لولا عبارة «يتمتعون بحقوق لم يعهدها أحد في التاريخ»… لصدّقنا وفورا ومن دون تردد مضمون التقرير، الذي بثّته «بي بي سي» حول معتقل الأمراء الشهير في الشقيقة السعودية.
ولولا تلك الإيحاءات، التي لا ترد عادة في الإعلام الغربي والبريطاني، لافترضنا أن كاميرا المحطة العريقة كانت حرة تماما، وهي تلتقط مؤشرات «العدالة» في أروقة فندق ريتز الفخم، الذي يتم فيه ابتزاز الأمراء.
في الأحوال كلها، وخوفا من المحظور لن نتدخل في الجانب المتعلق بالعدالة، فتلك مسألة في صلب «القضاء المستقل»، مع أننا نقلب على ظهرنا من الضحك، كلما سمعنا اسطوانة «استقلالية ونزاهة القضاء» في الإذاعات والمحطات العربية تحديدا.
ما علينا.. كاميرا «بي بي سي» دخلت المعتقل، وهذا في حد ذاته إنجاز مهني لا يمكن إنكاره، حتى لو كان المصور يتبع جهاز الاستخبارات الجديد، الذي يقال إن الأمير الشاب محمد بن سلمان أسسه في الظل وعلى الطريقة التركية، تحسبا لانقلاب.
عموما، تقديرنا كالتالي: في عملية اصطياد الكاميرات، التي يمارسها الشقيق السعودي النافذ اليوم بذكاء، فبعد كاميرا لبنانية استضافت الرئيس سعد الحريري في الحوار المتلفز الشهير ولأغراض التضليل وجذب الأضواء، أصبح استقطاب كاميرا غربية مع ميكروفونها خطوة إضافية، لأن مهمة ووظيفة الكاميرا الأولى انتهت بعدما حققت المطلوب، وهو «إنجاز التسويات المالية» مع الكبار الموقوفين في أقل ضجيج، وبعد إشغال الكون بعاصفة استقالة الحريري، الذي تراجع أمام الكاميرات أيضا، بمجرد أن تبادل الأحضان مع الرئيس ميشال عون، وكأن الجنرال يملك «لمسة حنان» خاصة وسريعة الفعالية… وسبحان مغير الأحوال.
عموما؛ الشفافية والمسار القانوني مطلوبان في المشهد السعودي، لكن سؤالنا الصغير، لو أن مواطنًا سعوديًا بسيطًا سرق، فهل سيقيم مدة شهر في فندق «الريتز» الشهير، مع كل الأبهة إياها؟! نعرف الجواب، لأن «اليوتيوب» مليء بتصوير حالات «إقامة الحد» لمن سرق برتقالة أو «شلية غنم»، فعلى حد علمنا جميعا تُقطع الأيدي من خلاف بموجب نظام القصاص السعودي المقر بموجب القانون!
احمل أمك… واتبعني
فانتازيا متلفزة مجددًا في الأردن.. رجل القانون والبرلمان والتشريع محمود الخرابشة، لا تعجبه مداخلة فتاة صغيرة السن حول التحرش الجنسي، فينفعل على الهواء مباشرة ويخاطبها قائلا: «اعطني هُويتك».
صاحبنا هنا يريد الوثوق من أن الفتاة، التي قال لاحقا إنها ترتدي باروكة أردنية أصلا وتحمل رقمًا وطنيًا.
نفهم أن يحصل ذلك من قبل دورية بحث جنائي في الشارع أو نقطة غلق لدورية شرطة تدقق في بطاقات الأحوال المدنية للمارة والعابرين أملا في ضبط مطلوبين للقانون.
في أسوأ الأحوال، يمكن لرجل الأمن بحكم الصلاحية القانونية أن يطلب بطاقة عابرِ سبيلٍ في الشارع للتوثق من شخصيته أو لحمايته، وتعليمات مدراء الأمن العام عندما يتعلق الأمر بالسيارات تقول: إن المواطن لا ينزل من سيارته، بل يقدم أوراقه الثبوتية للشرطي فيدقق فيها ويعيدها لصاحبها.
في الأحوال كلها، أراد الخرابشة وأمام كاميرا «دويتشه فيله» الألمانية ممارسة دور الشرطي.. جزئيًا يحق له ذلك باعتباره أصلا رجل أمن سابقا، لكن قانونيًا ليست من صلاحياته مطالبة أي شخص ببطاقته لأي غرض، وأغلب الظن أن من ترأس لجنة تشريع القانون في البرلمان مرات عدة يعرف ذلك.
هل نتركها لهم؟
نعرف الخرابشة بحكم المهنة والعمل السياسي، وقد شاركته مؤخرا حلقة متلفزة في ضيافة محطة «الأردن اليوم» ناقشت الوضع الاقتصادي الحساس للبلاد.
وتحدثنا في قضايا عدة في كواليس التصوير كان أبرزها رفضه المتحمس لمغادرة أي إنسان صالح قائلاً لي مباشرة وأمام الدكتور رائد قاقيش.. «أنترك هذا الوطن الغالي للفاسدين ونرحل»؟
كانت عبارة وطنية بامتياز، لكن من طالب الخرابشة برحيلهم عن الأردن في آخر ظهور له على الشاشة لا علاقة لهم بالفساد والفاسدين ولا علاقة لهم بالسياسة أصلا.
طالب صديقنا البرلماني أبناء الأردنيات بحمل أمهاتهم والمغادرة إلى البلد الأصلي، ولاحقا أطلق تصريحه العجيب بعدما طالب الفتاة علنا ببطاقة الأحول المدنية عندما قال: إن الأردنيات لا يظهرن على أثير الإذاعات وشاشات محطات التلفزيون.
اقتراح فعّال يدفع الملوخية للاسترخاء، فبدلها يستطيع أبناء الأردنيات اليوم حمل أمهاتهم والتوجه للمطار أو الجسر.
انكار وجود تحرش في الأردن تشجيع للمتحرشين على النفاذ بأفعالهم وما نريد تذكير الخرابشة به هو الرافعة النسائية، التي حملته مرات عدة للبرلمان، حيث صوت المرأة الكثيف، الذي حصل عليه من «نشميات السلط» ومخيم «البقعة» بالقرب من مدينته الأم.
مسحوق داعش
عبر قناة «الجمهورية» وكل شقيقاتها العراقيات، اللواتي ارتدين العمة السوداء، عدنا الأسبوع الماضي للمشهد واللغة نفسيهما، حيث أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي أن قوات الجيش العراقي البطل «سحقت» تنظيم «داعش» دون أن نشاهد بالصورة المتلفزة من دون صوت، أي دليل أو قرينة مقنعة على عملية السحق.
مجددا، يحاول الإعلام العراقي الرسمي إقناعنا أن دولة الخلافة ودواعشها مجرد بخار، والأغرب هو استخدام مفردة السَّحْق، بدلًا من الهزيمة.. وسؤالنا يتكرر: أين تبخر المسحوقون؟!
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين