لندن – «القدس العربي»: فقد اليمن لقبه المعروف بـ «اليمن السعيد» منذ وقت طويل، فقد عانى من الحروب الأهلية والقبلية والعنف الجهادي والفقر المريع إلا أن مظاهر المعاناة هذه لا تقارن بما يحدث له اليوم من بؤس ناجم عن الحرب الدائرة بين التحالف السعودي ضد المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران. وترى الأمم المتحدة أن ربع سكان اليمن البالغ عددهم 28 مليون نسمة يحتاجون لنوع من المساعدة الإنسانية. وأدى تجمع أكوام القمامة وفشل محطات الصرف الصحي وعدم توفر المياه الصالحة للشرب إلى أسوأ موجة كوليرا يشهدها العالم في تاريخه القريب.
ويعيش البلد على حافة المجاعة. وانهار الاقتصاد بشكل وضع السكان أمام خيارات صعبة. وفي كل يوم يواجه الأطباء في مستشفى الثورة خيارات صعبة، اي من الأجهزة التي تنقذ حياة المرضى يجب تشغيلها وتوفير ما هو موجود من وقود. وترى مجلة «إيكونومست» أن العالم يبدوغير مهتم بما يجري في اليمن وقد تحجر بعد سنوات من حمام الدم في سوريا وغير ذلك من مناطق الشرق الأوسط ويئس على ما يبـدو من إحـداث أي تغيـير.
وربما لان اليمنيين لا يتدفقون على الشواطئ الأوروبية مثل السوريين نسي العالم قضيتهم رغم المخاطر التي تحملها الحرب التي تضع المصالح الأمنية على المحك. فموقع اليمن الإستراتيجي على مضيق باب المندب قد يؤدي لخنق الملاحة البحرية إلى قناة السويس. وترى المجلة أن الغرب متورط في الحرب: «سواء أحببت أم كرهت فالتحالف السعودي يقاتل بالطائرات والذخيرة المصنعة في الغرب وتقوم الأقمار الصناعية الغربية بتوجيه قنابلها».
البداية
ومثل أي مكان في العالم العربي فإن معاناة اليمن يمكن ردها إلى انتفاضات الربيع العربي عام 2011. عندما أجبرعلي عبدالله صالح على الخروج من السلطة عام 2012 بسبب التظاهرات الضخمة ومحاولة لقتله وتدخل بعض دول الخليج. وتسلم السلطة نائبه عبد ربه منصور هادي. ورفض الحوثيون مسودة الدستور التي تركتهم بدون معبر على البحر وتحالفوا مع صالح الذي وجد فرصة للعودة من جديد. وعندما أطاحوا بهادي قامت السعودية بتشكيل تحالف مع عدد من الدول العربية والميليشيات المحلية وأجبروا الحوثيين على التراجع شمالاً. ومنذ العام الماضي لم تتحرك خطوط القتال ولا بوصة، فالحوثيون أضعف من أن يحكموا اليمن وأقوى من قدرة السعوديين على هزيمتهم. والنتيجة هي أن اليمن أصبح بيدقاً في النزاع الإقليمي بين السعودية وإيران.
والمشكلة هي صعوبة هزيمة ميليشيا تحصنت بين المدنيين. ومع أن الحوثيين هم من بدأ الحرب ولديهم الميل للقسوة إلا أن السعوديين هم من اتهموا بجرائم الحرب، وهي اتهامات مبررة في العادة. ففي حملتهم الجوية كانوا لا يبالون واتسموا بالعقم في أكثر الأحوال وربما لا يهتمون حسب منظمات حقوق الإنسان، فقد ضربوا المدارس والأسواق والمساجد والمستشفيات. كما أن فرضهم للحصار أثار الشكوك حول استخدامه كأداة في حربهم لتركيع الحوثيين. وكلما طال أمد الحرب كلما زاد تواطؤ الغرب فيها.
صك ترامب المفتوح
واتهمت المجلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه أعطى السعوديين صكاً مفتوحا للتصرف بتهور. وربما اعتقد أن مواجهة إيران أو كان يريد مساعدة الأمير محمد بن سلمان في جهوده لفتح البلاد على الاستثمار أو تحقيق الأرباح «من صفقات السلاح الجميلة» إلا أنه يقوم بتدمير مصالح الولايات المتحدة. ولأن السعودية مهمة لسوق النفط العالمي والإسلام فعلى الغرب أن يحاول كبح جماح الأمير المتهور ومساعدته على الخروج من حرب لا يمكنه الانتصار بها.
والطريقة كما تقول ليس كما بدأت خطة الأمم المتحدة التي طالبت باستسلام الحوثيين ولكن بتجميد النزاع والبحث عن وسيط جديد مثل عمان والكويت. ويجب أن تشمل أي صفقة على خروج مرحلي للحوثيين من صنعاء ومن الحدود السعودية وإنهاء الحصار. ويحتاج اليمن لحكومة يشترك فيها الجميع وانتخابات وبنية للحكم جديدة.
ويحتاج السعوديون لضمانات بعدم تدفق السلاح إلى الحوثيين وعليهم أن يقدموا المال لإعادة ما دمروه. ولن يتحقق هذا بسهولة بل عملية سلام مقبولة ستؤدي لتشظي الحوثيين أكثر من قصفهم. ويخفي الحوثيون فشلهم اليوم وراء استمرار العدوان السعودي. فالرأي العام ضدهم الآن كما أن تحالفهم مع صالح ينهار، كما أن الحوثيين أنفسهم منقسمون على أنفسهم.
وفي الوقت الحالي عمقت الحرب اعتماد الحوثيين على إيران وكانت طريقة رخيصة وسهلة لتوريط السعوديين وتعذيبهم. ولأن الرياض متورطة في مستنقع اليمن فقد أصبح لطهران اليد العليا لفرض شروط التسوية في سوريا. وفوق كل هذا تجفف الحرب من المنابع المالية للسعودية في وقت تطبق فيه سياسات تقشف وإصلاحات. وكان عليها التعلم من دروس حرب إسرائيل مع حزب الله، فإن كان الخيار المواجهة فيجب أن تكون قصيرة وبأهداف محددة بدلاً من تورط طويل ومكلف.
… وسياسة ترامب الشرق أوسطية «تشوش وتجاهل» ومنح السعودية اليد الحرة
وفي تقرير مكمل عن السياسة الخارجية الأمريكية وصفت «إيكونومست» استراتيجية ترامب بأنها تقوم على «التشوش والإهمال». وفي البداية أشارت إلى أن السفارة الأمريكية التي ستكتمل في بيروت ستكون ثاني أكبر سفارة في العالم ومع ذلك كانت فرنسا هي التي تدخلت وحلت الأزمة السياسية الأخيرة. وأمنت عودة سعد الحريري إلى بيروت بعد استقالته الغريبة والمفاجئة في الرياض. وأنهت باريس ملحمة غريبة استمرت أسبوعين بدا وكأن الحريري قيد الإقامة الجبرية في السعودية.
ورغم انتقاد وزارة الخارجية الأمريكية التحرك إلا أن فرنسا هي التي فاوضت. وتقدم المجلة جردة لعام ترامب الأول في الحكم وكيف أنه لم يتوصل إلى سياسة واضحة. مشيرة إلى أن فترة حكمه تتزامن فترة حكمه مع تغيرات في السعودية. فقد تخلى الملك سلمان وابنه ولي العهد القوي الأمير محمد بن سلمان عن السياسة الخارجية الحذرة وفضلا سياسة حازمة وعدوانية.
وأدهشت تصرفاتهما الأصدقاء والجيران. وحتى الإسرائيليين وصفوا التحرك السعودي في لبنان بالمتهور وهدد بفك التوازن الطائفي الحساس. وتعتقد أن سر الحزم السعودي نابع من دعم البيت الأبيض خاصة جارد كوشنرصهر ومستشار الرئيس.
ولم يظهر ترامب أي اهتمام بالحملة التي تقودها السعودية في اليمن والتي أدت بدعم امريكي لتحويله إلى أرض خراب. وأثنى بشكل علني على الحصار الذي قادته السعودية على قطر والإعتقالات الأخيرة داخل المملكة رغم الشكوك التي أبداها الدبلوماسيون الأمريكيون من السياستين. ولا تتوقف أخطاء السياسة هنا بل في الملف السوري الذي منحه للروس والإيرانيين رغم ما بدا في نيسان (إبريل) على أنه تحول في النهج الأمريكي ومعاقبته بشار الأسد على الهجوم الكيماوي في محافظة إدلب. فقد رحب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحرارة بالرئيس بشار الأسد بمنتجع سوتشي الشهر الماضي وعقد قمة مع الرئيسين التركي والإيراني اللذان يدعمان كما تقول استمرار الأسد في الحكم.
وترصد التحولات في جنيف حيث وضم وفد المعارضة رموزا مستعدة لتجاوز فكرة بقاء الأسد في السلطة بسبب ضغوط السعودية التي أجبرت رياض حجاب، رئيس الهيئة العليا للمفاوضات وأحد الناقدين الأشداء للنظام على الإستقالة. وربما كان السعوديون يأملون بدق اسفين بين إيران وروسيا إلا أن الأمريكيين لم يقولوا شيئاً. وأثرت التشوش الأمريكي على الأكراد الذين هدد ترامب بقطع الدعم العسكري عنهم.
وعندما سئلت المتحدثة باسم الخارجية إن كانت الولايات المتحدة سترسل مبعوثا خاصا للتوسط بين أكراد كردستان والحكومة في بغداد ردت «يستطيعون حل خلافاتهم بأنفسهم». وحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير راض عن اتفاق خفض التوتر في جنوب سوريا الذي رتبته أمريكا مع روسيا وسمح للميليشيات الشيعية التحرك في المنطقة التي لا تبعد سوى 5 كيلومترات عن الحدود مع إسرائيل.
ويشعر الأردن رغم علاقاته القوية مع الولايات المتحدة بأنه ترك وحيداً حيث ستوقف الولايات المتحدة دعمها للجماعات المقاتلة في جنوب سوريا الشهر المقبل. وكذا عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري الذي فوجئ بخفض الإدارة 100 مليون دولار من المعونة السنوية وتعلق 195 مليون دولار.
وتعلق إن ترامب لا يستحق كل اللوم على السياسة المتشوشة هذه فقد دعا باراك أوباما لرحيل الأسد بدون أن يدعم المعارضة. وبدأت الحرب في اليمن تحت نظره. ومع ذلك تحرك ترامب على جبهة التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وبعد سلسلة من الرحلات المكوكية قام بها جيسون غرينبلات، المبعوث الخاص للشرق الأوسط يخطط للكشف عن خطته بداية العام المقبل. ولا يوجد ما يشي أنه سينجح حيث فشل الرؤوساء قبله. فلا تزال تقود إسرائيل حكومة يمينية متطرفة لا تريد تقديم تنازلات. والفلسطينيون منقسمون تقودهم حكومة فقدت الشرعية . ولكن السعوديين أخبروا الرئيس الفلسطيني ان ترامب سيقدم خطته النهائية وعليه قبولها.
ويشعرالسعوديون أن دعمهم لترامب في التسوية يعطيهم اليد الحرة في اليمن ومناطق أخرى. ورغم أن ترامب لا يوفر فرصة لانتقاد سلفه إلا أنه يكرر نفس الأخطاء التي وقع بها أوباما. فقد اتهم هذا بالبحث عن اتفاقية مع إيران بأي ثمن متجاهلا تدخلات إيران في العراق وسوريا. أما ترامب فهو مهووس بتخريب الاتفاق دون أن يفعل أي شيء لاحتواء تأثير إيران بالمنطقة. بل ويعمل على تقوية الديكتاتوريين في مصر وفقد ثقة الحلفاء القريبين مثل إسرائيل والأردن. وفي الوقت نفسه يشعر السعوديون بالحرية لمواصلة سياساتهم التي تزعزع المنطقة.
«نيويورك تايمز»: عندما تتجرع النخبة في السعودية الكأس التي سقت منها ضحاياها
نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً لسارة لي واتسون، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومان رايتس ووتش» قالت فيه إنها سافرت للسعودية عام 2006 ممثلة للمنظمة ومناقشة حقوق الإنسان مع الأمير محمد بن نايف الذي كان وقتها مساعداً لوزير الداخلية والشؤون الأمنية. «وشرح لي مزايا مشروع إعادة تأهيل المتطرفين الذي تقوم به السعودية بسجن بضعة آلاف سعودي حتى يقرر رجال الدين أنه تم إصلاحهم». وقال إن كون الاعتقالات عشوائية وخارج القانون ولم تقدم أي أدلة لقاض على أن الشخص المعتقل قام بأي خطأ، ليس مهماً. فالكل يعرف أن المعتقلين متورطون في التطرف وأن سجنهم يخدم البلد. وفي الواقع فقد أشرف على اعتقال مئات الشباب السعوديين شعر بأنهم يشكلون خطراً على البلد.
وتقول إنه تم قلب الطاولة على محمد بن نايف هذا العام وفرض عليه حظر السفر في حزيران (يونيو) ووضع تحت الإقامة الجبرية، وفي شهر تشرين ثاني (نوفمبر) جمدت أمواله. والمفارقة الساخرة كما تقول إن هذه القيود عليه لم تفرض من خلال إجراءات قانونية بل بسبب رغبات ابن عمه ولي العهد الأمير محمد سلمان. وقد يشير البعض إلى هذا على أنه (كارما) أو (الجزاء بالمثل)، ولكن الاعتقالات الأخيرة والتي شملت أكثر من 200 سعودي اتهموا بشكل غامض بالفساد بمن فيهم رجال أعمال كبار ومسؤولون حكوميون ومسؤولنن أمنيون وأعضاء من العائلة المالكة – يمكن فهمها على أنها رسالة للمواطنين السعوديين الأقوياء والضعفاء على حد سواء.
وأدركت النخبة، وربما لأول مرة، أنها قد تتعرض إلى المحاكمات نفسها غير القانونية التي كانت في السابق مخصصة للمعارضين السياسيين والمشتبه بهم كإرهابيين. وتفتقد السعودية إلى قانون عقوبات مكتوب مما يعني أن القاضي يمكن أن يدين شخصاً بارتكاب عدد الأمور مثل «الشعوذة» و «السحر» أو أن يعاقب مدوناً بالجلد أو السجن بسبب «إهانته للإسلام». ولطالما كانت النخبة السعودية محصنة ضد أسوأ أخطاء هذا النظام الوحشي. وكان ثراؤهم وحرية السفر – عادة باستخدام جواز سفر صادر من أي بلد غربي – يسمح لهم بالهروب من المحدودية الدينية والسياسية والاجتماعية في الرياض. والآن يعرفون لا أحد في الواقع آمناً عندما لا يكون هناك قانون ولا مؤسسات تحميهم. وبعض المدافعين عن الأمير محمد والملك هم أقل اهتماماً بحقوق المتهمين متأكدين أنهم لن يواجهوا العدالة هناك. فأشادوا بالاعتقالات على أنها دليل عى جدية الأمير محمد على مكافحة الفساد وبعضهم حتى شبه موافقة البعض على التخلي عن مليارات الدولارات من أموالهم مقابل حريتهم من صفقات الاعتراف التي تتم في أمريكا. وليس مصادفة أن أولئك المعتقلين يمثلون عدداً من مراكز القوى، التي كانت خارجة عن سيطرة الأمير محمد. وتضمنت رؤوس المؤسسات الإعلامية، ورئيس القوة الأمنية الباقية خارج سلطته وممثلين عن أثرى عائلات المملكة. ولم يكن صدفة أيضا أن تأتي هذه الاعتقالات بعد اعتقالات أيلول (سبتمبر) التي شملت المستقلين المؤثرين والمفكرين والناشطين الحقوقيين والشيوخ المعروفين.
ولو كانت الحكومة مهتمة في معالجة الفساد كان بإمكانها تعريف قانون تعارض المصالح للتعامل مع فساد المسؤولين الحكوميين. وبدلاً من ذلك مررت «قانون مكافحة الإرهاب» في تشرين الثاني (نوفمبر) والذي كرس سلطة الادعاء العام ورئاسة أمن الدولة والمرتبطة مباشرة بالملك وبالتالي بأهم مستشاريه الأمير محمد. وبموجب هذا القانون يمكن سجن أي سعودي كـ «إرهابي» من خمس إلى 10 سنوات لتصوير الملك أو ولي العهد «بصورة تسيء إلى الدين أو العدالة». وهذا المقال لو كتبه سعودي يعيش في السعودية يمكن أن يؤدي به إلى السجن لسنوات كـ «إرهابي». ولا شك أن الأمير محمد استغل تعطش السعوديين للإصلاح وثقته وشعبيته المزعومة سمحت له بالوعد بالتغيير – مثل انهاء بعض نواحي الولاية على المرأة والسماح لهن بقيادة السيارات.
ولكن التنمر/البلطجة المتقلبة لن تضع حدا للتجاوزات في السعودية ولن تقود المواطنين للثقة بأن بلدهم ملتزم بالاصلاحات وحكم القانون.
«فورين بوليسي»: السيسي لا يعرف طريقة لهزيمة تنظيم «الدولة»
كتب زاك غولد، الزميل غير المقيم في مركز رفيق الحريري بالمجلس الأطلنطي مقالا بمجلة «فورين بوليسي» حول المذبحة التي حدثت في مسجد الروضة/ شمال سيناء الجمعة الماضية قتل فيها مهاجمون أكثر من 300 من المدنيين المصريين ويعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية بأنها تذكير بالمخاطر الأخرى التي تمثلها التنظيمات الجهادية على محافظة شمال سيناء وجهود الحكومة المصرية للسيطرة عليها. ووعد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بملاحقة المهاجمين والانتقام للشهداء عبر استخدام «القوة الغاشمة»، وحصل على دعم الولايات المتحدة حيث غرد الرئيس دونالد ترامب قائلا إن شرا كهذا لا يهزم إلا بالقوة العسكرية.
وعلق غولد ان استراتيجية كهذه لن تجلب السلام إلى سيناء ولن تؤدي لمنع عمليات إرهابية جديدة. ويشير الكاتب لدراسة ساعد في إعدادها بناء على طلب من الكونغرس وأعدها مركز الاستقرار والتنمية في مقر س أن إي بشيكاغو وتوصلت الدراسة إلى أن الجهود العسكرية لن تهزم المتشددين مثل فرع تنظيم الدولة – ولاية سيناء، بل إن استراتيجية السيسي ستزيد على أحسن الأحوال الوضع سوءًا في سيناء وتجعلها مركزا ًلتفريخ الجيل الثاني من ناشطي تنظيم الدولة والقاعدة.
مشكلة قديمة
وتعاني مصر من مشكلة طويلة مع الجهاديين في شمال سيناء ولا يمكن وصف الطريقة التي حاولت الحكومة معالجتها إلا أنها مبالغة بالقوة. ففي عام 2013 عندما كان السيسي وزيرا للدفاع أعلن حرباً على الإرهاب. وبعد أربع سنوات تزعم الحكومة المصرية أنها قتلت 2.500 مقاتل من تنظيم الدولة مع ان الارقام التي جمعها مركز التحرير للسياسات في واشنطن تشير إلى أن العدد أكبر. وفي عملياته العسكرية التي استمرت أسابيع وضع الجيش مدنا بكاملها تحت الحصار، وقاس نجاحه بعدد الأكواخ التي أحرقها بالمنطقة. ورغم النجاح المتواضع الذي حققته مصر في عرقلة عمل التنظيمات الجهادية إلا أن تنظيم الدولة لا يزال قادراً على شن هجمات يومية ضد الجنود والشرطة والمدنيين. مع ان عدد الناشطين لا يتجاوز المئات إلى 1.500. ولو صحت التقديرات الحكومية فعدد عناصر التنظيم في تزايد. ونظراً لمناحي الضغف الامني في سيناء فالحل العسكري لن يكون ناجحًا.
مظاهر ضعف
ويرى الكاتب أن الباحثين حددوا سبعة مناحي ضعف أمني موجودة في الدول التي نشطت فيها القاعدة. وهي النزاع الداخلي وتاريخ العنف وانهيار أو شبه انهيار للحكومة المركزية وعدم شرعية الحكومة وغياب الاستقرار الإقليمي وغياب الفعالية ودولة مجاورة تعيش في أزمة. في المناطق التي درسها الباحثون بما فيها سيناء وجدوا أنها عانت من ستة مظاهر ضعف. والمظهر الوحيد الذي تم منعه في سيناء هو انهيار الدولة مع أن الحكومة المركزية انهارت وإن بشكل جزئي تحت ضغط ثورة الربيع العربي عام 2011 وهو ما فتح الباب أمام التمرد الحالي. فوزارة الداخلية أمسكت في السابق بخناق الوضع في سيناء انهارت وسمح هذا بهروب عدد من السجناء – تم لوم الإخوان المسلمين عليه – ومنهم جهاديون وجدوا ملجأ في المنطقة. وجاء انهيار قوات الأمن الداخلية نتيجة لفقدانها الشرعية في سيناء وبقية مصر. وبعد نهاية حكم مبارك اعترف المسؤولون المصريون في احاديث خاصة بفشل الأجهزة الأمنية. وحاول الجيش إصلاح العلاقة لكنه لم يكن يعرف الطريقة الناجعة للتعامل مع السكان. ولأن الجيش قضى عقوداً يتدرب على الحرب التقليدية فلم يكن مهيأ لمهمة تحقيق الأمن الداخلي.
ووجدت دراسة مركز سي أن إي أن الأمن وطريقة الحكم ليسا إلا جزءاً من القصة. فقد تأثرت سيناء بالعنف الجهادي الذي يعود للهجمات في جنوب المحافظة على السياح في عام 2004 و 2006. فعندما أصبح أبو مصعب الزرقاوي مؤثراً كان من المنطقي أن يقلد الجهاديون تنظيم القاعدة في العراق ومبايعة تنظيم الدولة بعد انهيار تنظيم الزرقاوي. واستفادت الجهادية من مظاهر الفوضى على الحدود المصرية. فمنذ الإطاحة بنظام معمر القذافي اشتكت مصر من ترك القوى الأجنبية ليبيا أسيرة للجماعات الجهادية ومهربي السلاح الذين نقلوا الأسلحة غزة خلال غزة. ويلقي المسؤولون اللوم في مشاكل المحافظة على غزة التي تسيطر عليها حماس.
وبدأت الحكومة المصرية حملة ملاحقة التهريب وتدمير الأنفاق عام 2013 وأقامت منطقة عازلة مع غزة ولكنها لم تنجح. وفي الفترة الأخيرة دعمت القاهرة جهود المصالحة بين حركتي حماس وفتح على أمل وضع قوات الأمن التابعة للسلطة حتى تتسلم أمن القطاع وتتعاون في مجال التهريب أفضل من الجناح العسكري للقسام. ومع ذلك تظل العوامل السياسية عاملاً في حصول الجهاديين على جنود جدد. ولا تزال مصر تمر بمرحلة من النزاع السياسي وإن لم يكن على القاعدة التي تحصل في سوريا واليمن. وفي غياب المصالحة بين الحكومة والإخوان المسلمين بشكل يطيل أمد الوضع في سيناء.
وكما اكتشفت الولايات المتحدة في العراق فمكافحة التمرد تحتاج لوقت كي تثمر. وتجد الجماعات الجهادية عادة طرقا للعودة. فبعد تفكيك القاعدة ظهرت على شكل تنظيم الدولة. فالنصر عادة ما يكون مؤقتاً. ولكن بدون حل مظاهر الضعف الأوسع وجذور المشاكل فستظل سيناء مصدراً لتفريخ الجهاديين المحليين والدوليين كما كان العراق.
إبراهيم درويش