الرواية والاغتراب

حجم الخط
0

شغلت قضية الاغتراب الإنسان منذ القدم، وتناولها بالبحث والتحليل الكثير من المفكرين والفلاسفة، توقفوا عندها، وبحثوا في أسبابها، وآثارها ونتائجها على شخصية الإنسان وطبيعته.
وقد عكس الأدباء والمثقفون بعدما طالتهم أكف الاغتراب في نتاجاتهم هذا الموضوع، فعبروا عن نقمتهم على المجتمع، وغضبهم من الواقع، وعدم القدرة على التكيف فيه، والتماهي معه، وذلك كله يعود إلى موضوع رئيس وهو الحرية، التي شغلت بالهم، فبحثوا عنها بكل ما لها من تبعات ومزايا، فوجدوا مرارة في الحياة، ونقموا على مجتمع لا يوفر أدنى سبل ووسائل العيش الكريم لأبنائه، ولا يقف عند هذا الحد، بل تزداد المشكلة سوءا في طرده لأبنائه، خاصة في الشرق، الذي تفجرت فيه أحداث كبيرة عصفت بأنظمة، وقُتل من قتل، وشُرّد من شُرّد. تغيرت مفاهيم كثيرة في واقع شعبها، وعلى رأسهم الكتاب الذين انسلخوا إلى كافه دول العالم، وبدأوا بالكتابة عن وطن ضائع، لم يستطع في يوم ما جمع أبنائه تحت مظلته، وحمايتهم، ليصبح الاغتراب دأبهم، وينال منهم، ويدفعهم إلى إنتاج أدب ممزوج بالمرارة، الأسى، اللوعة، الفراق، الحرمان وعدم الاستقرار. وكانت للرواية الحصة الكبرى في ذلك، خاصة في الفترة الأخيرة بعد أن كان الشعر، والشاعر حاملين راية الهجرة والغربة، يعبر عنها كل حين، في ثنايا أبياته وكلماته.
فالروائي اللبناني أمين معلوف، ينقل لنا حالة الاغتراب التي يعيشها على لسان الشخصيات في رواية «التائهون»، التي جاء عنوانها متطابقا مع محتوى النص الروائي في كل واحد منسجم، لا ينفصل فيه ذلك العنوان عن المضمون. فالاغتراب هاجس، وشعور يتملكه أينما ذهب وحلّ، وفي أي مكان كان فيه، إذ يوضح لنا تلك الحالة بوضوح، بقوله: «أما أنا فلطالما تملكني الشعور منذ بلغت الثالثة عشرة، وأينما حللت، بأني ضيف، غالبا ما يستقبلني الآخرون على الرحب والسعة، وأحيانا بالكاد يتقبلونني، ولكن لا أقطن في أي مكان؛ لأن ذلك من حقي، كنت على الدوام مختلفا. غير متأقلم، اسمي، نظرتي، هيئتي، لهجتي، انتماءاتي الحقيقية، أو المفترضة، غريبا كنت على نحو لا براء منه، على تراب الوطن، ولاحقا في أرض المنفى».
فالاغتراب قدر، والمنفى هو منفى داخلي، روحي، مؤلم، يحفل بصنوف العذاب والألم، ولا مكان يمكن اللجوء إليه بحثا عن الخلاص؛ لأن الوحدة هي وحدة نفسية صرفة؛ فهو غريب عن كل شيء، حتى في وطنه، وكل شيء غريب بالنسبة إليه، لا ينتمي إلى مكان، ولا مكان يحتويه، وكل ذلك بسبب التاريخ الذي ما زال يحمل صورته في ذاكرته، وعذاباته أيضا، واعترافه دليل على ذلك، حينما ولّت تلك الأيام، وتركت غضبها وحزنها وحنينها في داخله، «مرت الحرب من هنا، ولم يسلم منها بيت، أو تسلم منها ذكرى، لقد فسد كل شيء، الصداقة والحب والإخلاص وصلات القربى والإيمان، كما الوفاء وكذلك الموت، أجل اليوم حتى الموت نفسه يبدو لي ملطخا مشوها».
ويشير منذ بداية الرواية إلى حرب قضت على آخر خيط يربطه بالوطن، ودفعته من اغتراب إلى اغتراب، ومن هجرة إلى أخرى، ليبقى دائرا في حلقة مفرغة منذ بداية الرواية، وحتى نهايتها، يحلم بيوم يجتمع فيه مع أصدقائه القدامى، الذين ربما بهم سيخرج من عزلته، ويكسر جدار الصمت، ويعيد بعض الأمل إلى قلبه بولادة جديدة، في لقاء جديد مع أصدقاء انتقل كل واحد إلى دولة، مغادرا الوطن إلى غير عودة، لتشتعل المراسلات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مشكلة أملا بالعودة بدون جدوى، ولأنه كما يعترف: «فقدت معالمي، وأخشى دوما أن أجرح مشاعر من أخاطبهم، وإن تعلق الأمر بأصدقاء قدامى، لا أدري إذا كان بوسعي أن أكلمهم بالنبرة نفسها، التي كنت اعتمدها في ما مضى، فالناس لا يبقون على حالهم، كما تعلمين».
فالتشوّه إذا سمة بارزة لكل من طالته يد الغربة، وتركته يتلوى ألما وعذابا من سياطها، تشوّه في الملامح، في العيون، حتى في نبرة الصوت التي بدت مختلفة من وجهة نظره عما مضى، فلقد حولهم الزمن إلى أناس مثيرين للشفقة. وعلى الرغم من أن الوطن مستقر في الصميم، إلا أن العودة إليه غير مرغوبة، وغير واردة على الإطلاق؛ لأنهم جميعا قرروا عدم العودة إليه، على الرغم من أنهم كانوا متابعين لأخباره بين الحين والآخر، على سبيل الرغبة في الاطلاع، واسترجاع الذكريات فقط، أما العودة فهي أمر آخر، غير وارد، وغير ممكن أبدا؛ لأن الوطن خيب أملهم، ولم يكن في يوم ما بوطن لهم يقول: «ماذا تفعل حين يخيب البلد أملك؟ لا يعود بلدك». «بوسع المرء فيه العيش في واحة من اللامبالاة». ماذا يفعل إذن مَن سلبت منه روحه، ومن حكم عليه الوطن بالموت حيا، سيدفعه بالطبع إلى اللامبالاة، والشعور بالكرة نحوه، والبلادة حتى، إن لم يخطئ في قراره بالرحيل؛ لأن الوطن رحل بدوره، وهو الذي تركهم، فلمن يعيشون؟ ولماذا يعيشون.
وهو بهذا يبين الدور والتأثير الكبير للوطن عليه، إلا أنه كلما حاول إيجاد رابط روحي جديد بينه وبين الوطن لا يستطيع، فكلما تذكره ينتابه الشعور بالعزلة، والأسف لما مضى من عمره في أحضانه، لأنه أراد له صورة مشرقة جميلة، وكان الجميع يتهمه في ذلك؛ «لأنه جزء من شرق بائس، مريض، متجاوز للقانون، وملاذ عصابات السطو والنهب والرشوة والخطف وحتى القتل، فهو غير اعتيادي». و»لا شيء فيه يغري بالحياة على أرضه، الكهرباء مقطوعة، الهاتف معطل، لا ماء ساخنة، لا نوم بسبب الانفجارات». فالقلق الدائم يرافقه، ويعيش معه في ذلك الوطن، الذي كأنه أشعل «حربه عليه، وضده شخصيا، غارات عشوائية، مليشيات قتل ونهب، قناصة مختبئون على أسطح البنايات». وهذه الحالة أوجدت أوضاعا مختلفة، ومفاهيم مختلفة أيضا، وخلقت شخصيات لها تسميات غريبة، مثل: «أغنياء الحرب، وجهاء الحرب، سياسيّ الحرب، مشاهير الحرب، لا تكتفي الحروب بالكشف عن أسوأ غرائزنا، بل تصنعها، وتقولبها».
ومن جملة ما صنعته «أنه أصبح عشرات ملايين الأشخاص من اليوم من أصحاب اللحى». و»الذين يحملون السلاح ليسوا سوى زعران الحي، يتخايلون، ويفرضون الخوة، وينهبون، ويهربون».
ويدرك بأنه واقع في حيرة من أمره، وأن حالته تشبه الانتحار تماما حين ينسحب أحد ما من الحياة بدون ترك أي أثر، بسبب ظروف خارجية، أو داخلية، هو نفسه لا يعلمها، إنما يشعر بها، وبحبل الضياع يُلف حول رقبته، يقرر التداوي من البعد بالبعد، يستيقظ «كل صباح ممزقا بين شعورين، الأول هو الشعور بالفرح، والثاني هو الشعور بالحزن، وليست هذه المعاناة إلا نتيجة اغترابه، وقلقه النفسي، الذي أدخله في دائرة الفوضى والألم». فالغربة جعلته في صنوف العبيد، شعور يرافقه دائما، أينما ذهب، وكلما فكر في نفسه؛ لأن «النزاعات أدخلت العالم في مرحلة التقهقر الأخلاقي عوضا عن دخولها مرحلة التقدم».
ويدفعهم الاغتراب إلى التصرف بغرابة؛ لأن المجتمعات الجديدة لم تستطع أن تزيل صورة الوطن المشوهة في أذهانهم، وعقولهم، وأرواحهم، ولم تكن قادرة على إدماجهم؛ بسبب اسمهم ودينهم وهيئتهم ولهجتهم». وهذا كله جعلهم يجتازون عتبة الحياة، من بدايتها إلى نهايتها، في شقاء دائم، باحثين عن الراحة والهدوء، محاولين التخلص من اغترابهم دون جدوى؛ لأنه تحكم بحياتهم، ومصائرهم، وجعلهم يعيشون في فلكه حتى آخر لحظة.

٭ روائي من سوريا

الرواية والاغتراب

عبد المجيد محمد خلف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية