■ «على سفر» عنوان المجموعة القصصية للمغربية فريدة العاطفي، الصادرة عن سليكي إخوان، طنجة 2017، تقع في سبعين صفحة من القطع المتوسط، وتشتمل على أربع عشرة قصة قصيرة متفاوتة من حيث الطول والقصر. وسنحاول الوقوف عند بعض القضايا التي تطرحها المجموعة، بداية من العنوان والمتن الحكائي وما يثيره من موضوعات وقضايا مرورا باستدعاء للمورث الثقافي والتجنيس.
العنوان
لا يخفى ما يمكن أن تقدمه قراءة العنوان من إضاءات حول المتن العام ككل، لاسيما إذا علمنا الصلة الوثيقة القائمة بينهما. وهكذا جاء العنوان يتكون من قسمين هما: (على) ثم (سفر)، وفي حال تأمل العنوان وربطه بالنص، سيلاحظ القارئ من الناحية الدلالية أنه يأخذ بعدين دلالين: أولهما يحيل إلى الحدث الذي ينتصر للتوالي (قصة أبي)، والثاني يحيل إلى الحركة، التي تتأطر ضمن الأفعال (قصة مملكة الحب). وهكذا فالعاطفي اقتطفت عنوان متنها من القصة المعنونة بـ «أمي…وزرقاء اليمامة» تقول الساردة «نحن ما زلنا على سفر. في الطائرة نشد أحزمتنا». كما أن لفظة سفر وردت في قصص عدة .. «كل منا في سفره الداخلي»، «قمت بهذا السفر وأنا عاشقة»، «كنت غارقة في تأملاتي حول السفر». فلفظة سفر وإن وردت في سياقات مختلفة، فإنها ترتبط في ما بينها من الناحية الدلالية وتساهم في تشييد عالم قصصي متعدد الفضاءات، يندر من حيث لغته السردية وأحداثه بالعديد من الممكنات التأويلية.
المتن الحكائي
من المواضيع التي تطرح نفسها بكثافة في المتن القصصي موضوع الطفولة، فهناك استدعاء لفضاء الطفولة، التي تحضر بدرجات بين نص وآخر حسب السياق السردي. تقول الساردة وهي بصدد الحديث عن الحب الذي تكنه لوالدها: «تمنيت لو كان بإمكاني أن أقتسم معه شبابي، كي يظل وسيما…تماما كما كان في طفولتي». «أحيانا أتخيل أنني طفلة تلعب مع الأطفال». فالكاتبة تستدعي الطفولة في القصتين المعنونتين بـ»أبي» و»مملكة الحب» وتحتفي بها بطريقتها السردية الخاصة، إلا أن الأمر يتطرق لطفولة الآخر.. فتقول عن أطفال باريس:»هنا في باريس يتعلم الأطفال الحروف بالغناء». «النرويج جنة للأطفال فقط». طفولة الآخر تشغل حيزا سرديا مهما داخل المتن القصصي، لاسيما وأن الكثير من الأحداث تدور في فرنسا، وهو ما يعكس رحابة وعي الكاتبة، الذي يتسع لكل طفولة العالم، كأنها بهذا تريد أن تشعر القارئ بأن الطفولة لا تؤمن بالحدود ومنزلتها مليئة بالحكايات المتنوعة والمختلفة، فلابد أن نطرق أبوابها ونحتفي بها مهما كان جنسها أو لونها.
الأمومة والحب
النهد موضوع كثيرا ما ينظر إليه من وجهات نظر مختلفة في العديد من الأعمال السردية والشعرية. وهو بهذا يرمز إلى الرغبة والأمومة والحياة والأنوثة. فكيف تناولت العاطفي الأمر، وهل يتعلق بالنهد أو بدلالاته؟ في قصة «النهد» هناك حالة من الاحتفاء، لكنها لا تحتفي به في ذاته ولذاته، فهناك الكثير من الأبعاد الدلالية والرمزية. تقول: «السيارة تعبر بنا إلى فنيس ونحن نتحدث عن الحب، وكيف يزرع أغصانه الطرية فينا، حينما نمسك بنهد الأم لأول مرة، وكنت أنظر إلى البالونات وأنا أتخيل نهد أمي. أعود طفلة تلتصق بنهد الأم، تمتص منه الحليب. تتساقط قطرات الحليب العذبة من فمي الصغير ومن نهد أمي المضيء». فالنهد هنا يرمز دلاليا إلى الأمومة مثلما يرمز إلى الحب وهو من أسمى القيم الإنسانية.
