«جوع العسل» للعماني زهران القاسمي: الخلوة بعيدا عن زيفِ المدنية

حجم الخط
0

تقوم تجربة زهران القاسمي الشاعر والروائي العماني، على إبدالاتٍ شتى، فهو مثال المبدع المتعدِّد، والمنخرط في قضايا إبداعية تتماهى، وتتقاطع مع خصوصيات الكتابة العمانية بشكلٍ عام، وإن كانت لزهران القاسمي بصمة خاصة، لا تخطئها عين الرائي، وقيمة هذه التجربة أيضاً، تستمد فرادتها وسماتها الدالة من طبيعة ما يَخُطُّهُ من أعمال شعريةٍ وسرديةٍ، بحيث أنه حَقَّقَ تراكما كتابياً مهما، وعلى هذا الأساس، فالقراءة ممكنةً ومتاحة بنسبة كبيرة، بالإضافة إلى ضرورة توسيع المدارك وتنويع استراتيجيات القراءة، من خلال التوقف عن قيمة هذه التجربة، وانشغالها برؤى التجديد والابتكار، وإن كان من الصعوبة بمكان التحدث عن كلام المبدع، «لأن الكلام عن الأمور المعتمد فيها على صور الأمور وأشكالها التي تنقسم بين المعقول وما يكون بالحس، ممكن وفضاء هذا متسع، والمجال فيه مختلف. فأما الكلام على الكلام، فإنه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعضه»، غير أن كلام المبدع ها هنا، لا بد وأن يَتَأَسَّسَ عنه كلام آخر مبني على نظريات الأدب، واستراتيجيات قرائية وتأويلية غاية في الدقة والفهم، ولا نعني بذلك تلك القراءة الخطية الأفقية، التي لا تتفاعل مع التحققات النصية تفاعلا مثمراً وإيجابياً، وإنما نروم تحقيق قراءة عمودية تنفذ إلى أغوار النصيات، وتسبر أعماقها وأسرارها. والواقع، أن قراءة أي عمل روائي ليست بالمسألة الهينة، قياساً بباقي الأنماط التعبيرية، والفرق ـ في نظري ـ هو تشعب السرود واسترفادها من حقول إبداعية عديدة.
إننا بهذا الكلام لا نود تعقيد الأمر، إلى درجة الاحتراز من الدخول إلى المناطق المعتمة للكاتب، بقدر ما هناك شواغل تُحَتِّم تقريب وجهات النظر، ودمج الأفقين: أفق المبدع بما ينطوي عليه من عوالم الكتابة وكيميائها، ثم عالم القارئ مهما اختلفت درجات وعيه بما يقرأ، وكيف يُحَلِّل، وكيف يُنشئ «مبادرة تأويلية» قائمة على بعدٍ تشوفي خلاقٍ، وهذا لن يتحقق، ما لم نكن على درايةٍ تامةٍ بما نقرأه، وزهران القاسمي في أحدث إصداراته الروائية الموسومة بـ»جوع العسل» التي صدرت عن دار مسعى للنشر والتوزيع 2017، ظل مخلصاً لعوالمه التخييلية من خلال استثمار رافد الطبيعة، سواء على مستوى المتن، أو من خلال التعويبات التي قام بوضعها عند بداية كل فصلٍ، وهي تعويبات الغنائية من إمضاء الشاعر العماني حمود الحجري، من هنا، تتأسس السرود وتنشغل أكثر بتوجيه القارئ/ المتلقي، بل تستثيره وتدعوه إلى وليمة أدبيةٍ تحقق فيها كل شروط الفنية والوعي بالكتابة الروائية، إلا أن اللافت في هذا المنجز السردي، هو احتضانه لمفارقات تضادية مشحونة بقيم الإنسان الأثيرة (الحب، العزلة، المرأة، الموسيقى، التوحد بالطبيعة)، مقابل تفتت العلاقات الإنسانية في الحياة المدنية الزائف، إذ تتجلى هذه المفارقات من خلال نماذج بعينها، كعائلة «حمود بن غابش» التي اختارت العيش والبقاء بين أحضان الطبيعة، رغم أنها تمتلك كل شيء، لكي تُحول وجهتها نحو المدينة، أو من خلال «ثمنة» تلك المرأة التي توفي زوجها، فساحت في الأرض مع قطيعها لبحث عن الكلأ، ثمنة هذه جعلها السارد أسطورةً، لا يتحقق وجودها الفعلي إلا عبر فنجان قهوةٍ أو ترديد أغنيةٍ حزينة فوق الجبال العالية، كل هذه المنعرجات التي خاضها زهران القاسمي أو السارد في بناء عوالم هذه الرواية، لم تثنه عن مواصلة رحلة البحث عن العسل، عن أماكن صنعه بطرقٍ بريئةٍ، وخالصةٍ من بصمة الإنسان.
إن زهران القاسمي، وهو يخوض في كتابة هذه الرواية، ظل حريصاً على الالتصاق بهموم الإنسان العماني بشكلٍ خاص، ومدى ارتباطه بهويته وثقافته وعاداته، رغم ما يبديه من قيم التصالح مع المدنية، لكنها، تبقى في نهاية المطاف، هوية زائفة إذ ما تم تخريبها من الدخل، وإبعادها بشكل أو آخر عن جوهرها الحقيقي، وكينونتها المفرطة في البساطة والتماهي إلى حد الوله مع عناصر الطبيعة، وهذا ما نلمسه في كل فصول الرواية، انهمام كلي بأسلوب الحياة البسيطة، والانجذاب نحو التوحد المطلق مع الطبيعة وعناصرها، من خلال الجمع بين البساطة في الأسلوب، بمعنى ليس هناك، جنوح نحو «فن تطريز الكلام» بتعبير الناقد المغربي نجيب العوفي، أي تلك المنمنمات التي غالبا ما تهيمن على أي منجز سردي، لكن في المقابل، هناك اشتغال على العتبات، واستثمار مكون الثقافة الشعبية، بحيث تحفل الرواية بالكثير من الكلمات الدارجة العمانية والرقص، والأغاني والفلكلور بكل أنواعه، وهذا يوضح بجلاء مدى حرص زهران القاسمي على «تخصيب» الخطاب، وامتلاكه دقة هائلة على الحكي بأسلوبٍ شاعري، خلاقٍ ولافت. وتجدر الإشارة في الأخير، إلى أن زهران القاسمي شاعر وروائي من عمان، صدرت له عدة أعمال شعرية أو روائية، نذكر منها: «أمسكنا الوعل من قرونه، 2006»، «الهيولى، 2008»، «أغني وأمشي، 2008»، «سيرة الحجر 1، 2010»، «القناص، 2014».

٭ كاتب مغربي

«جوع العسل» للعماني زهران القاسمي: الخلوة بعيدا عن زيفِ المدنية

رشيد الخديري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية