هل هي انعطافة في مكافحة الإرهاب في سيناء؟

حجم الخط
0

لقد كان الهجوم الإرهابي الذي نفذ في مسجد الروضة في بلدة بئر العبد في شمال شبه جزيرة سيناء في 24 تشرين الثاني، من نشطاء لواء سيناء فرع الدولة الإسلامية داعش في مصر وتسبب بموت أكثر من 300 مواطن وإصابة أكثر من 100، هو الهجوم الأكثر فتكا الذي تشهده مصر في تأريخها. ففضلا عن حجم القتل الاستثنائي، كان استثنائيا أيضا في هدفه: نشطاء سنّة سلفيون جهاديون ذبحوا مصلين سنّة، ينتمون إلى المسجد الصوفي. الصدمة والهزة واضحان في مصر منذ العملية ويطرحان السؤال هل ستحدث هذه نقطة انعطاف في السياسة المصرية العامة ضد الإرهاب، أم ربما النظام المصري الذي يميل لأن يرى سيناء ساحة خلفية في الدولة، سيكتفي برد عسكري عادي، أي قصف من الجو، تعزيز رمزي للقوات وإثقال اليد على السكان المحليين المشبوهين بالتعاون مع نشطاء لواء سيناء.
من زاوية نظر التنظيم، يفترض بالعملية القاسية ان تخدم سلسلة أهداف عملياتية وفكرية: أولا؛ استعراض قوة الدولة الإسلامية لفترة تتراجع فيها في العراق وفي سورية وتتحداها جماعات إرهابية منافسة (بالتوازي مع لواء سيناء المتماثلة مع الدولة الإسلامية تعمل في مصر وفي سيناء جماعات تتماثل مع القاعدة والإخوان المسلمين)؛
ثانيا؛ احراج النظام المصري من خلال إظهاره عديم الوسيلة أمام الرأي العام الداخلي والدولي، وتوجيه ضربة أخرى لمساعيه لإنعاش الاقتصاد والسياحة في مصر.
ثالثا؛ تصفية حسابات بين لواء سيناء والسكان المحليين، الذين يتعاونون مع النظام في مكافحته للإرهاب في شمال سيناء، وردع السكان المحليين الآخرين من التعاون مع القاهرة.
رابعا؛ عرقلة التفاهمات التي تحققت في أثناء السنة الأخيرة بين النظام المصري وحماس حول تشديد الرقابة على حدود غزة ـ سيناء وفتح معبر رفح.
وأخيرا؛ المس بمؤمني التيار الصوفي، الذي يعتبره جزءا من منظمات الإرهاب السلفية الجهادية ككفار خرجوا على التفسير الطاهر والصحيح للإسلام السنّي والذين حكمهم الموت.
في أعقاب إطاحة الرئيس حسني مبارك، وبقوة أكبر بعد خلع رجل الإخوان المسلمين محمد مرسي عن الرئاسة، أصبحت شبه جزيرة سيناء مركزا للنشاط الإرهابي الذي تقوم به جماعات سلفية جهادية، وعلى رأسها أنصار بيت المقدس، التي بعد التحاقها بالدولة الإسلامية غيرت اسمها لتصبح «لواء سيناء» وعملت بتنسيق مع الدولة الإسلامية ورعايتها. وأجبر تعاظم العمليات في سيناء النظام المصري على الانطلاق في سلسلة من الحملات العسكرية ضد الإرهاب السلفي الجهادي. ولكن برغم الجهود العسكرية، تواصلت في شبه الجزيرة العديد من العمليات الإرهابية التي أوقعت خسائر فادحة، لا سيما في قوات الشرطة والجيش. وتمت معظم العمليات في شمال سيناء حيث وجهت إليها وإلى معقل الإرهاب في منطقة جبل الحلال جل جهود القوات العسكرية المصرية. وفي الوقت الذي نجحت فيه المعركة المصرية المتعاظمة ضد الإرهاب في سيناء في أن تضرب في أثناء عام 2017 العديد من الإرهابيين وكبار زعمائهم، وقلصت أيضا عدد العمليات، فإن الهجمات التي أخرجت إلى حيز التنفيذ أصبحت مركزة وأكثر فتكا. وبين العمليات التي بلغت عنها السلطات المصرية في السنة الأخيرة كان قتل 9 أفراد من الشرطة في كانون الثاني في العريش و 26 جنديا و 7 مواطنين في منطقة رفح في تموز، وإضافة إلى الهجمة في أيلول غرب العريش، التي تسببت بموت 18 شخصا، بينهم ضباط كبار. وبالتوازي، نفذت في مصر نفسها هجمات إرهابية عديدة الإصابات في داخل المدن: ففي نيسان نفذت الدولة الإسلامية عمليتين انتحاريتين في كنيستين في طنطا والاسكندرية، تسببتا بموت 49 مسيحيا قبطيا وإصابة أكثر من 100 شخص؛ في أيار قتل 29 مسيحيا قبطيا وأصيب 20 آخرون في هجمة للدولة الإسلامية على باص كان في طريقه إلى الصلاة في الكنيسة غرب مينيا، وفي تشرين الأول قتل في كمين ينسب إلى محافل الإرهاب الإسلامي على طريق الواحات في الطريق إلى الجيزة 16 شرطيا وفقا لتقارير السلطات ونحو 50 وفقا للتقارير من جهات أخرى.
والان، بعد أن أضيف نحو 300 قتيل لإحصاء المصابين من الإرهاب يبدو أن على مصر أن تنفذ نفضا للأجهزة عامة في مكافحة الإرهاب بشكل عام، وفي سيناء بشكل خاص. ثمة حاجة عاجلة إلى إعادة تنظيم أجهزة الأمن المصرية، توثيق التنسيق وتعظيم التعاون بين الاستخبارات العسكرية، المسؤولة عن الأعمال في سيناء وباقي محافل الأمن المصرية، إضافة إلى فرز قوات متفوقة خاصة لجبهة سيناء.
المعركة ضد الإرهاب مثلما تعلمت على جلدتها بالطريقة الصعبة الولايات المتحدة في أعقاب هجمة 11 أيلول 2010، فرنسا في أعقاب هجمة عديدة المصابين نفذت في باريس في تشرين الثاني 2015، وحتى إسرائيل، في أعقاب هجمات الانتحاريين إبان الانتفاضة الثانية في أعوام 2001 ـ 2005، تستوجب التنسيق، التعاون الأقصى وإزالة الحواجز البيروقراطية، بين كل أجهزة الأمن. هذا شرط لازب. والعنصر الجوهري الثاني في تحسين النجاعة هو الحصول على معلومات استخبارية نوعية ودقيقة. مثل هذه المعلومات تسمح بالضرب المركز للجهات المخططة، المساعدة والمنفذة للإرهاب، وخلق فصل بين الإرهابيين وعموم السكان. هذا الفصل حيوي من أجل تقليص الدافع للتعاون بين المحيط المدني والإرهابيين وتشجيع السكان المحليين على المساعدة بشكل فاعل للسلطات في الحرب ضد الإرهاب.

