غادة السَمّان: بغداد ما بعد ألف ليلة وليلة

حجم الخط
16

«صباح الخير عيني ـ أهلا عيني ـ حاضر عيوني ـ هالو عيني» إنها مفردات من الفلكلور البغدادي وأنغام سيمفونية استئناس الغربة». تواصل الأيقونة غادة السمان العزف على قيثارة مشرنقة بأحد عشر وتراً يزينها الذهب والصدف من إرث جدتها الملكة السومرية شبعاد في ستة أيام عراقية .

مدينة الضباب ورائحة التاريخ

لقد غمرها طوفان الحب العراقي من أدباء وصحافيين وتشكيليين ومبدعي المسرح والموسيقى كذلك سائق التاكسي وبائع الحلوى … وصل الحب إلى حالة الغزو حين استباح الضباب الذي يشعرها بالذهول في مشهد حال بينها وبين الألوان.
الياسمينة الدمشقية في جولة إلى أسواق بغداد وكأنها تذكرها بتراث دمشق «هي المرة الأولى التي أرى فيها الضباب يشرنق أشجار النخيل والمآذن الملونة والقباب المنقوشة، وهي المرة الأولى التي يمتزج فيها الضباب بروائح الفلفل والكاري والصابون والشمع الملون وغيرها من الروائح المميزة العجيبة لأسواق بغداد… كأنها رائحة التأريخ، رائحة حكايا طويلة، رائحة سفن قادمة من الشرق البعيد محملة بالطيب تلمع عليها أسنة سيوف عربية».
دفعها الضباب إلى البحث عن المسرح، وتسليط الضوء على حياة الشعب التي لا يحجبها ضباب، والمتذوق لا يذهب إلى مدينة إلا ويبحث عن مسارحها «لأن المسرح يلخص المناخ الفكري والثقافي للبلد» والمسرح مرآة البلد.
مسرح بغداد درجت تسميته بمسرح ( العاني) نسبة إلى يوسف العاني وهو فنان مثقف ومبدع يمتلك حضوراً كبيراً في المسرح العراقي وله نظرياته الخاصة وتشترك معه في العطاء الممثلة ناهدة الرماح إضافة إلى قاسم محمد وسامي عبد الحميد، وبرنامج تلك الليلة وجود ثلاثة أعمال مسرحية وقد أعجبت الأيقونة بذلك، وكذلك أطلعت على مسرح الأطفال من خلال تجربة قاسم محمد. هؤلاء الفنانون الشباب يعملون على نبش القضايا الفلكلورية لإعادة طرحها بشكل ينسجم مع الحداثة. كل فنان يتحدث للأيقونة عن المسرح بطريقته يتنقلون بين أروقة مسرح عمره 7000 عام مسرح بدء الخليقة «حركة المسرح تقوم على أكتاف مجموعة من الشبان تتعاون والعاني على خلق مسرح عربي أصيل». وبعد أكثر من أربعين عاماً على رحلة الإبداع غابت تلك الأكتاف لكن خلدت أعمالهم، وحصد المسرح ثمار هذه المسيرة الفنية وصارت لهم مدارس في المسرح والدراما التلفزيونية.
بعد مرور عامين على رحلة الإبداع، قدمت إلى بغداد الشابة الرائعة فيروز وأبدعت في أجمل أغنية صاغها الاخوين الرحباني وفي مطلعها .. بغداد والشعراء والصور/ ذهب الزمان وضوعه العطر/ يا ألف ليلة يا مكملة الأعراس/ يغسل وجهك القمر/ بغداد هل مجد ورائعة / ما كان منك إليهما سفر/ أيام أنتِ الفتح ملعبة / أنى يحط جناحه المطر/ أنا جئت من لبنان/ من وطن إن لاعبته الريح تنكسر.
أتخيل أن فيروز قد قرأت في إحدى مقالات غادة السمان مقترحاً لتغيير اسم بغداد إلى ( مدينة ما بعد ألف ليلة وليلة ). من يزور بغداد تستقبله هذه الأغنية المتلازمة مع أشراقة كل صباح. لماذا؟ لم يختزل الزمن الجميل عقارب ساعته لسنتين كي تستمع الأيقونة غادة السمان لهذه الأغنية الخالدة وهي تشرب فنجان قهوتها، ربما سمعت غادة هذه الأغنية في لندن أو جنيف أو باريس أو أي من مدن الغربة، ورسمت ذكرياتها بحروف الأغنية وصوت الكبيرة فيروز لتكتمل الثلاثية الافتراضية.

بين النهرين وشيخ المصورين

في الطريق إلى مدن الفرات يستقبلها النهر الخالد بأمواج الحياة، وتصف سحر الطبيعة وعبق التأريخ «النخيل والخضرة بين بغداد وكربلاء .. والمطر يغسل كل شيء كمن ينفض غبار الزمن عن كتاب تاريخي عريق، والضباب يلف البادية والخضرة بشفافية مؤثرة فيبدو كل شيء مسحوراً مثل حلم داخل الكرة البلورية لساحرة تستحضر الماضي العظيم». ها هي القباب الذهبية في مقر ( قمر بني هاشم ) ومنها إلى الكوفة عاصمة الخلافة الإسلامية ثم إلى النجف المدينة العريقة لتصادف حانوتا لمصور شعبي خطت عبارة على بابه العتيق. «الحياة فقاعة فصورها قبل أن تنفجر». وقد ذكرت هذا المصور مؤخراً في إحدى مقالاتها قائله «لو كان ذلك المصور الشعبي في دكان صغير مغبر في النجف يدري أن العبارة التي سطرها في واجهة حانوته ستكون مدخلاً للتواصل بين الشعوب ولتعليم اللغة العربية لبلدان تجهلها كيف كانت ردة فعله ستتجلى؟ بتواضع بالتأكيد..» وكذك قالت «اعتقال لحظة هاربة هو في جوهره استيحاء من عبارة المصور الشعبي في النجف… الذي لا أعرفه ولا أدري ما إذا كان حياً أم أن فقاعته انطفأت». إنه السيد نوري الفلوجي شيخ المصورين في مدن الفرات الأوسط وقد انطفأت فقاعته في العام 1991 تاركاً وراءه أرشيفاً فنياً كبيراً. غداً موعد رحلتها إلى بيروت. لكن لماذا؟ انعقدت الغيوم في سماء بغداد عنيدة… لا تمطر ولا ترحل!
بغداد

غادة السَمّان: بغداد ما بعد ألف ليلة وليلة

نجم الدراجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية