كولد أدخل للحظة إلى الغرفة كي يقول شكرا للأعمام على الهدايا التي تلقاها منهم، هكذا بدا أمس الرئيس الأسد في سوتشي، يقف جامدا ضائعا بينما في محيطه قيادة جهاز الأمن الروسي. صورة واحدة ـ نشرها بالمناسبة الكرملين ـ تعبر عن وضع سوريا والتسوية الدائمة التي يعد الروس لها، وبقدر كبير لنا أيضا.
لقد أبقيت رحلة الأسد إلى روسيا أمس الأول في السر. فقد وصل أغلب الظن في طائرة عسكرية روسية، بلا حاشية، بل بلا مترجم خاص به. وفي البداية التقى ثنائيا في حديث لثلاث ساعات مع بوتين. وبعد ذلك علق في حدث ليس له أية صلة بالزيارة. ففي جدول عمل بوتين تقرر لقاء دوري مع قيادة جهاز الأمن لمداولات عن برامج مشتريات الجيش الروسي. كان هناك وزير الدفاع، رئيس الأركان، رؤساء الصناعات الأمنية الروسية ورؤساء الأذرع في الجيش. لهذه اللقاءات، التي يديرها بوتين، لا يدخل سياسيون أجانب. أما بوتين فببساطة جر الأسد إلى الغرفة كي يكرر الولد أقوال الشكر اللازمة. «بودي أن أعرفك»، أشار بوتين إلى الحاضرين وشرح للأسد وللكاميرات، عن «الأشخاص المسؤولين عن النجاح في سوريا. كما تعرف، فضلا عن تركيا وإيران، نحن نعمل أيضا مع دول أخرى بشكل مكثف: مع مصر، الولايات المتحدة والأردن». ومن لم يظهر في قائمة الدول التي تعمل روسيا معها بشكل مكثف؟ إسرائيل.
ولكن التطور الدبلوماسي الأهم في المسألة السورية سيقع اليوم (أمس) في سوتشي: لقاء قمة نظمه بوتين مع الرئيس الإيراني روحاني والرئيس التركي أردوغان، الذي ستقسم فيه سوريا إلى مناطق نفوذ. هناك سيوزعون الغنيمة. الولايات المتحدة غير شريكة، وسوريا هي الأخرى غير موجودة. الأسد لم يدع إلى اللقاء.
بخلاف موقف الأسد، الذي يرى في الغزو التركي إلى شمال سوريا تدخلا معاديا، أوضح له بوتين أنه في إطار تقسيم مناطق النفوذ في التسوية الدائمة في سوريا ستتلقى تركيا مسؤولية ونفوذا على مناطق في شمال الدولة. في نظر الروس تعتبر تركيا حصان طروادة خاصتهم في الناتو. أردوغان يجلب أيضا إلى بوتين قدرة نفوذه على القوات المعارضة المعتدلة للأسد، مثل الجيش السوري الحر الذي يوجد في تركيا. أما تركيا فترى في روسيا الحليفة الوحيدة التي يمكنها أن تحافظ على مصالحها في وجه محافل معادية كالأكراد وتسلل اللاجئين إلى أراضيها.
أما الإيرانيون فسيتلقون إلى أيديهم دمشق. قسم لا بأس به من أطر الجيش السوري مأهول بميليشيات مؤيدة لإيران وبرجال حزب الله. عمليا، يسيطر الإيرانيون على الجيش السوري. وعليه، فبرغم تضارب المصالح، فإن استقرار حكم الأسد سيحصل عليه الروس من الإيرانيين. روسيا، من جهتها، ستبدأ حتى نهاية السنة بتخفيف حجم قواتها في سوريا وستبقى مع قوات قليلة في غرب سوريا على طول الشاطئ. هناك سيكون انتشار جوي روسي ضيق وانتشار بحري متبدل، وشبكة دفاع عن هذه القوات. كما أن هذا هو المهر الذي سيجلبه الروس إلى محادثات التسوية الدائمة في جنيف.
أما الأمريكيون، الذين يقودون المحادثات ظاهرا، فيطلعون في أفضل الأحوال من الروس ويتمنون فقط اللحظة التي يتمكنون فيها من الانصراف من سوريا.
الأسد دمية في خيط. وإسرائيل؟ سيتعين عليها أن تنظم مصالحها بقواها الذاتية. السفير الروسي في إسرائيل ـ كجزء من المحاولات التي يبذلها الروس لتلطيف أقوال وزير خارجيتهم لافروف حول حق إيران في البقاء في سوريا ـ أعلن أمس أن روسيا تأخذ بالحسبان المصالح الإسرائيلية في سوريا. وبالفعل، من المجدي جدا للروس أن يفعلوا ذلك، إذ أن إسرائيل هي الجهة الأبرز التي يمكنها أن تخرب الفرحة. إذا قررت إسرائيل أن القوات الشيعية، المؤيدة لإيران، الموجودة بشكل دائم في معسكرات الجيش السوري، هي «خط أحمر» من ناحيتها فتقصفها ـ سيكون الروس مطالبين بأن يشرحوا لحلفائهم الإيرانيين لِمَ لا يسيطرون على الإسرائيليين. في اليوم الذي يمحى فيه المطار الذي تديره إيران في سوريا، فإن كل الاتفاقات ستحترق باللهيب الذي سيشتعل على الحدود الإسرائيلية ـ السورية. هكذا هي الحال عندما تعد الجدة روسيا العصيدة: تعطي الجميع ولا يتبقى لإسرائيل شيئا.
اليكس فيشمان
يديعوت 22/11/2017