خطبة اوباما عبرت عن ضعف رغم فصاحتها

حجم الخط
0

تكمن قوة الخطب الرئاسية على نحو تقليدي في القدرة على التعرف على اتجاهات الجمهور ومزاجه العام (حتى لو كانت ما زالت خفيّة) وترجمتها بطريقة قوية ترتفع الى أعلى، الى خطوط سياسة محددة يمكن أن يُجند حولها دعم واسع.
ويمكن أن نرى تعبيرا واضحا عن هذه القدرة في خطبة الرئيس لندن جونسون التأسيسية في الأمة في 15 آذار/مارس 1965. فقد استوعب جونسون باحساسه السياسي الحاد (الذي تخلى عنه في المستنقع الفيتنامي فقط) أنه قد تهيأ الوقت لفتح صفحة جديدة أكثر مساواة في منظومة العلاقات المعوجة بين الأعراق في امريكا، وقد أتاحت خطبته التي لا تُنسى العرف القيمي والاخلاقي الذي يدعم مبادرة تشريعية متشعبة.
وفي مقابل ذلك لم ينجح باراك اوباما في خطبته للأمة، فجر يوم أمس في أن يعقد جسرا فوق الهاوية بين المزاج العام السائد في الرأي العام، ونواياه المعلنة في الساحة السورية، وكان مشحونا بالتناقض الداخلي وليس عنده أية رسالة ذات تأثير ما.
كان كلامه من جهة مشحونا بروح قتالية لا هوادة فيها وشحذا للسيوف لا يتوقف بسبب جرائم دمشق. وكان واضحا من جهة اخرى للجميع أن احتمال تنفيذ التهديد أصبح ضعيفا قُبيل الخطبة. لأن القصف المدفعي الثقيل من قبل البيت الابيض على مجلس النواب والجمهور، فضلا عن أنه لم يُلين معارضتهما لعمل عسكري (وهكذا أصبح هذا الخيار حلم يقظة)، منح الرئيس في خطبته المخطط الدبلوماسي الذي صدر عن فلاديمير بوتين لتسوية الازمة، منحه دعما.
وعلى هذه الخلفية بدت أقوال اوباما الحازمة جوفاء بصورة خاصة، وكشفت مرة اخرى عن الافلاس المطلق للسياسة الخارجية الامريكية تحت إمرته، لأن الخيار العسكري قد جُمد الآن. ويحدث عندنا انطباع أن البيت الابيض لم ينجح في ردم الهوة بين مكانة الولايات المتحدة المهيمنة (والمسؤولية المشتقة من هذه المكانة بالنسبة لأمن المجتمع الدولي ورفاهه، ولا سيما في مواجهة الفظاعة الكيميائية في دمشق التي وصفها بتفصيل يثير القشعريرة)، وبين طموحه الأساسي الذي عبر عنه في خطبته الى ألا يكون ‘شرطي العالم’.
إن التزامه القاطع في ظاهر الامر أن يعاقب سورية ناقض اذاً توق أكثر الشعب الامريكي الى الانفصال عن ميادين القتال، وعن مراكز الازمات في الساحة الدولية، حيث لا يوجد تهديد مباشر فوري لأمن الولايات المتحدة. ولما كانت الرغبة في حصر العناية في الساحة الداخلية هي بطاقة الزيارة الأصلية لاوباما نفسه، فمن السهل أن نفهم لماذا دُفع في كلامه الى جدل مشحون بالتناقضات لا يوجد منه مخرج واضح ومنطقي.
ونقول تلخيصا إن خطبة الأمة التي حملت صبغة ترديد تعليمي ليس فيه طاقات وحماسة، لن تُسجل اذا بصفة حادثة تأسيسية في كتب التاريخ وستصبح في الأكثر ملاحظة هامشية فيها، عن الفرق الذي لا يُتصور بين الخطابة والواقع. وذلك حينما لا تستطيع حتى فصاحة الكلمات أن تُمكّن مُؤدي الرسالة من الخلاص من الشرك المنطقي الذي دفع إليه نفسه بيديه. ومن هذه الجهة تبدو الخطبة مثل سقسقة جوزل ضعيفة لا مثل صرصرة قتال النسر الامريكي الفخور.

اسرائيل اليوم 12/9/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية