تفاحة الخجل

حجم الخط
0

في طفولتي المبكرة، كان أبي، بين الفينة والأخرى، يصطحبني إلى المقهى، ومثله كانت تفعل أمي كلَّ حمَّام. بين رغوة النساء وخشونة الرجال، بين رائحة النعناع ورائحة الحناء، وبين بخار الماء ودخان السجائر… قضيت أوقاتًا حالمة، قبل أن أطرد من الجنتين.
من جنة أبي طردت بسبب امرأة.
فذات مساء، كنت أقتعد كرسيًّا إلى جوار أبي، بينما هو يلعب الورق مع أترابه، إذ وقفت متسولة شابة لا تعدم جمالا. ولأنها لم تكن تحمل ما تستدر به العطف، يتيمًا أو عاهةً، فقد رمت فوق طاولة الورق ورقتها الرابحة: الأنوثة. الغنج والضحك والكلمات الداعرة… كانت أسلوب الشابة في الاستجداء، فبها تستنهض في الرجال همم الرجال، فإذا أيديهم منتصبة نحو كفها تقذف فيه نطف النقود. وحده أبي كان عفيفا. لا، لم يكن عفيفا فقط، بل مستاء أيضا. لقد اكفهرّت ملامحه لاغتصاب براءتي، فنهض غاضبا، وغادرنا، ولم يعد يصطحبني، فكان ذلك بالنسبة إليَّ فطاما آخر.
من جنة أمي طردت بسبب امرأة أخرى.
يقيناً أن الحيزبون البدينة، حارسة الصرر، صرر الملابس، هي التي غمزت لأمي بأني صرت رجلا، ولا يليق بي أن أرى من النساء ما يثير الرجال.
المتسولة الشابة وحارسة الصرر العجوز وجهان لامرأة واحدة. الأولى تحرص على عُري الكلام في حضرة الرجال، والثانية تحرس عريَ النساء بحراسة ملابسهن.
الكلام العاري كالجسد العاري. يضفي الشباب على هذا ما يضفي على ذاك. وكذلك تفعل الشيخوخة إذ تغدق عليهما نفس القدر من التجاعيد.
تلك المتسولة الشابة، التي كانت تعاشر الرجال بالكلام فتتقاضى أجرتها صدقةً، لم تعد شابة. لقد جفت ورقة أنوثتها وأمست الأغصان تيمم حليبها شطر أوراق أكثر نضارة. وإذا كانت لا تزال على قيد الحياة، فلابد أنها تعمل الآن حارسة للصرر في حمام للنساء.
في ذلك المساء البعيد، مساء أبي وشلته، أذكر، كانت المتسولة ترمي شباكها نحوي، تماما كما كانت تفعل مع الآخرين. فقد رأت في الصبي الذي كنته رجلا، ولعلها انتظرت مني غنيمة، أنا الذي لم تكن قد اجتمعت لصلبي غلمة.
حارسة الصرر كانت امرأة مسنة وبدينة. والأرجح أنها كانت قد نسيت طعم الرجل وشكله العاري، لذلك رأت فيَّ رجلًا هي الأخرى.
الشابة البذيئة والعجوز البدينة استعجلتا الرجل فيَّ، فسقطتُ باكرا في أرض النساء مضرجًا بنصفيْ تفاحة من الخجل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية