‘رغم أن ما من شيء إلا وقد قيل من قبل، ولكن لا بد من تكرار ما قيل لأن لا أحد يصغي’ أندريه جيد هل ينطبق معيار أي ثورة قامت في العالم على الربيع العربي؟ ‘شأن الشعوب واحد في الثورات كلها، فهي لا تدرك مغزاها ولا تتدبر أمرها سريعا.. أما مبادئ الثورة فلا تدخل في قلب الشعب إلا بالتدريج.. إن الثورة مهما كان مصدرها لا تصبح ذات نتائج إلا بعد هبوطها إلى روح الجماعة.. فالثورات الكبيرة هي ثورات الطبائع والأفكار، وفي الغالب تتم الثورات الحقيقية التي يتوقف عليها مصير الأمم بالتدريج، ولذلك نرى كلمة التطور أصح في التعبير عن المقصود من كلمة الثورة، ولذلك يتعذر على الأمة أن تختار نظمها الحاكمة قبل أن تغير روحها أولا’. هذا ما يقوله الكاتب الفرنسي جوستاف لوبون، الذي يستشهد به الكاتب المصري بلال فضل في مقال كتبه منذ عدة أشهر في جريدة ‘الشروق’ المصرية الذي ألقى فيه الضوء على كتاب رائع عن الثورة الفرنسية بعنوان ‘روح الثورات’ لعالم الاجتماع الفرنسي جوستاف لوبون. يقارن بلال فضل في مقاله بين ما كتبه لوبون عن الثورة الفرنسية والأحداث التي رافقتها، وموقف ومشاعر الناس تجاهها، وبين ما يحدث الآن في مصر والعالم العربي فيقول بالنص: ‘إلى كل من يعتقد ان الربيع العربي وثوراته التي انفجرت في البلاد العربية قد انحرفت أو انتهت أو ماتت، أقول لهم عودوا إلى الدراسات عن الثورات العالمية، وعلى رأسها منارة الثورات في الدنيا، الثورة الفرنسية، فستجدون أنّ ثوراتنا لا تشذّ عنها. تُجمع كل الدراسات على ان الثورات لا تغير الشعوب بلحظة خاطفة، ومن المفهوم أن يشعر الناس بأحاسيس متناقضة في البداية، ثم تصبح سلبية بعد تصاعد أعمال العنف والتخريب، ولكن قراءة التاريخ تُرينا أن كل ما يحدث الآن ليس إلا الضريبة التي يجب على الشعوب دفعها من أجل كسر أغلالها لتتقدم وتتطور’. وأنا أقول بأنه كان وما زال متوقعاً وربما طبيعي، ويمكن ان يُفهم، الا يسعد باندلاع الثورة ويلعنها ويقف ضدّها اي شخص ـ موظف حكومي ـ كان يذهب لعمله كي يستريح من ‘هموم البيت’، لأنه ليس هناك ما يقوم به في وظيفته إلا أن يثبت حضوره، أو أي مسؤول في الدولة كان يسرق 90’ من ميزانية وزارته أو دائرته الخ… أو ضابط أمن كان وما زال، في بعض الدول العربية، هو الآمر الناهي في قريته، حيّه ومنطقته الخ. أيضاً هناك الكثير من الناس الذين، ربما، لا يهمهم كثيراً الشأن السياسي، كل لأسبابه، لذلك فهم كانوا غير مهتمين أو معنيين مباشرة بالسجال السياسي، فهم يعيشون حياة عائلية هادئة قانعين، وهذا هو كل ما يريدونه من الحياة. جاءت الثورة فنسفت هذا الحلم وهذا الهدوء، ووجدوا أنفسهم بين مطرقة النظام وسندان المعارضة. بالمقابل كان من الطبيعي أن يتحمس للثورة ويساندها كل من لديه نفس تتوق للحرية، كل من لا يريد أن يسجن في أقبية المخابرات وأمن الدولة. كل من لا يريد أن يؤكل حقه أمام عينيه من قبل أي مسؤول في الدولة أو موظف في الأمن، مهما كان صغيراً. وكل من لا يريد ان يكون تحت رحمة أحد من الناس، بل تحت رحمة الله أو حماية القانون. وأيضاً كل من لا يريد أن يرى بلاده تُسرق أمام عينه ولا يستطيع التفوه بكلمة. وكل من ضاعت أحلامه بسبب فقره أو بسبب ‘الواسطة’ التي لا سبيل إليها. وربما كل عاطل عن العمل وكل حالم بحياة أفضل. ما لا أفهمه حقيقة، كيف ان الإنسان الذي أمضى طيلة حياته متشرداً في دول العالم، يعمل ويكدح ليؤمّن القوت لعياله، ولا يراهم طيلة حياته إلا في الإجازات القليلة التي يحصل عليها، كيف يساند هذا الإنسان نظاماً كنظام الأسد مثلاً؟ لقد أثبتت أحداث الثورة في سورية بأن هناك خللا ما في بُنيتنا كأفراد. من مراقبة الأحداث في سورية وصداها في الوطن العربي نلاحظ أن هناك الكثير من الناس الذين تشوهت نفوسهم وقلوبهم، إما نتيجة التربية الخاطئة أو التعليم الخاطئ أو الاثنين معاً. والأمثلة كثيرة في ما نراه من أحداث. الثورة يجب ألا تحكمها المعايير الدينية، ويجب أن يكون العقل رائدها. وإذا تفحصّنا ما جرى من أحداث في سورية، نلاحظ أن كل الأحداث التي شوهت الثورة كانت أفعالا لأشخاص يتصرفون من منطلق وعلى أساس دينيّ، من اكل لحوم البشر إلى تحطيم التماثيل، وصولاً إلى الإعدامات الميدانية والتكبير، هذا التكبير المُرافق لأحداث القتل من قبل الفريقين القاتل والمقتول، وكل هذا تمثيلا لا حصراً. الثورة لا يجب ولا يمكن أن تقوم على أساس دينيّ، لأن الدين، أي دين هو ضد الثورة أساساً. الثورة هي ثورة للروح التي تنزع إلى الحرية والانعتاق من كل ما يُكبّلها، ثم يأتي دور العقل ليضع الضوابط والقوانين ليضبط إيقاعها وإيقاع طريقة الحياة الجديدة التي ستأتي بها الثورة. وفي هذا الإطار يستشهد بلال فضل بلوبون، الذي يقول كلاما شديد الأهمية أتمنى أن نتوقف عنده طويلا لنفكر ونتأمّل فيه، حيث يقول: ‘الروح الثورية تكون غير خطرة إذا صدرت عن العقل، بدلا من العاطفة أو التدين، فهي تصبح عامل تقدم وارتقاء، فعندما يصير حكم التقاليد والعادة ثقيلا على الحضارة نتخلص منه بفضل أناس من ذوي العقول المستقلة الثورية، كغاليليو ولافوازيه وداروين وباستور، الذين أعانوا على تقدم العلوم والفنون والصناعة في العالم. ويجب أن يكون في كل أمة عدد من هؤلاء الأعاظم الذين لولاهم لظل الإنسان عائشا في الكهوف، وتتطلب الجرأة الثورية التي تظهر ما عند صاحبها من الاكتشافات استقلالا ذهنيا يتخلص به من الأفكار الجارية بين الناس وحصافة يدرك بها ما تحت المتشابهات السطحية من الحقائق’. ومن جهة أُخرى تثبت الدراسات التي أجريت على الفترة والأحداث التي رافقت اندلاع الثورة الفرنسية، بأن البيوت الملكية في أوروبا كانت ترتعد لسماع أخبارها والخوف من امتدادها إلى بلدانها. للوهلة الأولى، يُذهل هذا التطابق في ما حدث آنذاك، مع كل ما يحدث الآن من تشابه. ولكن بعد التفكير قليلاً ترى أن هذا أمر طبيعي فكل ‘شخصية’، طبيعية أو اعتباريّة، تدافع عن مصالحها. والتشابه في الأحداث والأنظمة بين هذه الفترة وتلك، وطبيعة الإنسان التي لا تتغير، تفضي، بالضرورة، إلى هذا التطابق في ردات الفعل. ويكفي ان نتأمل بعضا من ‘الأمثال’ التي كانت قد انتشرت في أوروبا أثناء الثورة الفرنيسة مثل: ‘تأثير القاطرة في مساواة الناس غير تأثير المقصلة’، حتى نستطيع ان نتَخَيّل الإحساس العام الذي كان سائداً في ذلك الوقت والذي، كما يبدو، لا يختلف كثيراً عما هو عليه الآن هنا على الضفة الأخرى من المتوسط، ولكن بعد أكثر من 200 عام. ربما كان كل ما يحدث من مآس هو الضريبة التي يجب ان ندفعها لكي نشفى من اعتلالنا بأمراضنا القديمة، على الرغم من الكلفة الباهظة التي ندفعها، ولكن ربما كان هذا كيُّنا، كالمثل الذي يقول: ‘آخر الدواء الكي’. في داخلي مجموعة من الأشخاص تحمل مشاعر مختلفة لدرجة أنها، أحياناً، على النقيض تماماً. شخص يشعر بالألم والأسى لكل ما يحدث من قتل وتشريد وتدمير لأوطاننا، فيجيبه شخص آخر ويقول وما نفع تلك الأوطان التي تعيش على الكذب وفي الذل؟ وأما الشخص المتفائل الذي فيّ فيشعر بالسعادة لأن هناك ولادة جديدة تلوح في الأفق، ولادة إنسان وولادة وطن. أخيراً أقول إلى كل من كره الربيع العربي: الربيع العربي لن ينقلنا إلى الخلاص والنعيم والفردوس الموعود. الربيع العربي سوف، وبدأ يضعنا في الطريق الصحيح الذي يجب أن نمشي عليه، وهو طريق عمل شاق وطويل جداً. ولكن حتى الآن يكفي الربيع العربي، فضلاً أنه عرّانا كأفراد وكمجتمعات، فقد أزاح هذا الزيف الذي كنا نغرق فيه، فبتنا نرى ما كنا نخفيه ونتجاهله أو نجهله في أحيان كثيرة. سُئل مرة فيلسوف صيني معاصر عن رأيه بالثورة الفرنسيّة فقال: ‘ما زال من المبكر إبداء الرأي والحكم على الثورة الفرنسية ولم يمض عليها أكثر من 200 عام’. خلاصة القول: تمهّلوا بالحكم على الربيع العربي فللتو بدأ، وتحضروا له فربما يستمر لعقود.