(1) في الصورة
منذ قليل
أمام ذاكرتي المعطّلة
كنتِ تأرجحينَ طفلةً
وتبتسمينَ للمدى
كنتُ أجلسُ على المقعدِ الخشبي
الذي كان شجرة
في الصورة :
ــ أنتِ والشجرة
والطفلةُ تبتسمُ لكِ
أنتِ المدى
أنتِ شجرةُ المساء الوحيدة
أنتِ الصورةُ التي تنبضُ بين أصابعي الآن
أنتِ ذاكرتي الجديدة
أنتِ مرآةُ هذا المشهد
التي تعكسُ
هذا المساءَ ووجّهَ الطفلةِ المبتسمة
والأرجوحةَ
والرجل الذي قطعَ الشجرةَ بفأسهِ
كي تصيرَ مقعداً
أجلسُ عليه
أشاهدَ الحبّ
كيف يؤرجحُ الأطفالَ ليكبروا *
(2)
كلهم نائمون
وأنا الوحيدُ الذي يقرأ بحثاً ناقصاً عن التنويم المغناطيسي
كلهم نائمون
وأنا الوحيدُ المُكلّف بملاحقةِ الذبابة العنيدة في أرجاء الغرفة
كلهم نائمون وأنتِ أيضاً
نائمة، وأنا الحارسُ الوصيُّ على أحلامكِ المتهوّرة
كلهم نائمون
كلهم وأنا الجثّةُ الوحيدةُ التي تتحرّكُ بحريةٍ مُطْلَقةٍ
داخل هذا المشهد
وما يثير لعابَ الغبار الآن
في هذه اللحظة تماماً:
«أنّ مساحةً لا تتجاوز بقعةَ مياهٍ على طاولة العشاء»
جرّاء خطأٍ عابر
ارتكبهُ صانعُ الكأسِ المثقوبة؛
أضحت مرآةً لملامح وجهي
وأنا أنظرُ إلى عبثِ الريح بالستائر
وشهوة الغبار ما قبل السكون
كلهم نائمون
رائحتكِ التي كانت تُحدّث النهرَ عن المطر
الغابةُ التي زرعها العاشقُ في خابيةِ النبيذ
ومات ظمأً
الخابيةُ ذاتها
والعاشق ذاته
النهرُ ورائحتكِ: كلهم نائمون
وأنا قبل أن أُنهي هذه القصيدة
سأقفزُ إليكِ
أوقظكِ
كي تأخذي مكاني
فأنا منهكٌ
أريد أن أموتَ لساعتين أو أكثر
فالموتى أيضاً كلهم نائمون
(3)
ضحكتُـكِ
ــ نكهةُ الرصاصةِ في جبين الوردة
الوردة: شاعرٌ/ شاطئ
ونهرٌ يراهقُ أمام الظمأ
سبابةُ الأم العاشقة ضحكتُكِ
حين تُخفض أغنيةً مسرفةً بالقبلاتِ أمام القبور
ضحكتُكِ
صوتُ خطواتِ أختي الصغيرة المترددة
حين تصعد إلى الحُلم
ضحكتُكِ؛
ــ قبلةٌ مباغتة على خدّ الشاعرِ
كالرصاصة التي أدهشتِ الضحية
ضحكتُـكِ؛
ــ زهرة
زهرةٌ موشومة في ذاكرة النحل
ضحكتُـكِ؛
ــ طريق الخريطة المضيئة في عتمةِ الحربِ والقلوب
دليلُ الأنبياء والشعراء والعاشقين
إلى الهاوية
ضحكتُــــكِ صوتُ جرسِ المنازلِ وصداه
قبل القذيفةِ وبعد القذيقة
قبل الشهيق الأخير
وقبل أن يُشعلَ صديقاي السجائر
ويتحدثان عن ضحكتكِ التي توقف الحربَ
على ساقٍ واحدة
ضحكتُــــكِ؛
ــ ضفّةُ النهرِ قبل أن تغرقَ الأغاني الريفية في الصمت
ضحكتُـــكِ؛
ـــ فتاةٌ عاشقة تشيرُ بسبابتها
إلى الحربِ
إلى قبرِ حبيبها على التلّة
وتغادرُ المشهدَ بقلبٍ مطعونٍ بوردة
ضحكتُـكِ؛
ــ اسمُ طفلةٍ جميلة سوف تكبر
ويعشقها الشاعرُ
ويكتبُ عنها حقلَ حنطة
أمام القصيدة
كي تكبرَ مع الطفلة
وتهربَ خارج الورقة
لتزورني ليلاً
ضحكتُـكِ؛
أول قطرةِ طلٍّ
تسقطُ بين شفتي الوردة
أول قطرةٍ تسقطُ بين نهديّ الفتاةِ العابرة
تحت الشتاء
أول بركةِ مطرٍ تمرّت بها العاشقاتُ المتأخراتُ عن الموعدِ
وأصلحنَ رتابةَ المكياجِ والكحل
والابتساماتِ الجاهزة
ضحكتُـــكِ ؛
ــ الطفلةُ المدلّلة
التي توقظُ أمّها ليلاً
كي تحكي لها حكايةً قصيرة
عن قبرِ والدها البعيد
٭ شاعر سوري
أحمد بغدادي