إشراك القبائل في المعركة

وبالفعل، فإن مشاركة القبائل في سيناء في المعركة، التي بدأت في الميدان منذ الآن، يجب أن تتسع، إذ أنها كفيلة بأن تحسن حجم ونوع المعلومات الاستخبارية. أما العملية الأخيرة، التي كان معظم ضحاياها من أبناء عشيرة السواركة فتشكل فرصة لربط أبناء هذه العشيرة بقوة أكبر في المعركة ضد لواء سيناء، إلى جانب باقي العشائر. إن التصدي للإرهاب الذي يهاجم المواطنين المصريين جدير بأن يشكل مهمة وطنية مصرية من الدرجة الأولى. ولكن، مثلما صرح الرئيس السيسي في خطاب خاص ألقاه بعد العملية، فإن المعركة ضد الإرهاب في سيناء ليست مشكلة مصر وحدها. فقسم كبير من الإرهابيين، ولا سيما في شمال سيناء، يرون أنفسهم ينتمون إلى الدولة الإسلامية التي تشكل تهديدا دُوليًا. منطقة شمال سيناء هي اليوم واحدة من الجبهات الأكثر اشتعالا في الصراع العالمي ضد الدولة الإسلامية، ولا سيما بعد هزيمتها العسكرية في العراق وفي سورية. واضح أن الدولة الإسلامية ومؤيديها يتطلعون إلى مواصلة المعركة في أماكن أخرى في العالم، بمن فيهم في مصر أيضا.

مساعدة الشركاء

وعليه، فمن الحيوي أن تحظى مصر بمساعدة متعاظمة من جانب الشركاء في الكفاح العالمي ضد الإرهاب السلفي الجهادي. لن يكون كافيا الدعم الأمريكي الذي يتلخص بتغريدات الرئيس ترامب على التويتر، بل مطلوب انخراط أمريكي لمنح مساعدة جوهرية، ضمن أمور أخرى من خلال توريد وسائل قتالية ومعلومات استخبارية ومنح مشورة تنفيذية واستخبارية، تستند إلى تجربة الولايات المتحدة في القتال ضد الدولة الإسلامية في ساحات أخرى. مصر الفخورة، يجب من جانبها أيضا أن تبدي انفتاحا على تلقي مثل هذه المساعدة. أما إسرائيل، الشريكة مع دول عديدة في المساهمة الاستخبارية وغيرها في الحرب ضد الإرهاب، فكفيلة هي أيضا أن تساعد مصر حتى أكثر من مساعداتها اليوم في الصراع ضد العدو المشترك للدولتين. إن هزيمة فرع الدولة الإسلامية في سيناء حيوي الآن بقدر لا يقل عن ما كان في زمن الدولة الإسلامية في ذروة قوتها إذ أن نيتها المعلنة لإعادة التمترس في الشرق الأوسط تستند إلى شركاء محليين مثل لواء سيناء. فضلا عن ذلك، على مصر وأصدقائها في الأسرة الدُّولية أن ترفق الجهد العسكري والاستخباري في الحرب ضد الإرهاب في سيناء، وذلك من خلال الاستثمار الاستراتيجي، الجذري وبعيد المدى في تنمية الاقتصاد والبنى التحتية المدنية في سيناء. فهذا الاستثمار كفيل بأن يشكل حافزا للسكان المحليين الذين أهملوا على مدى السنين، كي يقفوا إلى جانب الدولة والنظام. على المعركة الاقتصادية في شمال سيناء أن تترافق مع معركة قضائية، تعليمية فكرية مكثفة وشجاعة ضد التفسير الإسلامي المتطرف. ونجاح النظام في تجنيد التعاون من جانب السكان المحليين ضد شبكة الإرهاب في سيناء سيقرر نجاح مصر في حسم المعركة ضد الدولة الإسلامية وشركائها. ويجب على هذا الاستعداد أن يعطي جوابا مشابها للاغتراب القائم تجاه النظام المركزي في أجزاء أخرى من مصر أيضا. فالجدب من الحائط إلى الحائط للعملية ـ بدءا بجماعة جند الإسلام المتماثلة مع القاعدة، عبر الإخوان المسلمين والحركات المقربة منهم من ناحية أيديولوجية مثل «حسم» وحماس وانتهاء بالدول المؤيدة للإسلام السياسي ـ يدل على أنه يعتبر اجتيازا للخط الأحمر. لقد سعى خصوم النظام المصري إلى التنكر أمام الجمهور المصري والأسرة الدُّولية من كل تماثل مع المس بالمدنيين الأبرياء، فما بالك المصلين السنّة المسلمين. إن ساعة الانكسار بالتالي تمنح النظام المصري شرعية داخلية وخارجية ـ لم يسبق أن كانت له في الماضي ـ لإجراء الشد المناسب للمنظومة.
لمصر تقاليد عديدة السنين وقدرات ثابتة في مجال مكافحة الإرهاب. فقد سبق أن نجحت في التغلب في أواخر التسعينيات على تهديدات خطيرة من جانب منظمات إسلامية متطرفة والقضاء عليها. وبرغم التحدي المركب الذي تقف أمامه اليوم، وكذا أيضا أمام دول أخرى في الشرق الأوسط، يجدر بها أن تتمكن منه، ما أن تقرر بأن هذه مهمة ذات أولوية وطنية، فتجند لها المقدرات اللازمة وتنفذ التكييفات التنظيمية الحيوية وتفرز الوحدات المناسبة، وتتخذ الإجراءات الاقتصادية ـ الاجتماعية اللازمة وتنفتح على المساعدات الضرورية. يجدر بهذه المأساة الإنسانية والوطنية لمصر أن تشكل دعوة للصحوة لمصر وأصدقائها في المنطقة وفي العالم، قبل أن تتعرض لهجمات إرهابية أخرى لا بد ستصل إذا لم تُصَدّ وهي لا تزال في مهدها.

يورام شفايتسر واوفير فينتر
نظرة عليا 29/11/2017

هل هي انعطافة في مكافحة الإرهاب في سيناء؟
يجدر بهذه المأساة الإنسانية والوطنية أن تشكل دعوة للصحوة لمصر وأصدقائها
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية