الروائي الأردني أحمد الطراونة: الأدب يُعيد إنتاج التاريخ ولا يستنسخه

حجم الخط
2

عمان ـ «القدس العربي» من نضال القاسم: يعدُّ الروائي أحمد الطراونة واحداً من الأسماء اللافتة في الجيل الجديد من الروائيين الأردنيين. وتبدّت في أعماله ملامح تجربة متميزة يتداخل فيها التاريخي بالأسطوري بالواقعي، كما تتوزع اهتماماته ما بين الرواية والمسرح والصحافة الأردنية والعربية. حقّقت روايته الأولى «وادي الصفصافة» انتشاراً واسعاً، وأثارت جدلاً مازال يتردد صداه، وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية للآداب عام 2009، وجاءت روايته الثانية المعنونة بـ»خبز وشاي: سيرة أبو وئام الكركي» صدرت مؤخراً عن دار الآن ــ التي عالجت موضوع الفقر والجوع اللذين سيطرا على قرى الجنوب الأردني. ولإلقاء المزيد من الضوء على تجربته ، كان معه الحوار التالي..

■ في مجمل تجربتك بين العمل الإبداعي والصحافي أين تقف بين المشهدين؟ وما النقاط المشتركة بينهما؟
□ لا أعرف أيهما كان السبّاق إلى هناك، لكنّني حتما أعرف من جاس الخاطر أولاً، وأرهص للتالي، لكن الكتابة لا يمكن أن تكون عندي بهذا النضج لولا الصحافة، وكذلك العكس لم تنضج التجربة الصحافية إلا من خلال الكتابة وتدريبها اليومي على ملامسة الحياة. هما كما الروح في الجسد، يصنعان حياة مشتركة، بينهما اقتسام الوعي بالأحلام، لكن على الصحافي المبدع أن يخرج من فعل الصحافة القاتل، أو الذي يحيله إلى موظف جامد إلى الفضاء الإبداعي الذي تُعتبر الصحافة ركيزة مهمة في مشواره، وكما يقول الصحافي ديفيد غراهام فيليبس، الذي كتب الروايات باسم مستعار؛ جون غراهام: «الصحافة ليست مهنة، إنها إما مدرسة أو مقبرة».
■ تنزع روايتك نحو التأريخ وأحياناً تقترب من التسجيلية، ما سبب هذا النزوع برأيك؟
□ نعم أنا نزّاع للتاريخ، لكن ضمن شروط الوعي بالكتابة وإعادة إنتاج الواقعة، فالخطاب الأدبي الذي يستحضر التاريخ ويرصد شواهده ويعيد إنتاجه من خلال خطاب سردي خصب الخيال، ليكون بناء مستقلاً بذاته عن الحكاية الأم، وبوسائل فنيّة تجعل منها حكاية مغايرة وموازية في البعد الاجتماعي أو الفلسفي، وهنا نؤكد على أن التسجيلية بعيداً عن الوعي بشروط الكتابة الإبداعية توقع الكاتب في فعل كتابة التأريخ وليس الإبداع وهنالك فرق شاسع. أما سبب النزوع فهو ثراء التاريخ وكنوزه، خاصةً أن اللحظة الراهنة هي تاريخ، وأن تأويل الأحداث وإفساح المجال للمقايسات والتأويلات يعطي الكاتب مزيداً من خصوبة الفضاء والقدرة على استدعاء المستقبل واستشرافه.
■ وهل يمكن القول إن رواياتك تصور الحياة الأردنية بدقة؟
□ لا يمكن للرواية أن تمُرّ بدون أن تأكل من روح صاحبها، فلا يزال شخوص «وادي الصفصافة» يعيشون أمامي حتى طويت أسرارهم في ذلك السجل، خاصةً أنهم كانوا يلحّون عليّ أن أكتبهم، أحاكمهم، أنجز ذاكرتهم التي اختلطت بذاكرتي، فأي حياة تريد منّي أن أصورها بدقة؟ صحيح أن لكل صفحة قارئ، وأنا قرأت من صفحات هذا الوطن، لكنني لا أستطيع توثيق هذه الأرض، فهي من يوثقنا ويوثّقنا في زمن لم نعد فيه نريد التوثيق، لكنني أقول إن هذه النصوص جزءٌ مني، وهي بعض ذاكرة هذا الوطن، نعم بعض ذاكرته.
■ ما هي الثيمات التي عالجتها في روايته الثانية «خبز وشاي»؟
□ في «خبز وشاي» أصرخ في بئر مظلمة، فيضيع الصوت والصدى، وكلما ازددت صراخاً اتسع الخرق على الراتق، وضاعت الحقيقة في هذه العتمة التي تجهز على الضوء بكل قسوة فتحيل حياتنا بلا أفق ينبئ به الغيب، ولا غيباً ينبئ به الحاضر. لكن أجمل ما فيها هو الذي لم يُكتب بعد، حيث أسرار الجوع والفقر والحرمان من كل شيء، من الخبز والسياسة والثقافة، نعم الثقافة التي باتت ترفاً في لحظة نحن في أمسّ الحاجة إليها. مئات الأسئلة الانشطارية القابعة في جروحنا، كلما نكأناها ازدادت ملوحة الجرح وازداد ألماً. «خبز وشاي» هي الأزقة الضيّقة التي تختنق فيها روحي وهي تلهث خلف جنونها لتعزف على هذا الواقع موسيقاها بوتر يتيم.
