دراما قرار الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر حظيت عندنا بمعان أسطورية، وكأن دولة إسرائيل قامت بسبب القرار الشهير. أما الحقيقة فبعيدة عن ذلك ـ إذ أن الاستقلال نفسه، الاستيطان في البلاد، الحصانة والازدهار، كله جاء فقط بسبب قوتنا ولم يقدم لنا على طبق من الفضة من الخارج. أما القرار نفسه فهو مجرد حلقة وسطى في سلسلة قرارات دُولية، بنيت على أساس تعاظمنا المنهاجي. وهو ليس حتى الاعتراف الأول من الأسرة الدُّولية بحق الشعب اليهودي في بلاد إسرائيل. القرار الأول والأهم اتخذ في سان ريمو في 1920 من عصبة الأمم. هناك تبنوا مبادئ تصريح بلفور وأقيم الانتداب البريطاني الذي استهدف الإمساك بالبلاد وديعة للشعب اليهودي، لإقامة دولة واستيطان مكثف في كل أرجاء بلاد إسرائيل. كما أن هذا القرار نصت عليه المادة 80 من ميثاق الأمم المتحدة.
إلى جانب ذلك، لم ينبع قرار 29 تشرين الثاني من تعبير عن الأخلاق في الأسرة الدُّولية في أعقاب الكارثة. فقد تحقق بسبب جملة من الظروف السياسية الدُّولية والتجاذب بين المصالح السوفييتية والأمريكية، في ظل عدم اكتراث إيجابي من جانب دول أمريكا اللاتينية.
القرار لم يقرر بالطبع حدود الدولة اليهودية أو مكانة الفلسطينيين. فحدود دولة إسرائيل المقدسة قبل 1967 هي إلى هذا الحد أو ذاك خطوط توقف قوات الجيش الإسرائيلي في بداية 1949، التي نصت عليها اتفاقات الهدنة المؤقتة. من درج في الدولة هو ما نجحنا في تحريره بالقوة. حدود مشروع التقسيم هو، للتذكير، أقل بكثير. القدس كلها كان يفترض أن تكون تحت السيطرة الدُّولية. قسم من الجليل والنقب، بما في ذلك بئر السبع، اسدود وعسقلان كانت ستكون تحت السيطرة العربية
إن الحدود التي رسمت في قرار الأمم المتحدة لا تعكس أيضا توافقا حقيقيا بين الطرفين. فالطرف العربي رفض مجرد العملية في الأمم المتحدة ونتائجها.
وعلى نهجه، فعل ذلك بشكل مطلق وإجرامي، استمرارا للرفض والإجرام في ضوء اقتراحات سابقة من الأسرة الدُّولية، بدأ بخطة الكانتونتان وانتهاء بتوصيات لجنة بيل. أما الطرف اليهودي فبمعظمه، وإن كان وافق على قرار الأمم المتحدة، ولكنه لم ير فيه نهاية مطلقة. فقد شكل له أداة تكتيكية فقط لإعادة البلاد كلها إلى حكمنا.
هكذا رأى ذلك دافيد بن غوريون، الذين كانت مواقفه من الموافقة على تقسيم البلاد في تشرين الثاني 1947 مماثلة لما كتبه لابنه قبل عشر سنوات من ذلك، مع نشر تقرير لجنة بيل. فقد كتب ابن غوريون يقول: إن «فرضيتي هي أن الدولة اليهودية الجزئية ليست النهاية بل البداية… وإقامة الدولة وحتى جزئيا هي تعزيز قوة قصوى في هذه الفترة، وهي ستستخدم رافعة شديدة القوة في مساعينا التأريخية لإنقاذ البلاد بكاملها… لا شك عندي أن جيشنا سيكون من الجيوش المميزة في العالم ـ وعندها فإني واثق بأنه لن يمنع عنا الاستيطان في باقي أرجاء البلاد كلها».
مخلصة لهذا الخط عملت الحاضرة اليهودية كي تتسع، توطن، تتعاظم وتقرر حقائق على الأرض، هي وحدها ستقرر وجود الدولة وحدودها. لسبب ما، فإن مواصلي المعسكر السياسي لدافيد بن غوريون بالذات طووا أعلامه وأعلام الحركة الصهيونية كلها بعد حرب الأيام الستة.
ولكن العرب لم يقبلوا بقرارات 29 تشرين الثاني، ويواصلون الخط نفسه حتى اليوم. منذ بداية الاستيطان اليهودي المتجدد في البلاد، لا يوافقون على مجرد وجودنا هنا في أي حدود كانت. وبالذات على هذه الخلفية ساد خط موحد بين كل أجزاء الحركة الصهيونية، يسود حتى اليوم أيضا. هذا الخط يستدعي المواصلة في الطريق التي رسمها دافيد بن غوريون.
معاريف 29/11/2017