يُعقد مؤتمر اتحاد كتّاب المغرب نهاية هذا الأسبوع. وسيناقش التقرير الملفين الأدبي والمالي، ويتم التصويت عليهما. كما ستناقش الورقة الثقافية التي أعدت لهذا المؤتمر. وتعود الأمور إلى أوضاعها التقليدية.
لا شك في أن هناك إحساسا قويا لدى الكتاب بضرورة تجديد الاتحاد، وتطوير تصوره للعمل الثقافي ليتلاءم مع التغيرات المتلاحقة. لكن هذا غير كاف لجعله فاعلا في الساحة الثقافية المغربية والعربية. فالعمل الجمعوي في مختلف القطاعات، من السياسة إلى الثقافة بات يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة العمل ووظيفته. وما نشهده في مؤتمرات الأحزاب من مشاكل عويصة، يبين لنا أن الصراعات حول تشكيل الأجهزة المسيرة، وانتخاب الرئيس صارت أهم من أي نقاش حول دور الحزب في التنظيم والتأطير، أو حول رؤيته لبلورة تصورات جديدة للعمل السياسي. وامتدت هذه العدوى إلى كل المؤتمرات، وإن تعلقت بجمعية صغيرة في دار الشباب؟
إن التوافقات المحتملة للوصول إلى اتفاق حول الأجهزة المسيرة، حين لا تتأسس على رؤية شمولية لتحديد مسار متطور للعمـــــل الجمـــــاعي، في السياق الجديد، لا يمكنها إلا أن تدفع في كل مرحلة إلى تراجع الدور المنوط بالمؤسسات، وابتعاد بعض مكوناتها القديمة عن الانخراط في صيرورتها. ولا يؤدي هذا الوضع إلا إلى المزيد من التأزيم، وإن طُعمت الجمعية بعناصر جديدة، حتى لو كانت مهمة عدديا. ويدفعنا هذا الوضع إلى التساؤل عن الاتحاد ومستقبله؟
تأسس اتحاد كتاب المغرب في بداية الستينيات من القرن الماضي ليكون مغاربيا، يضم الأقطار المغربية الثلاثة أملا في لعب المثقفين والكتاب دورا في توحيد المغرب العربي. وبسبب قلة الكتاب، اعتبر كل من كتب ونشر كاتبا، فكان يضم أمشاجا من الكتاب: من الصحافي إلى المحامي ورجل الاقتصاد، إلى كاتب المقالة والقصة والقصيدة، ثم سرعان ما انتهت فكرة اتحاد كتاب المغرب العربي إلى الطريق المسدود.
وفي أواسط السبعينيات ، وفي المؤتمر الخامس، عملت المعارضة الثقافية ـ السياسية على سحب الاتحاد من تحت أقدام المحافظين والتقليديين، وانتخب محمد برادة الاتحادي رئيسا للاتحاد بعد تنحية عبد الكريم غلاب الاستقلالي. كانت الدعوى المركزية، استقلالية اتحاد كتاب المغرب عن الدولة. وظل هذا الشعار مرفوعا طيلة تاريخ الاتحاد، بل كان التباهي به عند المقارنة مع الاتحادات والروابط العربية إلى جانب اتحاد كتاب فلسطين.
كانت المطالبة باستقلال اتحاد كتاب المغرب عن الدولة داخلة في نطاق الصراع مع النظام، وكان الاتحاد من خلال كتابه ومثقفيه جزءا من هذا الصراع. وبما أن الاتحاد لم يكن يعتبر سوى جمعية من بين جمعيات أخرى، كانت المنحة التي تقدمها له الدولة هزيلة جدا. فكان التعويل على مشاركات الكتاب، ودعم الأحزاب التي يشارك أعضاؤها في المكتب المركزي، خاصة الاتحاد الاشتراكي. كان ما يجمع الكتاب إلى جانب الأنشطة الثقافية، ونشر آفاق، هو الصراع من أجل الحصول على مكاسب سياسية، وظلت المطالبة بصفة «الجمعية ذات النفع العام» في كل مؤتمراته لضمان دخل مادي متميز يوفر له إمكانيات مزاولة أنشطته الثقافية.
كان المناخ العام وطنيا وعربيا ودوليا مساعدا على انخراط الكتاب في الصراع السياسي. في هذه الحقبة كان الاتحاد مستقلا عن الدولة، ولكنه كان تابعا للاتحاد الاشتراكي. وكان هذا يثير حفيظة كتاب اليسار الجديد. وظلت أغلبية المكاتب المركزية، والفروع يسيطر عليها الاتحاديون. وكما انتهت المعارضة السياسية بوصول الاتحاديين إلى الحكومة باسم التناوب التوافقي، انتهى الاتحاد في الحقبة نفسها، فلم يبق له من دور يضطلع به. وفي نقاش مع رئيس الاتحاد في قناة تلفزيونية، ساءلتُ الرئيس بحدة، آنذاك، عن استقلالية الاتحاد، فلم يحر جوابا.
تطورت أعداد الكتاب، وبرزت جمعيات ثقافية كثيرة خاصة بالصحافيين والفنانين وسواهما. ففكرنا في تأسيس «رابطة كتاب المغرب» لتضم المبدعين والنقاد فقط. لاقت الفكرة استحسانا ملحوظا، وعارضها الاتحاديون واعتبروها منافسة للاتحاد، وتولدت عراقيل عديدة أدت إلى توقفها، وبرزت جمعيات أخرى خاصة بالشعر (بيت الشعر)، وجمعيات جهوية خاصة بالأدباء في مختلف ربوع المغرب.
في كل هذه الحقب لم يفلح اتحاد كتاب المغرب في استقطاب الكتاب إلى فضائه الخاص، ولم يطور مشاريع تحوله إلى فاعل أساسي في المجال الثقافي، فلم يكن يوازي انسحاب الكتاب المؤسسين والقدامى سوى انخراط كتاب شباب لم يكن يهمهم سوى الحصول على بطاقة الاتحاد. وغدت العضوية غير مفيدة بعد نجاح العديد من الشباب في نشر إنتاجاتهم في المشرق العربي، بل الفوز بجوائز تضع أسماءهم فوق العضوية في الاتحاد.
أدى غياب الاتحاد ومشاركته الإيجابية في العمل إلى بروز مختبرات ومراكز خاصة، وبرزت مجلات ثقافية، ودور للنشر تضطلع بما كان يحتكره الاتحاد في السبعينيات، وبات السؤال حول مصير الاتحاد مطروحا بشدة. ظلت وزارة الثقافة في كل تاريخها تضطلع بدور محدود جدا على المستوى الثقافي، ودعوى الاستقلالية لم يبق لها أي مسوغ، بعد أن زالت مبرراتها. ماذا لو أصبح الاتحاد إحدى مديريات الوزارة، بحيث تتحمل الدولة مسؤوليتها الثقافية ويسهم الكتاب فيها بروح وطنية؟
٭ كاتب مغربي
سعيد يقطين