موريتانيا: الاستفتاء علي الدستور…. هل هو دستوري؟
سيد ولد سيد احمدموريتانيا: الاستفتاء علي الدستور…. هل هو دستوري؟ان الاجابة علي هذا السؤال تتطلب تخصصا في الميدان وهو ما لا يمتلكه صاحب هذا المقال، لكن في غياب أهل التخصص يفتح الباب أمام المتطفلين وأنصاف المتخصصين ليدلوا بدلوهم في موضوع بات يؤرق مجتمعنا وخصوصا أولئك المهتمين بالشأن العام..لقد صوت الشعب الموريتاني لصالح دستور 1991 بغالبية كبيرة مكرسا بذلك الهوية العربية الاسلامية الافريقية لهذا البلد الذي يعتبر وريث بلاد شنقيط التي أشعت بنور علمها وحضارتها ربوع غرب افريقيا، ولا يمكن اعتبار أصحاب هذه الأرض الا أهل حضارة وقيم ووعي بقيمة القيم التي ميزت هذه البلاد عبر قرون من الزمن.ولقد كان رفضهم للتعاطي مع دولة الاستعمار وعدم قبولهم للاستحلال ما بعد الاستعمار حين جاء من يدعو الي تكريس دستور العلمانية سنة 1981، فكان الرد واضحا بالرفض وعدم القبول بنسخ هوية هذه البلاد، وهو ما يعبر فعلا عن وعي وادراك بقيم مجتمعنا الاسلامية التي تمثل حصانة ضد كل انحراف عن تأسيس حاضرنا واستشراف مستقبلنا بما يتناقض وماضينا الحضاري.ولذلك لا يمكن القول ان التصويت علي دستور 1991 جاء تحت الضغط والتأثير السياسي والمالي، فلقد كانت البلاد تعيش حالة مزرية من التهميش والفقر والتخلف وهي ترزح تحت حصار ظالم جاء نتيجة لموقفها من حرب الخليج الثانية حين لبت نداء الاخوة والصداقة وعدم نكران الجميل مستشرفة مقولة: لا يستوي الصديق والعدو ، بالاضافة الي ورطة أحداث 1989 و1991 الأليمة والتي جعلت من بلدنا مساحة لتصفية الحسابات الاستعمارية القديمة والجديدة بالتعاون مع الطابور الخامس وكل المغرر بهم، ليلحقوا الضرر ببلدهم الذي لم يتعاف بعد من مخلفات حرب الصحراء والتصحر والانقلابات والصراعات علي السلطة.فتحقق يومها اجماع الغالبية العظمي من هذا الشعب علي التصويت بكثرة لذلك الدستور الذي اعتبروه انجازا سياسيا مهما وحاسما لكثير من القضايا المهمة عند أهل هذا البلد مثل اعتبار الشريعة الاسلامية مصدرا وحيدا للتشريع في موريتانيا واعتبار اللغة العربية هي اللغة الرسمية بالاضافة الي اعتبار العربية والولفية والبولارية والسونكية لغات وطنية.وهو ما حرك ساكنا عند بقايا الاستعمار في بلادنا فسعوا بكل ما ملكوا الي فرض ثقافة المستعمر ولغته في الوقت الذي أصبح يعتبرها هو في بلاده من أسباب تخلفه وتراجع نهضته، في وقت تعتبر فيه اللغة العربية من أهم اللغات العالمية كالانكليزية والاسبانية.ان دستور 1991 مأخوذ في غالبيته من دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا لسنة 1958 والذي ما زال عدد المأموريات مفتوحا فيه رغم التعديل الأخير القاضي بنقص الفترة الرئاسية من 7 سنوات الي 5 ســـنوات، ولم تشهد فرنسا ثورة ولا انقلابا يطالب بتحديد فـــترة المأمورية الرئاسية رغم بقاء اليمين في السلطة منذ 1946 حتي 1981 (35 سنة) ليعود اليها بعد خمس عشرة سنة أي في سنة 1995 وهو ما يزال متمسكا بعراها. لا بل انا شهدنا دعوة في فرنسا للعودة الي الملكية الدستورية بوصفها عامل استقرار علي غرار ما حدث في اسبانيا من عودة الملكية الدستورية واسهامهــــا في استقرار البلد وتنميته الذي أصبح بفضلها من أكبر الدول الأوروبية بعدما عاني في ظل الحكم العسكري الذي حكمها منذ 1939 اثر الانقلاب الذي قاده فرانكو وأقام بموجبه نظاما جمهوريا بعدما طرد الأسرة المالكة.ان أية أمة يراد لها البقاء يلزمها أن تحترم عقدها الاجتماعي الذي يتمثل في الدستور والقوانين المعمول بها، وأن تحترم الطرق الدستورية والقانونية في مراجعة نصوصها القانونية، وهي اليوم واضحة في أن أي تغيير للدستور لا يمكن أن يتم الا في ظل رئيس وبرلمان منتخبين حسب المادة 40 من دستور 1991.وعليه فان أي استفتاء لتغيير مواد لا تنسجم ومتطلبات المرحلة يجب أن يترك للرئيس والبرلمان المقبلين حتي يتسني احترام الدستور والقوانين المعمول بها، والا فاننا بذلك سنفتح الباب واسعا لتغيير قوانين عن طريق القوة والانقلابات التي لا تمت بصلة لدستور بلادنا وهو ما سيشكل خطرا حقيقيا علي مستقبل بلدنا، فلا يمكن لدستور أن يلقي قبولا عند الناس كلهم، وبذلك سيسعي كل حزب بفرض ما يراه بواسطة القوة وهو ما سيكون سابقة خطيرة في تغيير دساتيرنا.اننا كلنا مع التغيير المدروس والقانوني ونري أن غير ذلك لا يخدم مصير أمتنا ولا بقاءها في خضم هذه الأمواج العاتية وصراعات القوي العظمي، وهو ما يستوجب منا السعي لسد الباب أمامه من خلال احترامنا لقيمنا وقوانيننا وخصوصيتنا الحضارية، وسواء كنا حكاما أو محكومين يجب أن نستلهم القرار من قولة أحد فقهاء الأمة: اللهم ان هذا رأيي ومن جاءني بخير منه قبلته . ہ كاتب من موريتانيا8