حقوق دولة الاستبداد
د. خالد الطراوليحقوق دولة الاستبداد ان الاستبداد داء اشد وطأة من الوباء، اكثر هولا من الحريق، اعظم تخريبا من السيل، اذل للنفوس من السؤال هكذا تكلم الكواكبي يوما فأوجز واوعي، ولم يعد الحديث عن الاستبداد في حاضرنا غريبا عن ديارنا، فقد تملك ماضينا وسوّد العديد من اطرافه وساهم في نكسة حضارية لم نستطع الي يوم الناس هذا تجاوزها، بل التحق مستبد اليوم بمستبد الأمس وفاقت النسخة الاصل وتجاوز الاحفاد مناقب بعض الاجداد واصبحت دولة الاستبداد جزءا من يومنا وليلنا.لدولة الحق حقوق لمواطنيها وواجبات، جعلت منها اساس عدلها وتحضرها، والعدل اساس العمران واحترام حقوق الرعية نمو سليم للبنيان… وان الله لينصر الدولة العادلة ولو كانت ظالمة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة فكان بناء الحضارات الصالحة والمزدهرة يتأسس علي عدل بين الاقوام واحترام نسبي لحقوق الانسان. ولم تتخلف الحضارة الاسلامية عن هذا القانون ، حيث شهدت ايام عزها محطات مضيئة، سبقها تنظير تأسس علي فهم تحرري للاسلام، فغلبت اقوال الانصاف وممارسات العدل واحترام حقوق الفرد والرعية. ثم انتكست الاعلام تدريجيا، فغزا التوريث منصة الحكم، وتعلق الخوف والتهيب بعقلية الفقيه والعالم، وانسحبت الرعية نحو متاريس الجهل والتقوقع، فغلب الاستبداد ورضيت الرعية بحقوق مسلوبة او مغشوشة، وكانت المراة اول ضحايا دولة الاستبداد ومؤشر السقوط الحضاري بعد سنوات المجد…هل يمكن ان نؤرخ لدولة الحقوق في تاريخنا ولدولة الاستبداد؟ ام ان دولة الحقوق كانت امنية وآمالا عايشت مواطن المشاعر والوجدان ولم يُرَ لها اثر علي الارض؟ لن يخطيء مؤرخ عادل وقارئ منصف لتاريخنا، الا ان يلاحظ ان دولة الحقوق قد شهدها امسنا ولو في زمن قصير وعابر، انسحبت مع انسحاب منظومة القيم التي حملها المقدس القولي والفعلي وهيمنة قراءات التزييف والتركيب والترقيع والترويع… انسحبت الشوري نحو مواقع النصيحة والاخبار والاعلام، فاصبحت مخبرة وليست ملزمة، وخطف المستبد مصطلحات وقيما، والحقها بنسبه، وجمع المتناقضات داخل بناء اصطلاحي واحد وعجيب، لتبرير ممارسات الغصب والهيمنة، فظهر المستبد العادل كرحمة من السماء لاعطاء دولة الاستبداد طلاء مغشوشا، ظاهره فيه النعمة والخلاص، وفي باطنه العذاب والجور والعدم، وسمح للرعية ان تبقي مشدودة الي الخواء تنتظر مهديا بدون عناء.ولقد ابرزت كتب التاريخ رغم ان بعضها كتب تحت انظار الحاشية وبحضور السلطان، هذا الافتراق ثم الطلاق بين تنظير وممارسة عادلة ومنصفة، غلبت علي مشهد سياسي واجتماعي في ما سمي لاحقا بصدر الاسلام، وبين حيف واستعلاء وهضم لحقوق وتعد علي مبادئ وثوابت، مثلت حقوق دولة الاستبداد. ورغم ان السماء لم تكن قاتمة السواد في هذه المرحلة، حيث تظهر من هنا وهناك ومضات وفلتات، عبّرت عنها شخصيات تاريخية مرموقة او وقائع مشهودة، غير ان الاتجاه العام كان يسير نحو مناطق الظل والسقوط.لدولة الاستبداد في تاريخها حقوق، وفي حاضرها حقوق لم تتغير ولم يشبها داء الشيخوخة والهرم، ولم يطلها قانون التطور والتحديث، وظل مستبد اليوم في علاقة ودية وتواصل وفيّ مع مستبد الامس… حتي ان حاكم الاحفاد ظنناه قد تميز في بعض اوصافه عن حاكم الاحفاد، فاكرمنا بمجيئه من غير وراثة وان كانت مناطق الظل والسواد كثيرة في توليته لهذا المنصب، ثم ما لبث ان ثار علي جمهوريته وسلم الحكم لابنائه فاصبحنا رعايا في جمهورية يحكمها ملك! فالتحق سواد اليوم بسواد الامس وتكرم علينا بحقوق دولة الاستبداد.حق الخوف… للمواطن ان يخاف، له ان يهاب الليل اذا اسدل ظلمته، والفجر اذا طرق طارق يفزع الجيران وينغص الاحلام… ورغم ان الفوانيس قد عوّضت الشموع فقد بقينا نهمس في الظلام وننظر في الظلام واطفأنا الشمعة ونسينا الفانوس!حق الخوف مكتوب علي جبيننا كما اعلمنا به حكامنا… والذي خاف نجا هكذا قالت بعض امثالنا وهكذا تشكلت عقلية بعضنا ان لم تكن جلنا! فسارت ثقافة تمشي في الاسواق وتغض الطرف عن انحرافاته وتصحبنا في الشارع فلا نمشي الا علي اطرافه تاركين الوسط لغير اصحابه، حتي لا نميل ميلة واحدة فينتهي الشارع الي جبّ والسوق الي مقبرة… ثقافة الخوف تعايش يومنا وليلنا وتصحبنا الي بيتنا، فترانا نفرغ ذلنا وهواننا علي من هو اتعس حالا منا فترانا خائفين مظلومين خارج الدار مخيفين ظالمين داخله. كان خارج البيت سجنا كبيرا لنا، فجعلنا داخله سجنا ضيقا لامراتنا، فاصبح الخوف ملازما لكل ركن في بيتنا واصبح عقيدة في مجتمعنا. حق ملازمة البيوت للمواطن البقاء في بيـــــته وترك الشارع للصعاليك والمشــــاغبين، ومشاركة الاهل اعباء الدار، ففي دولة الاستــبداد المراة عورة والرجل عورة والمساواة التامة والمطلقة في البقاء داخل الاسوار. الخــــروج عقيدة اظهـــرت افلاسها، والخوارج جماعة مقتها تاريخ الامة وراحت رؤوسهم تتطاير دون ان يثبت لهم قرار… وملك غشوم خير من فتنة تدوم، فلا خروج الا باذن ولا دخول الا باذن، ومن دخل بيته فهو آمن ومن دخل بيت السلطان فهو آمن، ومن تلكأ وتباطأ وتجرأ علي البقاء خارج الاسوار فلا يلومنّ الا نفسه.حق الصمت… والسكوت من ذهب خاصة عند صولة الاستبداد، والساكت علي الحق في معجمه عاقل اخرص عرف طريق السلامة فلم يشذّ عنه، شعاره ابعد عن راسي واضرب فلا يكفي الصمت بل من حق المواطن ان يعين الاستبداد علي الضرب والتمكين…وكم صمت افراد عما يحدث بباب الجيران حتي اذا حلت البأساء ببابهم بقوا يعيشون مأساتهم لوحدهم وقد نسوا انهم اكلوا يوم اكل الثور الابيض. حق الجهل… يمكن للمواطن ان يجهل او يتجاهل ما يدور حوله، من حقه ان لا يفتح راديو ولا تلفاز، يمكنه ان لا يضيع وقته في الابحار علي امواج الانترنت العاتية خاصة اذا كان يسبح ضد التيار، يمكنه ان لا يري الا بعين واحدة، ان لا ينتمي الا الي فرقة واحدة، ان يقرأ صحيفة واحدة ان يعيش ويموت ويحكمه رجل واحد واسرة واحدة بصوت واحد واسواط متعددة…حق التملق…للمــــواطن الوفي حــــق الرشوة والارتشاء، له الحـــق ان ينبطح اذا خير فقدان الاجنحة وصــــعود الجبال ومعانقة السماء، فالارض جعلت مكانا آمـــــنا للزواحف و لا يجب ان ينسي ان الحاجب بالباب ينتظر نصيبه من العطـــــايا والنعم! عليه الانسحاب بهدوء حتي لا يوقظ اهل البيت وتهتز الاركان ويسقط البنيان.ختاماهذا غيض من فيض فحقوق دولة الاستبداد لا تحصي وانما توقفنا عن سردها استحياء من حكامها فقد نهينا ان نمجد ونذكر المحاسن في حضور صاحبه ونحن نعلم ان آذانه كثيرة ويده طويلة حتي لا نقصم ظهره ويتولاه الرياء فيتخلي عن محاسنه وينزعنا هذه الحقوق، فرأفة بحالنا وحياء من حكامنا نتوقف عن هذا السرد ونواصل الانتظار..ہ رئيس اللقاء الاصلاحي الديمقراطي[email protected]