«امرأة للفصول الخمسة» للروائية ليلى الأطرش: نواتج الاقتلاع وأدب الصدمة في الخطاب الروائي الفلسطيني

حجم الخط
0

■ تمثل رواية «امرأة للفصول الخمسة» 1990 لليلى الأطرش نهجاً تأسيساً لفهم تحولات ما بعد أوسلو، أو التبشير بها، كون هذه الرواية قد نشرت قبيل توقيع الاتفاقية؛ ولهذا فهي تقع في مساحة من تأمل التبدل في تصور الاقتلاع، ونواتج النضال، وتمظهره، ما يشي بتبرير أنساق خطابية، فأفول مرحلة، والبدء في مرحلة جديدة يتطلب وعياً جديداً حول الصراع القائم على الأرض والتاريخ،
ومع ذلك، فإن توصيف متتاليات الاقتلاع، والنفي والشتات بدا مطعماً بنبرة انتقادية واضحة، وهذا يعود إلى ما تنتهجه هذه الرواية من موقف واضح؛ إذ تتبدى فلسطين بوصفها حالة حاضرة في الشتات، إلا إنه شتات النفس عن فكرتها، ومنهجها، وإحساسها. إنه شتات يبدو أقرب ما يكون إلى نموذج معنوي قبل أن يكون مادياً. إنها محاكمة يضطلع بها النص عبر شخوصه التي تتقاسم واقعاً مشتركاً. هذه الذوات التي تقع على حدود فلسطين تحاول أن تقاوم الشتات والنفي والإبعاد، ولكنها في أوطان الآخرين تكتسب أيضاً مفاهيم جديدة، بل إنها تتحول إلى نماذج إنسانية أخرى، وهنا يتحول الاقتلاع والنضال إلى عاملين مركزيين في تكوين شخصية الفلسطيني، فالخروج إلى أوطان بديلة، يعني أن هنالك نسقاً من المواجهة مع هذا القدر، وانبعاث تساؤلات وجودية، كما البحث عن مبررات، أو مسوغات، ومحاولات للفهم، واستغلال التجربة، أو محاولة الخروج من المأزق، وهذا يتحدد أيضاً بمقدار السيطرة على الحياة بمفهومها الدنيوي، بالتوازي مع عدم التضحية بالمبادئ، فالاقتلاع يتطلب نسقاً معيناً لمواجهة الصدمة التي تتمثل بفعل الاقتلاع والتطويح بالكائن في حدود الآخر، أو في حدود المجهول، ما يفسر في بعض الأحيان المسلك الذاتي لشخصيات العمل في فهمها لتداعيات الشتات، وردة فعلها اتجاهه.
في رواية الأطرش نقع على إدانة لتحولات الحالة الفلسطينية خارج الوطن، بالتوازي مع موقف واضح تجاه هذا المكون الخطابي، ولكن عبر زاوية مغايرة لما يمكن أن نألفه، أو لما ينبغي أن تنطوي عليه هذه الرواية في تشكيلها المقصدي المبدئي، أو لنقل بعبارة أخرى تكوينها الرومانتيكي القائم على تعميق التعالق بين المقتلع ووطنه، فرواية ليلى الأطرش تتخذ من النسق الذي يتأسس على إدانة المكون الفلسطيني بظاهره الإنساني، أو الاعتيادي لتعامله مع الشتات، والقضية الفلسطينية عامة، فالاقتلاع يتحول إلى باعث لتجاوز أزمة الإنسان الفلسطيني في الغريب من المكان، فتبدأ الذات بتشييد عالمها، ولكن بمعزل عن قيمة الوطن، بل تتخذ من الوطن مطية لتمركزها، وبهذا تسقط في الوعي البراغماتي، وفي الطريق تتبدد قيم كثيرة في مسعى الفلسطيني لتحقيق ذاته، وهذا ينتج أو يبرر بفعل الصدمة، التي تدفع إلى تبني أنساق مسلكية جديدة بهدف تجاوز الألم، أو الذل والإهانة، كما سنقرأ في مسالك أخرى لروايات فلسطينية.
تتمركز الرواية في بعدها السردي على شخصية «نادية» بتكوينها الأنثوي الثقافي، أي الذات التي تواجه أزمتها الأنثوية، ولكن في سياق تقاطعها دلالياً مع ثيمات كالوطن، والشتات، والحب، وهذا يتصل بمنظور معماري يرتبط بالتشكيل السردي، فالرواية تحتفي بمسارين: الأول يتحدد بحكاية عائلة فلسطينية تخرج من فلسطين لتقيم في الشتات الأول، أي مدينة دمشق، ولكن هذا الفضاء الواقعي بوصفه عتبة أولى لمظهر الشتات، سرعان ما يتحرك ليحيل الشتات برمته إلى منظومة تواجد الفلسطيني في مكان، أو فضاء، يكنى عنه باسم «برقيس»، والتي تحمل إحالة واضحة لمنطقة الخليج العربي التي تعد وجهة عدد كبير من الفلسطينيين من أبناء الاقتلاع، فالخليج شكل ملاذاً مقبولاً لمواجهة، وتجاوز فقدان الوطن، وبناء منظومة معيشية أو حياتية من حيث القدرة على تحصيل الأموال، والعيش بكرامة، وهذا ما كان مطلباً للفلسطينيين الذين تعرضوا لإذلال الشتات مع فقدانهم لكل شيء. ومع أن الشتات الفلسطيني يقع في سياق التطبيق المعرفي لدراسات الشتات، ضمن نموذج الضحية تبعاً لتنظيرات روبين كوهين، غير إنه يتقاطع أيضاً بشكل قسري مع نموذج العامل، أو النموذج الاقتصادي، كما الجدل القائم على ثنائية الضحية الجلاد (القوة)، ومع ذلك فهو يبقى مرتبطاً بالإحساس العميق بالصدمة، أو ناتجها، أي ذلك العامل الأكثر ثباتاً في تحقيق ملمح الشتات في التكوين الفلسطيني الخطابي.

عنف الشتات

إن عنف الشتات قد أفضى إلى واقع لا سبيل لتجاهله، حيث بات الملايين من الفلسطينيين خارج أرضهم التاريخية، كما أن هنالك مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين اتجهوا إلى منطقة الخليج، فلا غرو أن تُعنى الرواية الفلسطينية عامة بقطاعات كبيرة من هذا المجاميع البشرية التي يممت نحو هذا القطاع الجغرافي، الذي يكنى عنه رمزياً في رواية الأطرش بمدينة «برقيس»، التي تمثل خياراً موفقاً نظراً لوجود بنية اقتصادية جيدة، يمكن أن تساعد الفلسطيني على استرجاع قيم الحياة، بعد أن فقد الإنسان أرضه، وبيته، أو كل شيء، وبذلك، فإن هذا النموذج يشكل حلقة من حلقات المسلك النفسي للشخصية الفلسطينية في الشتات، التي تسعى جاهدة لتحقيق المطلب المعيشي، سواء أكان شتاتها في فلسطين، أو في شتات دول أخرى غير مزدهرة اقتصادياً، كالأردن، ولبنان، وسوريا، وغيرها. في حين أن الخليج يعد شتاتاً آمنا، يمكن أن يسهم بطريقة أو بأخرى في استرجاع نسق معيشي ما، وهنا تتشكل شخصية الفلسطيني ضمن مجموعة من التمثيلات، وتتصل بقدرته على بناء إمبراطوريات مالية، كما التميز أيضاً على المستوى العلمي أو الثقافي.
يمثل الشقيقان جلال وإحسان نموذجين مختلفين، ومع ذلك فكلاهما تجسيد للشخصية الفلسطينية التي تصاغ خارج سياق الوطن، أو بفعل الشتات، أو بعبارة أدق فقدان الوطن، فجلال أحد الشقيقين يعد نموذجاً للإنسان المثقف والوطني والمناضل، فهو أقرب للنموذج المثالي مقابل النموذج البراغماتي أو الواقعي الذي يتمثل بشخصية شقيقه إحسان، الذي يبحث عن ذاته، ولكن عبر تملكه أكبر قدر من المال نتيجة تأثير الصدمة، وضياع كل ما كانت تملكه العائلة. فالشتات يعني أن الوطن لم يعد يشكل قيمة بالنسبة إلى إحسان، فالمال أداة النفي لهذا اللجوء والضياع، فلا عجب أن يسخر من كل قيم معاني الوطن التي يتاجر بها الآخرون، حتى إنه يسخر من زوجته «نادية» لاهتمامها ببعض القيم التي تتناقض ونهجه الواقعي، ما تسبب بشرخ في علاقتهما. تقف نادية حائرة بين رجلين، أو مشتتة بين موقفين، وهنا تتجلى الدلالة الرمزية لطبيعة هذه الحيرة، فنادية أصابها شتات آخر داخلي، فقد أحبت واحداً وتزوجت الآخر، وكلاهما متناقضان في المنهج والأسلوب، ونعني إحسان وجلال، غير أن الأخير اتجه لممارسة دوره النضالي، ولكنه سرعان ما استسلم، وتخلى عن مبادئه الوطنية في نهاية المطاف، لقد هزمه الشتات، وقبل ذلك، تخلى عن الفتاة التي أحبها لصالح أخيه «إحسان» الذي حاول أن يقيم علائق ووسائط مع الشتات بوصفه جسراً للعبور، والثراء المادي.

تملك الذهب

في إشارة واضحة لتحول في نمط التفكير، وما طرأ بفعل النكبة والتهجير ومظهرها «الصدمة»، يقع إحسان على نصيحة والده الذي يشير عليه بتملك الذهب، والتخلي عن العقار، فالأرض والعقار لا يمكن أن يعول عليهما، فلولا الذهب الذي حملته الأم لكانت العائلة قد عانت أشد المعاناة من جراء النكبة، وهنا لا بد أن نتأمل دلالياً في تحقق الرؤية التي تعبر عن الذات الفلسطينية الفاقدة الثقة بالمكان، والأرض، وحتى الإنسان، إذ يتحول ولاء الفلسطيني بعد النكبة إلى المال أو الذهب؛ لأنه الأقدر على تجاوز المعاناة، فهذه العائلة تجنبت الوقوف في طوابير وكالة الغوث نتيجة ما حملته الأم معها من ذهب، فالاقتلاع أحدث تحولاً في المركب النفسي للشخصية الفلسطيني الجمعية، حيث فقد المكان معناه مقابل الذهب الذي تحول إلى أداة فاعلة في مواجهة أي طوارئ، ولاسيما في أماكن باتت تتشابه جميعها بعد أن فقد الوطن، ليتحول المال إلى وطن بديل يعول عليه.
تبدأ أزمة «إحسان» من ذاته، إذ يجد في شخصية زوج أخته فارس نموذجاً للاقتداء من أجل تحقيق الثراء السريع؛ ولذلك كان لا بد من تطوير آليات القدرة على الاستفادة من معطيات الأزمة، كما القدرة على استثمار أرض الشتات «برقيس» أو تلك المنطقة الخليجية البكر، والقابلة لتطبيق كافة النماذج الاستثمارية المبتكرة. وفي إشارة مهمة لمعنى الترابط بين المشتت والمهجر عن وطنه من خلال الصورة الفوتوغرافية، بوصفها فعلاً أو أداة للتذكر والتواصل، ففارس يدرك أهمية التصوير، ورغبة المهاجرين بالتصوير الذي يقرب بين الإنسان ووطنه، أو الأحباء في وطنه، كما إنه يطوي المسافات، لقد أدرك هذه الحاجة، واستثمر تعلق المشتت بأحبائه، وهو مظهر عاطفي يتخلل أزمة المشتت، ولكنه في الرواية يتحول إلى نموذج سلبي مستثمر، كما فعل «فارس» الذي أدرك وحده أن الغريب ينزع إلى مقاومة غربته عبر مد جذوره المقتلعة مع الأصول، حيث الأهل والمعارف والأوطان عبر صور ورسائل، وبذلك فقد تحول الوعي بالاقتلاع إلى استراتيجية دفاعية، حيث تتلاشى المنظورات الرومانتيكية ليبرز منظور واقعي بالاتكاء على أن الحاجة، واستثمار المتوفر باتا أجدر، وبما أن الوطن قد غُيب، فإن المال محاولة للتعويض، كما إنه السبيل الأمثل للبقاء والوجود.
في رواية «امرأة للفصول الخمسة « نقع على ما يميز إشكالية الشتات من سلوك خلال الأزمة، فالفلسطيني يعاني من أزمة في ما يرتبط بالمكان الذي يطرأ فيه، فلا عجب أن توصف «برقيس» بالصحراء، والفراغ، والعالم السلبي، ومع ذلك فإنها تعني من جهة اخرى مصدراً للحياة والرزق. وهكذا نجد أن «إحسان» أدرك أن «برقيس» عالم بكر، ولهذا تتخذ علاقته بالمنطقة الخليجية (المرمزة دلالياً) فعل استغلال، ومحاولة للإثراء، ولكنه يدرك أنه يقع في خانة الطارئ والغريب، ولهذا تشوب علاقته مع «طويل العمر» طابعاً معقداً، كونها علاقة مبنية على استغلال مشترك، ومتبادل، أي علاقة مصالح، فكلاهما يسعى لاستثمار المأساة الفلسطينية بكافة معطياتها عبر المتاجرة في السلاح، فإحسان من أهم الوسطاء في هذا الموضوع، حيث يستفيد من علاقة شقيقه مع الثورة بهدف عقد صفقات والحصول على عمولة محددة.
لا شك في أن هيمنة فلسفة القوة على الذهنية الفلسطينية نتيجة الشتات، يبدو هاجساً كما إدانة ينتهجها بعض الروائيين في غير عمل، ولكن إذا ما نظرنا بعمق، فسنجد أن هذا السلوك نتج بفعل عوامل نفسية، فالفلسطيني فقد كل ما يملك، ولهذا لم يعد يثق إلا بقدرته على الحصول على المال لمقاومة المستقبل، وفقدان الوطن، ولاسيما في ظل عدم وجود شيء، يرتكز عليه. ففي «برقيس» يقاوم إحسان ماضيه الذي نتج بفعل التهجير، فوالده موظف بسيط، في حين ما زال يذكر الوجبات اليومية من العدس. ثمة مقاومة الوضع الذي نتج بفعل الحلول بالغريب من المكان، للفقر لمعنى أن تكون بلا وطن، ولهذا يلجأ إحسان لأن يقيم نموذجاً من الذكاء الاجتماعي لاستثمار وجوده في الأوطان المستضيفة.

هيمنة فلسفة القوة

وفي مستوى فعل النقد للثورة ومآلاتها، نقرأ إدانة لأفعال المتاجرة بها، وهذا إشارة إلى ما تم اقتطاعه من رواتب الفلسطينيين في الخليج لصالح الثورة. إذن يبقى الفلسطيني حاملاً لإشكالية حضوره في أرض الغير، غير أن هنالك نقداً واضحاً لتكوين الهوية الفلسطينية ومدى التزامها بمواصفات معينة، فليلى الأطرش ما زالت تنظر إلى الهوية الفلسطينية في الخارج على أنها نسق ينبغي أن يبقى في إطار ولون واحد، مقاومة المنفى ورفض قيم الاندماج، والحرص على تشكيل هوية مقاومة، لا تعترف إلا بفلسطينيتها ومعاناتها وإدانة كافة أنساق استغلال الثورة، وخطاب التحرير من قبل بعض البورجوازيات المتشكلة في الشتات. إن حضور الفلسطيني يتأسس على حلم تبدل نموذج الفلسطيني المشتت الطريد في المخيم إلى الفلسطيني المتمتع بمستوى رفاهي ومادي معين.
وهذا يشكل نموذجاً لإدانة تعاطي الفلسطيني مع واقعه، إنها محاولة لنزع الهوية الثورية نحو هوية اقتصادية دنيوية، وهو ما تنذر به هذه الرواية من تقويض أنساق التحولات الموسمية ونقدها، وهذا يشمل انهيار النموذج المثالي الشقيق الآخر جلال الذي تورط هو الآخر بصفقات الأسلحة. وهكذا بات الفلسطيني بنموذجيه المثالي والانتهازي متورطين في محاولة الإثراء من القضية، ولكن هذا لا يعني شيئاً في موازاة الاستفادة من معطيات هذا الواقع، فالتذلل دائماً ما يصحب العلاقة مع أصحاب الأرض، حيث تستمر صفقات إحسان المشبوهة الذي سرعان ما ينهار على المستوى القيمي، إذ يتعرف على فتاة من باريس، في حين تبقى زوجته نادية حاضرة بوصفها شاهدة على تحولات الواقع الفلسطيني، ففي حوار بين ناديه وجلال نلمح تهاوي الثاني بوصفه نموذجا مثاليا، حيث تكتشف نادية علاقته بالصفقات. إنه تمثيل لفعل السقوط الذي طال البعض نتيجة الصدمة.

٭ كاتب فلسطيني ـ أردني

«امرأة للفصول الخمسة» للروائية ليلى الأطرش: نواتج الاقتلاع وأدب الصدمة في الخطاب الروائي الفلسطيني

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية