مراكش ـ «القدس العربي» من عبدالله الساورة: «السينما مثل الموسيقى عليها أن تكون نابعة من الذات» (تيرونس دايفيز). «عاطفة صامتة» فيلم كتبه وأخرجه المخرج البريطاني تيرونس دايفيز، حيث يسلط من خلاله الضوء على حياة وموهبة إيميلي ديكنسون (1830ــ 1886)، وقد قام بتحويل الغامض والمُربك في شخصية ديكنسون إلى لغة بصرية تضاهي حياتها وأعمالها.
يبتكر دايفيز في شكل أدبي بيوغرافيا الشاعرة من خلال إقامة عالم خاص بها، داخل جدران منزل العائلة في أميرست (ماساتشوستس) وهي مفاتيحه لهذا العمل الإبداعي، مع حشد الكثير من التفاصيل بدقة متناهية بنوع من الحيطة والحذر في كل كلمة. لا يتعلق الأمر بحكاية قصة حياتها، ولكن بإعطاء معنى بشرحها انطلاقا من ذات الشاعرة، من خلال كل بيت من أبياتها الشعرية داخل أروقة العزلة التي اختارتها نمطا لعيشها. ومن المعروف أن ديكنسون عاشت غريبة منعزلة، وأنها نشرت بالكاد خلال حياتها اثنتي عشرة قصيدة من مجموع 1800 قصيدة.
سِفر الذات
من علياء هذه الموهبة أسس المخرج واحدا من أعماله الأشد كثافة والأكثر وعيا. فالكاميرا بالكاد تتحرك وفق حدود منضبطة ما بين الواقع والحلم، في صيغة سينمائية بيوغرافية تتبع نسقا بسيطا وضيقا وقاسيا وغير متحيز، عن طريق المزج وبراعة المعالجة بين الضوء والحوار والموسيقى. وهو من أفضل الأفلام السينمائية التي تناولت حياة وسيرة ديكنسون. يبدو المشهد السينمائي متثاقلا بطيء الخطوات، وتكاد الكاميرا تتحرك في لعبة دائرية، مشهد يتكرر مرتين الإيضاح نفسه في فترتي الشباب والنضج، حيث الجلسة العائلية تبدأ من إيملي وهي تعزف على البيانو وتدور الكاميرا في دورة كاملة على الصالون والتركيز على الوجوه لتصل إلى إيملي مرة ثانية، وتركز عليها. المشهد الثاني تبدأ صديقتها كايد في العزف على البيانو وتتحرك الكاميرا في شكل دائري للتركيز على أعضاء الأسرة وتقف الكاميرا عند الباب المغلق وينفتح الباب لتظهر إيملي وهي تستمع للموسيقى وينغلق الباب وتبقى الكاميرا في مواجهة الباب المغلق. هذه اللقطات المماثلة يستعملها المخرج في العديد من المشاهد داخل المنزل وفي الحديقة، وهي مشاهد متطابقة أو متماثلة يسعى المخرج لإظهار حالة التباين بين مرحلتين قبل وفاة الأب والأم وبعدها، وهي لقطات بطيئة تستمر أحيانا أكثر من دقيقتين يتخللها صمت لا يخدشه سوى حفيف الرياح وزقزقة العصافير، كمعادل لحال القصيدة وصاحبتها.
سِفر الشخصيات
تقلل الشخصيات من حركاتها وتتمتع بتعبيراتها وكلماتها المنتقاة في هذا الجرح الدرامي الذي يبدو أبديا. سينثيا نيكسون، جنيفر أييل وكيث كارادين ببساطة ممثلات وقعن بيد واحدة وبنظرة دامغة على بصمات السينما المعاصرة وروعة الأداء في هذا الفيلم التكريمي. ومع البساطة الشديدة، تسمو الحياة اليومية لشخصيات الفيلم للوصول بها نحو شخصياتها الحقيقية، وإبراز شخصية إيملي ديكنسون وعملها ونبالة شعرها. يصور المخرج شخصياته بصرامة كبيرة ويكشف ويقدم كل شيء، ففي انتقال الشخصيات من مرحلة الشباب نحو النضج تنتقل الكاميرا عن طريق أخذ صور فوتوغرافية للعائلة وتنتقل داخل الصورة من الشباب نحو الشيخوخة. وعلى الرغم من جهود كل من نيكسون وديفيز لاستخراج الشياطين الداخلية للشاعرة، ظل الفيلم في حالة ثبات وعدم إبراز حرقتها للشعر.
سِفر العزلة
بعد خروجها من المدرسة تنكب في المنزل على كتابة الشعر. يتخطى الفيلم مرحلة الطفولة ليبرز بيوغرافية الشاعرة ما بين مرحلة الشباب والشيخوخة التي عانت فيها المرض والعزلة والخصومات العائلية. يبرز الفيلم في الجزء الثاني منه مرحلة النضج والشيخوخة ومعاناتها الكبيرة وانحباسها داخل المنزل كل الوقت وفي غرفتها، وهوسها بكتابة كراسات صغيرة من الشعر. وخصامها مع صديقتها كايد وعشيقة أخيها. في الفيلم أيضاً يظهر نقاش العائلة الأرستقراطية حول الحرب الأهلية الأمريكية بين مؤيد ومعارض ومعارضة الشاعرة الشديدة للحرب بكل أبعادها ويظهر المخرج صورا توثيقية لبشاعة الحرب، مع ما يرافقها من نقاشات عائلية سياسية تنسجم وطبقتها الأرستقراطية المحافظة.
سِفر المكان
يبرز الفيلم ضيق الفضاء الذي تتحرك فيه الشاعرة، فلا يعدو أن تكون غرفتها أو الصالون السفلي أو حديقة المنزل، وتعود مسرعة لكتابة قصائدها. وقليلة هي أيام الفرح والرقص في حياتها، في شبابها هناك نوع من الصمت المتفق عليه بين أفراد العائلة، فالكل يحمل كتابه أو ينصت لإيقاع الموسيقى ويذوب في عالمه الخاص. فيضيق المكان بالشاعرة ويتسع في حضورها الشعري. يشعر المشاهد بنوع الصمت السائد والمتحكم وبرودة العلاقات الاجتماعية وتواصلها وبرودة المكان، التي تزداد في العلاقات بعد موت الأب والأم ليضفي على المكان كآبة قصوى. يضيق المنزل الفسيح وتضيق الحديقة بأشجارها وتلوذ إيملي بالصمت في غرفتها بلباس أبيض كأنها تنتظر موعدا مع القدر ومع قبر مفتوح في نهاية الفيلم.
سِفر الحكايات
حكائيا يمكن تقسيم الفيلم إلى ثلاث مراحل من حياة الشاعرة.. الأولى حينما يموت والدها ويكون هذا الموت بمثابة الصاعقة، وهي المرأة الحساسة جدا رغم ما كانت تظهره من قوة وبأس واستقلالية في الرأي، فإنها كانت تستجيب لمطالبه وتأتمر بأوامره وهو رجل أرستقرطي ذو ملامح قاسية وأوامر صارمة محب للحق. بعد موت الأب بدأت تظهر حالات العزلة على إيملي وحالات من الاكتئاب. الثانية زواج صديقتها كايد المتحررة نوعا والتي كانت تحاورها وترافقها وأدخلت بصحبتها نوعا من البهجة والفرح إلى قلبها. بزواجها بدأت إيملي تشعر بنوع من العزلة القاتلة، وكأن خيطا رفيعا وروحا هائمة قد قطعت أوصالها. وأضحت لا تفارق غرفتها مرتدية لباسا أبيض. والأخيرة تتمثل في دهشتها من حالات الصرع والهيستريا التي تنتاب والدتها ومرضها المستعصي الذي لم تستطع أن تتحمله وهي المرأة الرقيقة المشاعر. خلّف موت الأم فراغا عاطفيا كبيرا، رغم مساندة الأخت لها لكن حالة الاكتئاب ازدادت، خصوصا بعد أن وجدت صديقتها القديمة في علاقة جنسية مع أخيها في الغرفة المجاورة لها. تم خصامها مع أخيها وتشنجت العلاقات بينهما ثم تهكمه بعد ذلك بإتيانه لمقال يسخر من تجربتها الشعرية، وهو يقرأه بجهر و بنوع من التهكم والسخرية. تدخل إيملي حالات من الصرع والهيستريا الحادة ونوبات من الصياح والبكاء، بدون أن تتحكم في جسدها أمام دهشة الطبيب وأفراد العائلة. هنا يبرز نوع من تعاطف المخرج مع الشاعرة بحيث لا يحاول التمادي في تكرار مشاهد حالات الهيستريا التي تنتابها، لتظهر جثة هادئة بلا حراك. هنا يقربنا المخرج من البعد الإنساني للشاعرة التي فضلت عالم الكتابة ومنحته كل الوقت والجهد بعدما أضربت عن مفاتن الزواج وغوايات الجسد.
سِفر الروح
يعتقد المخرج أن الموت ليس سوى تعبير عن انتهاء مرحلة والانتقال إلى مرحلة أخرى، في المشهد الأخير من الفيلم بعد موت الشاعرة وحملها على النعش، يظهر قبر محفور فارغ، يصاحب هذا المشهد صوت الشاعرة وهي تلقي أجمل قصائدها. الكناية واضحة هنا أن الشاعرة لم تمت وأنها لا تزال على قيد الحياة، فالموت هنا فقط موت رمزي فهي لا تزال روحا هائمة وصوتا عذبا يتغنى بالحياة. إنها سينما الحياة التي تنبني في جزء منها على الأسئلة الوجودية الكبرى، فالفيلم هو تكريم لشاعرة أمريكية بتعبير وصوت إنكليزي يمنحها بعدا كونيا ويسافر بنا في عوالمها الإنسانية الرحبة ويدعونا إلى اكتشاف إيملي ديكنسون شاعرة وإنسانة في المقام الأول والأخير.