إسطنبول ـ «القدس العربي»: أجمع مراقبون ومحللون سياسيون على أن قمة سوتشي التي عقدها زعماء روسيا وتركيا وإيران الأربعاء الماضي في روسيا ستشكل نقطة تحول هامة في مسار الأزمة السورية المتواصلة منذ أكثر من 6 سنوات والتي تحاول الدول الثلاث إنهائها بعد أن أنهكت الحرب جميع الأطراف.
وعقب القمة التي شهدت توافقاً على عقد مؤتمر للسلام السوري يجمع النظام والمعارضة في سوتشي، بدأت تظهر مؤشرات على تقارب تركي محتمل مع النظام السوري وربما التسليم مستقبلاً ببقاء رئيسه بشار الأسد في الفترة الانتقالية بالحكم، وسط خلافات مستقبلية متوقعة بين المعارضة السورية وأنقرة الداعم الأكبر لها وخلافات أخرى قد تتصاعد بين أنقرة وموسكو على خلفية اشراك ممثلي الوحدات الكردية في سوريا في المؤتمر المتوقع في سوتشي الروسية.
بيد أن الارتداد الأهم حتى الآن لقمة سوتشي تمثل في اتصال هاتفي مفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان ومحاولة «استرضاءه» من خلال التعهد بوقف إمداد وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا بالأسلحة والتأكيد على عمق «الشراكة الإستراتيجية» بين الولايات المتحدة وتركيا التي تبتعد أكثر فأكثر عن واشنطن وحلف الناتو باتجاه روسيا.
تركيا ومصير الأسد
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وفي تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام تركية خلال عودته من سوتشي لأنقرة، نفى أن تكون هناك أي اتصالات مع النظام السوري «في الوقت الحالي»، لكنه قدم إشارات غير مسبوقة لإمكانية تغير الموقف التركي وفتح قنوات اتصال مع النظام الذي طالبت بإسقاطه منذ بداية الثورة السورية.
وفي رده على سؤال حول إمكانية إجراء اتصالات أو إقامة تعاون مع الأسد، قال أردوغان: «الأبواب السياسية دائماً مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة»، في أبرز إشارة إلى إمكانية تغير موقف أنقرة التي عززت تعاونها مع روسيا وإيران حلفاء الأسد في مسعى لوقف الحرب في سوريا بصيغة تضمن إحباط مساعي الوحدات الكردية لإقامة كيان مستقل في شمالي سوريا، وهو ما ألمح إليه أردوغان بالقول: «إن الأسد ينظر باستياء إلى وحدات حماية الشعب الكردية ولا يريدها أيضاً أن تجلس على طاولة المفاوضات».
تصريحات أردوغان سبقتها بيوم واحد تصريحات مشابهة للناطق باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم ماهر أونال قال خلالها «من السابق لأوانه تحديد ما إذا كان الأسد سيكون جزءا من المرحلة الانتقالية» التي يفترض أن تمهد لإنهاء الحرب في سوريا، مشددا على ضرورة ألا يكون له مستقبل سياسي على المدى الطويل.
تحرك أمريكي مفاجئ
وفي اتصال هاتفي لم معلن عنه سابقاً، بادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاتصال بأردوغان، الجمعة، جرى خلاله حسب بيان الرئاسة التركية استعراض نتائج مباحثات سوتشي والتعاون الأمريكي التركي في الحرب على الإرهاب وتحسين العلاقات الثنائية بين البلدين، فيما قال ترامب قبيل الاتصال عبر تويتر إنه سيبحث «سبل إنهاء الفوضى وإعادة السلام للمنطقة».
لكن الأبرز في هذه المكالمة التي وصفتها أردوغان بـ»البناءة» التعهد المفاجئ للإدارة الأمريكية لتركيا أنها لن ترسل مستقبلاً أي أسلحة لوحدات حماية الشعب الكردية في شمالي سوريا، وهو ما عارضته أنقرة على الدوام وتسبب في خلافات بين البلدين.
وبينما كان البيض أقل وضوحا بالقول إن «ترامب سيراجع سياسات تسليح الوحدات الكردية في شمالي سوريا»، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن ترامب تعهد مرتين وبشكل واضح بوقف تسليح التنظيم، مضيفاً: «ترامب قال إنه أصدر تعليمات واضحة لمؤسسات بلاده بعدم إرسال شحنات إضافية من الأسلحة لتنظيم (ب ي د)».
لكن «تطمينات ترامب» لأردوغان جاءت بعد يوم واحد من كشف صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن نية إدارة ترامب إنشاء إدارة محلية بالمناطق الكردية شمالي سوريا، وبعد يوم واحد من إعلان مسؤولين أمريكيين، السبت، أن العدد الحقيقي للقوات الأمريكية في شمالي سوريا يتجاوز الألفين وهو ما يثير مخاوف أنقرة من نية الإدارة الأمريكية مواصلة دعم الوحدات الكردية في مسعاها لإقامة كيان منفصل شمالي سوريا.
وشكك سياسيون ومحللون أتراك في جدوى القرار الأمريكي سيما وأنه يأتي عقب قرب انتهاء الحرب على تنظيم «الدولة» في سوريا وبعد أن باتت الوحدات الكردية تمتلك فعلياً جيشاً معززاً بأسلحة متطورة، حيث اتهمت أنقرة بالسابق واشنطن بتقديم ما مجمله أكثر من 4 آلاف شاحنة أسلحة لهذه الوحدات.
مؤتمر الحوار السوري
ومن أبرز العقبات المتوقعة خلال الفترة المقبلة، احتمال رفض المعارضة السورية المشاركة في مؤتمر سوتشي الذي توافقت عليه تركيا مع روسيا وإيران، مناقشة مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، في حين تسعى أنقرة التي تعتبر أبرز داعمي المعارضة السورية وتستضيفها على أراضيها إلى إنجاح المؤتمر.
والمعارضة السورية التي باتت مقربة من السعودية بشكل أكبر لكنها لا تستطيع التخلي عن تركيا المجاورة للأراضي السورية وتستضيفها على أراضيها أكد رئيس هيئتها التفاوضية الموحدة الجديد نصر الحريري أن تركيزها ينصب حالياً على محادثات جنيف التي تنطلق بعد أيام برعاية الأمم المتحدة.
واعتبر الحريري أن «اقتراح روسيا عقد مؤتمر للحكومة والمعارضة السورية في سوتشي لا يخدم العملية السياسية»، داعياً المجتمع الدولي وروسيا إلى أن «نركز كل أعمالنا من أجل خدمة العملية السياسية وفقا للمرجعية الدولية في جنيف برعاية الأمم المتحدة حتى نختصر الوقت وحتى نصل للحل المنشود»، وأكدت المعارضة مجدداً خلال مؤتمر الرياض أنها ما زالت تتمسك بـ «لا دور للأسد في الفترة الانتقالية».
خلافات متوقعة
وعلى الجانب الآخر، وفي حال قبول المعارضة السورية حضور مؤتمر «السلام السوري» في سوتشي، يتوقع أن تبرز خلافات أكبر بين أنقرة وموسكو حول مشاركة ممثلي الوحدات الكردية في المؤتمر، حيث شدد أردوغان في ختام القمة على أنه «لا يتوقع أحد أن تجلس بلاده إلى جانب الإرهابيين»، مضيفاً: «لا يمكن أن نعتبر عصابة إرهابية أياديها ملطخة بالدماء طرفاً شرعياً».
وقال جاويش أوغلو: «تركيا عارضت مشاركة (ب ي د) في مؤتمر الحوار السوري في مدينة سوتشي الروسية، وهو ما عارضته إيران أيضا»، مشدداً على ضرورة «عدم مشاركة المنظمات الإرهابية في مؤتمرات الحوارات السورية، وعلى وجه الخصوص تلك التي لا تحترم وحدة التراب الإقليمي السوري».
لكن المتحدث باسم الرئاسة الروسية «الكرملين» ديمتري بيسكوف، وعلى الرغم من قوله إن موسكو تعلن أن «شركاءنا الأتراك لديهم تحفظات حيال موضوع بعض القوى التي يعتبرون أنها تشكل تهديدا لأمنهم»، شدد على أن «هذا لا يعني أن العمل لن يجري. يقوم خبراؤنا بعمل مكثف لكي يقرروا ويتفقوا على لوائح (المشاركين)».
إسماعيل جمال