الذات والأبوة
في قصة «أبي» تطالعنا العاطفي بحكاية حبها لوالدها، عبر رحلة سفر إلى مسقط رأسه بالناظور. والحب هنا ليس وليد اللحظة بل تجتره منذ الطفولة وتتذكر معه جانبا من أطيافه، «حين كنت طفلة، ورغم قصر قامته، كان أبي يبدو لي شاهقا وهو يطل عليّ من أعلى … أقوى تجربة حب في حياة المرأة هي حبها الطفولي لأبيها». وعلى الرغم من مرور زمن طويل على الصورة الأولى التي تعود إلى مرحلة الطفولة، فالساردة ما تزال تتذكرها بكل تفاصيلها، وخلال الرحلة ستكشف أن والدها قد بلغ بالفعل السبعين من العمر .. «قبل أيام من سفرنا، أبلغني والدي أنه بلغ السبعين من عمره، كيف لم أنتبه لسنواته السبعين؟. لم يعد الإنسان ينتبه إلى ما يفعله الزمن.. «وأنا في الحافلة متجهة مع أبي إلى مسقط رأسه، ازدادت تجاعيد وجهي».. «التجاعيد ذاتها ما زالت تحفر خطوطها على وجهي». فتجاعيد الوالد هي نفسها تجاعيد الساردة والعكس صحيح، كما أن تقدم سن الوالد يعقبه ويوازيه تقدم سن الساردة التي ترى نفسها وتستمد وجودها من خلال وجود الأب «فهل أرفض أن يكبر أبي، لأنني أرفض أن أكبر أنا؟». «إن التجاعيد في وجهي لم تكن تجاعيدي…كانت تجاعيد أبي اختارت أن تستقر على وجهي».
سؤال الهوية
تقول الساردة لحظة التقاء والدها بأفراد عائلته في الناظور: «وأنا أستمع إليه يتحدث سعيدا مع عائلته بأمازيغية لا أتكلمها، رغم كونها ظلت تناديني لسنوات طويلة أحسست أني أهوي في مجهول بعيد.. أبي شاخ ولغته وهي ذاكرته هويته وكاشفة أسرارها». وعلى الرغم من ضياعها لفرصة تعلم الأمازيغية، ولكي تخرج من هذا المجهول فإن تناولها للهوية والاحتفاء بها في متنها القصصي يروم تأكيد التشبث بهويتها من جهة الأب، الحاجة الماسة للساردة بغية معرفة المزيد عن تاريخ اللسان الأمازيغي، التأكيد على التعدد والتنوع الثقافي للمجتمع. ولما كانت الهوية في كثير من الأحيان تنتصر للتعدد، فهل هذه الهوية كافية لتشكيل ملامح وخصوصيات شخصية الساردة؟ في قصة «تعالي» نقرأ:»ربما أتيت من الأندلس، هذا ما لا تتوقف أمي عن ترديده بحنين دائم إلى قريتها الجبلية الخضراء، وهي تحضن في عزلتها أربعين قبرا لشخصيات ذات تواريخ وضاءة من شعراء وعلماء وأمراء ومتصوفة، نزحوا إلى شمال المغرب هربا بعد سقوط غرناطة». هكذا تكشف الساردة أمام القارئ عن جذورها الأندلسية من جهة الأم مثلما كشفت في قصة «أبي» عن جذورها الأمازيغية من جهة الأب. وفي القصتين معا تمتزج الهوية بالحب والانتماء والبوح والمكاشفة. لكن الكاتبة لا تنظر إلى الهوية من خلال هذه المنظورات فحسب، بل تطالعنا في القصة نفسها عن موقف آخر .. «ما أروع أن يكون الإنسان كونيا». وبغض النظر عن الإشكالات الفلسفية والدينية والسياسية التي يثيرها مصطلح الكونية فإن دلالة الكونية في هذا النص تستمد مرجعيتها من قيم التعارف والحب، على الرغم من الاختلاف القائم بيننا. فـ (أوسكار) – شخصية إسبانية ـ يحلم بالقراءة والحب يجسد هذا النمط. وعليه فالكونية هنا مظهر من مظاهر الانفتاح الذي يزيد الذات هوية أكثر إنسانية. إن الكتابة عن الهوية، سواء بطريقة واضحة أو مضمرة تزيد من تقوية النص القصصي وتجعل منه نصا ينفتح على أسئلة الذات بكل ما تنطوي عليه من أبعاد نفسية واجتماعية ووجودية.