■ ماذا يعني لك المكانُ؟ وهل يعيش الروائيّ مع شخوصه وفي الأمكنة التي يختارها؟
□ المكان هو الأم الرؤوم التي تحتضن أحلامك، وتختزل ذاكرتك، وتخفِّفُ أوجاعك، فإذا لم تتوافر في المكان هذه المواصفات فهو ليس مكانك، حينها نشعر بالغربة، ونشعر ببرودة الحياة، لذلك المكان هو لحظة أن تحط روحك قدميها على الأرض وترسم ملامحك هناك. في «خبز وشاي» كان شخوص روايتي يشربون الشاي معي كل ليلة، أحاورهم، أقرأ طالعهم، أناقش أسرار حياتهم وأسرقها حبراً على ورق وهم لا يعلمون، سهرتُ معهم في «خربة نخل» وحفرت معهم القبور، شاهدتهم كيف يسرقون الروؤس من أصحابها، كيف يفضحون أسرار الموتى ويعزفون الموسيقى في العتمة على ما تبقّى من سلاميات أقدامهم. نعم اخترت «خربة نخل» وعشت فيها طوعاً لا كرهاً، لأقتفى أثر الذين أجهزوا على أحلامي حين باعوا أباريقها وخلاخيل نسائها، ولأختزل العالم في هضبتها وأراه من هناك.
■ كيف تبدو لك لحظة الكتابة؟
□ هي صلاة أختلي فيها بنفسي، أناجي كل المفردات كي تستقيم معي في صفّ واحد، نصلّي، نعيد التراتيل المجنونة ونستسقي السماء، حينها نمرّرُ مطر العمر وتجاربه في صياغات هي أشبه ما تكون تأويلاً لآيات الكون، فيخرج النص مرآتي.
■ ما مقاييس الرواية الجيّدة بالنسبة إليك؟
□ هي الرواية التي تكتمل فيها الشروط الفنيّة والإبداعية، كاللغة والبناء الفنّي والحكائي والأهم سطوة النص وقدرته على امتلاكي كقارئ وهذه لا تأتي من البناءات الفنيّة أو الفعل الروائي، بقدر ما تتحصل لديّ من أهمية الموضوع وإنسانيته وقدرته على ملامستي، وترك الأثر فيَّ ليجرني مرّة أخرى لكي أكمله أو أعيد قراءته، ونحن نتساءل كم من الروايات التي تقرأها تساورك نفسك بقراءتها مرةً أخرى؟ هذا هو سرُّ الجمال أو الاقتراب منك، خاصةً وأن معايير الجمال لديك تختلف عن معايير الجمال لدى شخص آخر.
■ تبدو رواياتك أقرب للنص السينمائي، فهل أنت مع تحويل الرواية إلى السينما؟
□ بعد أحداث الكرك الأخيرة تقدّمتُ بنصٍ واف ليخرج كفيلم سينمائي أخذته بكل تفاصيله عن «خبز وشاي» وتنتهي أحداثه بالتقاء الأخوة ابن الدرك، وابن داعش، على أسوار الكرك، وهذا ما حدث فعلاً، وهو ما تنبأت به الرواية أيضاً، فيُقتلُ الاثنان، وتأخذهم أمهم وتدفنهم في قرية نائية وتضع على قبورهم الورود، في إشارة إلى الوطن، وإلى الصراع بين الإخوة الذين ذهب كل منهما في طريق بدون أن يختاره، ولأسباب عالجتها الرواية، منها الفقر والحرمان والتطرف والخوف من المجهول وغيره، الفيلم الذي أعجب وزير الثقافة نبيه شقم وانحاز له بقوة، لكن إمكانات الوزارة لا يمكن لها أن تنتج فيلما كهذا. إذا كانت الرواية هي قصة حياتي أو حياة غيري، فلماذا لا تكون فيلماً أو أفلاماً، خاصة أن الدراما والسينما الآن أقوى تأثيراً من الرواية، الرواية تنتج جيلاً من الوعي بمضامينها بعد فترة طويلة من الزمن، تأثير بطيء، بينما السينما تنتجُ وعياً آنيّا وسريعاً كما هي الدراما التلفزيونية أيضاً.
■ هل يشغلك القارئ أثناء الكتابة؟
□ يشغلني ويمسك قلمي عن الكتابة أحيانا، وأحيانا أخرى أراوغه وأتخفّى عنه، لكنه الحاضر في كل حروفي، وإلا لماذا اكتب؟ صحيح أنني أكتب ذاتي لكن هذه الذات هي كل الذين يعيشون هذا الوجع الذي أنزفه، فأنا أورطهم بأن أجعل وجعي يشبه وجعهم إلى أبعد حد، وإلا كيف ستقرأني إن لم تؤمن بما أكتب؟

الروائي الأردني أحمد الطراونة: الأدب يُعيد إنتاج التاريخ ولا يستنسخه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية