كانت 20 (شباط) فبراير حدثا مهما في تاريخ المغرب الحديث، وكانت استجابة الملك للمطالب السياسية للحركة تمثيلا لما اعتبر استثناء مغربيا. لكن هذا الاستثناء المغربي ضارب بجذوره في تاريخ النضال الوطني ـ الديمقراطي. بل إنه ممتد في تاريخ ما قبل الاستعمار الذي استولى فيه العثمانيون على العالم العربي، باستثناء المغرب الذي وقف في وجه توسعهم، ولذلك ظلت الدولة المغربية قائمة.
يتأكد هذا الاستثناء مع الحركة الوطنية، وما سبقها من حركات تحريرية في الجنوب مع ماء العينين الذي جاء من الصحراء، وانتهى به المطاف إلى مراكش، وحركة موحا وحمو الزياني في الأطلس المتوسط، وحركة عبد الكريم الخطابي في الريف. تشكلت الأحزاب إبان الاستعمار وسيستمر بعضها إلى الاستقلال. ورغم الصراع غير المتكافئ بينها والدولة فإنها ظلت قائمة، وتطورت في أواسط السبعينيات، وقدمت شهداء ومعتقلين ومنفيين. ولم تفتر وتيرة النضال الوطني والديمقراطي التي كانت تشارك فيها النقابات والجمعيات إلا مع حكومة التناوب التوافقي. لكن حركات المعطلين والمطالب السياسية والاجتماعية لم تتوقف أبدا إلى أن وقع الربيع العربي، فكانت حركة 20 فبراير، وجاء بعدها حراك الريف.
يبدو الاستثناء المغربي في موقف الدولة والمجتمع السياسي معا. فالمجتمع السياسي ظل يفرض وجوده حتى في أقسى مراحل القمع (سنوات الرصاص)، والدولة كانت تستجيب للشارع المغربي، وتتيح مساحة للهامش الديمقراطي الذي تميز به المغرب بالمقارنة مع الدول العسكرتارية أو المخابراتية، أو ذات الحزب الوحيد. وما استجابة محمد السادس لمطالب الربيع المغربي، وحراك الريف بربط المسؤولية بالمحاسبة سوى تعبير عن هذا الاستثناء على المستوى العربي، والذي يريده المغاربة قاعدة تتحقق فيها كل مطالب الشعب المغربي، وتتطور فيه الإدارة، ويوضع حد للفساد في مختلف صوره وأشكاله.
صار المغرب أنموذجا تحتذي خطواته بعض الدول العربية، وعلى رأسها الجزائر. فكلما أطلق المغرب مبادرة تحسب له، حتى تعمل الجزائر على اقتفاء أثره في اليوم التالي: السباق على التسلح، ترسيم الأمازيغية، بناء مسجد الحسن الثاني، بناء «مسجد الجزائر الأعظم، وما إن سمع إطلاق القمر الصناعي محمد السادس، حتى جاء الحديث عن «الكوم سات 1» الجزائري. إن المنافسة الشريفة مقبولة، ولكنها لا تصبح ذات دلالة إلا حين تكون استجابة للمطالب الشعبية، وليس من باب الكيد. أما التنافس الذي نشهده على المستوى العربي، وخاصة في دول الخليج، فلا يمكن أن يؤدي إلا التفرقة وشق الصفوف، وخوض الصراعات التي لا يمكن أن يستفيد منها سوى أعداء الأمة العربية الإسلامية.
ألم يحن الوقت بعد ليتعلم العرب من كل دروس التاريخ الحديث، الذي لم يحققوا فيه أي تقدم حقيقي على أي مستوى، أي منذ تأسيس الدولة الصهيونية إلى الآن، ويعلموا أنهم جميعا جسد واحد، رغم اختلاف ألوان الأعلام، والمطامح السياسية الخاصة؟ وأن ما يمكن أن يوحدهم أكبر من كل ما يفرق بينهم، وأن كل من يعمل على توسيع الشرخ العربي ـ العربي، من الروس إلى الأمريكان، مرورا بأوروبا، هو المستفيد الوحيد، الأول والأخير، إلى جانب إسرائيل، وأن ليس للعرب سوى الخسران المبين؟ وليس الخبر كالعيان: حروب، تقتيل، مجاعات، هجرات، أوبئة، صراعات طائفية وقبلية، تراجع اقتصاديات دول النفط، أزمات اجتماعية وسياسية، عبودية، انقسامات، خدمة أجندات الأعداء التاريخيين…
أما شعوب الدول العربية فهي مغلوبة على أمرها، وليس لها سوى دعاء الله ليفرج الغمة عن الأمة. وحين ينجح الفريق المغربي والتونسي تعلن هذه الشعوب فرحتها الغامرة سواء داخل القطر أو في المهجر، تماما كما وقع لما حصل كل من نجيب محفوظ، وأحمد الزويل على جائزة نوبل. وفي الوسائط الاجتماعية عبر الجزائريون عن سعادتهم اللامحدودة بتأهل تونس والمغرب، وقبل أسابيع، من ذلك، كان وزير خارجية الجزائر ينعت المغرب وتونس بأغلظ النعوت وأقبحها؟ فعلى ماذا يدل هذا؟ إلى متى تظل شعوب الوطن العربي في واد، وحكامها في برج؟ أليس من العار أنه بقدر ما تعبر هذه الشعوب عن أصالتها وتعبر عن وحدتها، لا يعمل الحكام العرب إلا على قطع حبل العلاقات وتوليد التناقضات المؤدية إلى القطيعة. وحين يقول الشعب: كفى، ترفع في وجهه كافة أصناف الاتهام، بل ويصل الحد إلى التقتيل والتهجير؟
إن تاريخ الشعوب العربية في العصر الحديث هو تاريخ القهر والقمع. وحين تفتح كوة للتعدد السياسي والانفتاح الديمقراطي، إن فتحت، يتم الإجهاز على أي تحول يرمي إلى تحقيق مطالب الشعب العادلة. وإذا كان الربيع العربي حدثا تاريخيا خرج فيه الشباب للتنديد بالفساد، بدأنا نسمع اليوم أحاديث تنم عن اعتراف هؤلاء الحكام أنفسهم بالفساد، ويتخذون تدابير لمواجهته؟ فمن المسؤول إذن عن هذا الفساد؟ وهل يكفي إقصاء شخصيات معينة لوضع حد للفساد الذي تجذر في التربة العربية، ومس كل جوانب الحياة حتى صار قاعدتها وركيزتها البنيوية؟
لقد تطور العالم مع العصر الرقمي، لكن الحاكم العربي، ومعه المجتمع السياسي في حال توفره، ما يزالان أسيري الرؤية التقليدية لتسيير الدولة وتدبير شؤونها. أهو الاستبداد الشرقي؟ هذه الرؤية هي التي تولد كل المشاكل التي يتخبط فيها الوطن العربي، وتحول دون انخراطه في العصر الحديث. إن تهميش المجتمع السياسي، وتهجين المجتمع الثقافي، بل والعمل على إلغاء هذين المجتمعين معا هو ما يؤدي إلى بروز ظواهر مثل التطرف الديني، وكل أنواع العنف المذهبي والعرقي، وإلى تفشي كل الأمراض الاجتماعية، واستفحال مظاهر الفساد الإداري والمالي. وبكلمة: إدامة إنتاج التخلف والتأخر. وحين تبرز آثار تلك السياسات الخرقاء نلقي باللائمة على الآخر، أيا كانت التسمية، ونتهمه بالتآمر على وحدة الوطن. فإلى متى نظل نعيش بعيدا عن روح العصر، وعن الانخراط الإيجابي في قضاياه التي تمس البشرية جمعاء؟
إن الاستثناء المغربي، وهو يتجلى في التسليم بوجود واقع لم يبق ما يبرر استمراره، رهين بتحديد الأولويات التي تنخر الجسم الاجتماعي والسياسي والثقافي والعمل على مواجهتها بالعقلانية والصرامة والشفافية. ولا يمكن أن يتأتى ذلك، على مستوى الدولة، إلا باعتماد استراتيجية محددة لربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل دائم، ومتواصل، وأن يكون ما جرى في الريف مقدمة للمتابعة والحكامة المستمرة، وليس استثناء فرضه شرط خاص. كما أن على المجتمع السياسي أن يتحمل مسؤوليته في تخليق الحياة السياسية والمدنية، بأن لا يبقى همه الأساس هو الحصول على المقاعد. لقد أبانت التجربة السياسية والنقابية المغربية منذ أواخر التسعينيات إلى الآن أن النهج المتبع انتهى إلى الطريق المسدود.
لقد هُمش المثقفون، وساهمت العزلة التي طوقوا بها أنفسهم في استشراء قيم الانتهازية والرداءة، وآن لهم استعادة مكانتهم في المجتمع، عن طريق الانخراط الإيجابي في إشاعة ثقافة النقد الإيجابي، وتجاوز الحساسيات المثقفية. كما أن على رجال التعليم والإعلام أن يسهموا بدورهم في تطوير إمكاناتهم وأدائهم التربوي والصحافي والارتقاء به إلى المستوى الذي يسهم في التقدم، وليس في تحصيل مكاسب خاصة.
يمكن اعتبار «الاستثناء المغربي» منطلقا لتجديد التصورات وتطويرها لتقديم أنموذج تعلو فيه مصلحة المواطن والوطن على أي مصلحة أخرى. إنها مسؤولية تفرض نفسها على الجميع لتأسيس قاعدة جديدة للتعايش وتحقيق التقدم، وإلا فهو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة القديمة.
كاتب مغربي
سعيد يقطين