التقنيات السردية
في القصة المعنونة بـ«قنديل البحر» يلاحظ استدعاء الكاتبة لشخصية علاء الدين وهي ـ كما لا يخفى- شخصية خيالية من شخصيات ألف ليلة وليلة: «وجدت القنديل يشبه مصباح علاء الدين… كلاهما غامض وساحر». والحديث عن هذه الشخصية التراثية يدفعنا للإشارة إلى عباس بن فرناس الذي حاول الطيران وهو إلى جانب هذا انشغل بالعلم والشعر، ففي قصة «لا أسماء للعصافير» تقول .. «أفكر في عباس بن فرناس الطائر الذي أراد أن يحلق بعيدا عن سجونه الداخلية». كما يلاحظ القارئ استدعاء زرقاء اليمامة المرأة المشهورة بقوة بصرها وبصيرتها وذلك في قصة «أمي.. وزرقاء اليمامة»: «فأحكي لها عن زرقاء اليمامة كما حدثنا عنها التاريخ والكتب المدرسية». وإذا كانت هذه الشخصيات تنتمي إلى العصور القديمة، فإن هذا لم يمنع فريدة العاطفي من استدعاء شخصيات أخرى من العصر الحديث. وهكذا فقد استدعت جورج براسانس – شخصية فنية فرنسية من أصول إيطالية – وهو يكتب الشعر ويلحنه ويغنيه .. «على أغاني جورج براسانس تحدثنا طويلا عن الحب». إن استدعاء هذه الشخصيات بميولاتها وانشغالاتها المتنوعة ومواهبها التي تتميز بها، إنما تعكس عوالم الكاتبة الثقافية، وكذا قدرتها على تخصيب وتهجين النص وجعله أفقا سرديا يلتقي عنده الكثير من الأسماء التي تساهم في بناء صرح النص وبعده المعرفي والدلالي. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد وحسب، بحيث نجد في القصة التي تحمل عنوان «لا ذئب في الحديقة يا أمي» تستدعي الحكاية الشعبية وتعمل على توظيفها نصيا.. «كان يا مكان جاء الذئب الماكر إلى المعزة، طرق بابها بعدما غير صوته، وثقت به، وفتحت له الباب، فانقض عليها». في زيارة لحديقة الرأس الذهبي في مدينة ليون الفرنسية بمعية بعض الأطفال سترى الساردة تقريبا كل الحيوانات من أسد وخنازير وحمار ملون وقطط وسلحفاة باستثناء الذئب. لا مجال له في هذا المكان كي لا يفسد أحلام الأطفال ويأكل بعضهم. ولما كان الذئب يرمز في الحكاية الشعبية إلى الغدر والخيانة والخداع، فإن حياة الصغار ومعهم حتى الكبار وكل المجتمع، حياة خالية من كل المخاطر التي قد يلحقها الذئب بها، ربما لأن الذئب يوجد في مكان آخر. إن الساردة تطمئن الجميع وهي تخاطب والدتها كما يبدو ذلك – بشكل واضح- من عنوان القصة «لا ذئب في الحديقة يا أمي»، فالمقصود بالحديقة هنا هو المجتمع الفرنسي الصغير والكبير، وبداخله لا مكان للذئب.
في التجنيس والتجنيس معكوسا
إن السفر في المجموعة ليس عَرَضيا كما يمكن أن يتبادر إلى ذهن البعض، لكنه وجد لغايات فنية منها السعي إلى تشكيل تنويع وأفق سردي وجمالي. وهو بهذا المعنى – السفر- يخدم السرد القصصي وينمي الأحداث كما ينقل حديث وأفعال الشخصيات القصصية من فضاء إلى فضاء جديد. وهو ما يعيد للنص فرادته وكذا جماليته لدى المتلقي لهذا النوع السردي. إننا إذن أمام مجموعة قصصية يحضر فيها السفر، ولما كان الأمر كذلك فإننا لن نجازف إن اعتبرنا أن المجموعة القصصية تنتمي إلى جنس القصة وفق مسوغات نظريات الأجناس الأدبية، أما من حيث النوع فهي تدخل ضمن سرود السفر كما أسلفنا.
وختاماً يتضح أن المجموعة تحمل موضوعات متنوعة ومختلفة، يغلب عليها البعد القيمي والإنساني وهي تقارب الذات في سياق علاقتها بأناها والآخرين من خلال سفر سردي مليء بالأسئلة والإجابات. كذلك الانتقال بين الفضاءات التي تحتفي بها، كفضاء الأمومة والطفولة والأبوة والهوية، وبعض الحكايات الموازية من قبيل الحكاية الشعبية وحكايات الآخر عن تجربته في الحياة. وأعتقد أن هذه السمات وغيرها من باقي السمات الأخرى كفيلة للكشف فنيا عن أوجه هذه الجدة من خلال كيفية تناولها، هذه الفضاءات التي جعلت من مجموعة المغربية فريدة العاطفي متنا قصصيا ينبض بالحياة والمواقف الإنسانية.
باحث وناقد من المغرب
حسن اليملاحي