة، وفي أقل تقدير بالقرار الوطني المستقل بدلا من الاسترسال في خوض حروب تُمزّق النسيج وتقود بوصلة الأمة إلى الخراب.
أعجبني ما سمعته من زميلة مذيعة تتحدث عن سلسلة طويلة من الحروب التي شنتها السعودية على النظام العربي نفسه، لكي تحصد إيران وتقطف الثمار وتملأ الفراغ.
دفعت السعودية المليارات لإسقاط العراق وإخراجه أربعين عامًا من الخدمة، لكي تحصل إيران على 500 مليار وتتحكم بالعراق وبكل صغيرة وكبيرة فيه، وبدلا من الحفاظ على «الكتلة السنّية» في لبنان وتصليبها حصل ما حصل مع ممثلها وزعيمها فأصبح نصفها على الأقل في جيب حزب الله الذي تعاديه وتخاصمه السعودية.
سبق للسعودية أن دعمت الحوثيين لابتزاز نظام الرئيس عبدالله صالح والنتيجة يعرفها الجميع اليوم.
من يحب السعودية ويؤمن بها ويقف معها لكي تقود هذه الأمة إذا كان شريفًا عفيفًا عليه أن يقترح اجتماعا لوزراء الخارجية العرب يساعد الأشقاء في السعودية على التحليل والتشخيص ويقدم النصيحة المخلصة تحت ستار الحرص الشديد على المملكة بدلا من المشاركة في استعراض استهلاكي مليء بخطابات نفاق فارغة لا معنى لها، فيما إيران تحكم السيطرة فعليا على أربع دول عربية على الأقل وفي طريقها نحو الخامسة وتحاصر السادسة.
ما يضر إيران ويحد من نفوذها هو معادلة مشروع إصلاحي ديمقراطي عروبي يبدأ من التصدي لثنائية الاستبداد والفساد وينتهي بمشروع قومي عربي وطني مخلص موحد يُقدّم للأمة منجزات فكرية وثوابت إنسانية ومحفزات لطاقة الفرد لا علاقة لها بمنح روبوت نسائي جنسية.
من يرد إجبار إيران على تفاهمات على أساس الحوار والشراكة لا «الهيمنة» والحقن الطائفي عليه أولا أن يقنع الشارع العربي بأنه جدير بالإدارة والقيادة، فإيران التي أشبعناها لطمًا وتشتيمًا تخطط لإطلاق قمر صناعي جديد، وتسيطر اليوم على حدود دولة مثل الأردن مع العراق وسوريا وهي نفسها إيران التي منحها المتشنجون العرب فرصة التصدي لدعاة الحصار على دولة مثل قَطر بلا مبرر لا أخلاقي ولا سياسي.
لا مجال إلا للاعتراض وبأعلى صوت على تلك السياسات الغامضة التي تديرها إيران في المنطقة، وهي تمتنع عن تقديم أجوبة عن الأسئلة الحائرة العالقة في وجدان المواطن العربي، خصوصًا وهو يرصد طهران وهي تدفع النظام الرسمي العربي خوفًا أو طمعًا دفعًا نحو أحضان عدو هذه الأمة.
أو يرصدها وهي تغذي وتدعم الطائفية المليشياوية في العراق وسوريا على حساب مصالح الجوار.
المواطن العربي يحتاج إلى أجوبة مقنعة من الإيرانيين تتعدى تلك المعلبات التي يرددها المتشنجون العرب.
لا مجال للشك في مساحات الارتياب التي تثيرها البوصلة الإيرانية في جسد هذه الأمة المتداعية، التي بدأ بعدها عشرات المنظرين والسياسيين يقترحون حصول المزيد من الانهيارات حتى تدخل في احتمالات النهوض مجددا.
لكن بالمقابل لا مجال للشك أيضا أن التصدي لما يسميه الأردن مظاهر الهيمنة الإيرانية وطموحات التوسيع يبدأ من عند إطلاق مشروع حقيقي واضح يواجه المشروع الإيراني، فلا أحد يفترض أن دولة مثل إيران ينبغي أن تدفع ثمن «خيبة» النظام الرسمي العربي.
ولا يجب الافتراض أن التصدي لإيران يعني أو يمكنه أن يعني الارتماء في أحضان العدو الإسرائيلي تحت أي ذريعة أو الموافقة على استهداف سلاح المقاومة لمصلحة العدو نفسه مجانًا.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين