الرباط ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري: لم يدخر علماء الشعر والجمال والبلاغة، ومنظِّرو الخطاب وواضعو أوفاق النظر الشعري قديمه وحديثه، جهدا في تحديد كلمة (إيقاع)، لكن بدون جدوى أو كبير نجاح. كتب الشاعر بول فاليري في أحد دفاتره: «كلمة (إيقاع) هاته لا تبدو لي واضحة، ولم أستعملها إطلاقا». وبمثل ذلك أوحى أحد أهمّ شعرائنا في العصر الحديث، وهو عبد العزيز المقالح، بقوله: «إنّ قوانين اللاوعي التي نجهل أسرارها تتدخل في صوغ هذا الإيقاع». ومع أن هذا (الإيقاع) نُحسّه من الجهات جميعا، ويحيى فينا ومعنا، غير أننا لا نتحدث بطبيعة الحال عن الشيء نفسه. إن الإيقاع ليس لا شيء بالتأكيد، ولا موضوعا يُراد الإمساك به. السؤال لا يمكن أن يُطْرح هكذا: ما هو الإيقاع؟ بل بالأحرى: ما الذي ندعوه إيقاعا؟
فالتعميم اللساني لاستعمال الكلمة يُعدّ، هنا، شَرْطا، وليس نتيجة، لوحدة الإيقاع بين الإنسان والطبيعة؛ فاستخدام اللُّغة هو الذي يصوغ وجود تفكيرنا، وليس العكس. والإنسان هو الذي يُسْقط خطاطات فكره على العالم، وليس العالم الذي يفرض «إيقاعاته» على الإنسان. وإذا كان لنا من حكم على هذا التعميم المتعسّف، فإنّما علينا أن ندين لعالم اللغة إميل بنفنيست بهذا الاكتشاف. في مقالته «مقولة الإيقاع في تعبيرها اللساني» (مشكلات اللسانيات العامة، غاليمار)، بحث بنفينيست جذور كلمة الإيقاع (ريثموس) وأشجار نسبها الاشتقاقي، ليكتشف العلاقة اللطيفة المعقودة بين الإيقاع وحركة الأمواج «المنتظمة»، ويدرك المعاني المختلفة للكلمة وما تدلُّ عليه في التراث الإغريقي ـ اللاتيني. وقد خلخل بنفينيست، من خلال هذا البحث الإيثيمولوجي، ليس مفهوم الإيقاع وحسب، بل أدمجه كذلك في نظرية العلامة، وهو ما ساهم ـ كما يقول هنري ميشونيك ـ في بلورة هذا المفهوم داخل شعرية الخطاب التي جعلها ممكنة، بحيث أصبحت القصيدة تُحلَّل باعتبارها كاشفة عن اشتغال الإيقاع داخل الخطاب.
الإيقاع وحركة الأمواج
يعتبر مفهوم «الإيقاع» أحد المفاهيم التي تهمُّ قطاعا عريضا من الأنشطة الإنسانية، وربما أفادنا في أن نميز بوضوح السلوكات الإنسانية الفردية والجماعية، بقدر ما نكون على وعي بالمدد والتعاقبات التي تنظمها، وحتى عندما نسقط الإيقاع على الأشياء والأحداث من جهة النظام الإنساني، إن هذا التوحد بين الإنسان والطبيعة باعتبار «الزمن» فواصل وعودات مماثلة، قد شرط استعمال كلمة الإيقاع بالتعميم داخل الفكر الغربي الحديث، بعد أن قدمت إلينا من اللغة اليونانية عبر اللاتينية. من أين اشتُقّ مصطلح الإيقاع، وما الذي يعنيه على وجه الخصوص داخل اللغة اليونانية نفسها، حيث يدلُّ (ريثموس) بالفعل عليه؟
يأتي الجواب، على نحو مماثل، من قبل جميع القواميس: ريثموس مشتقّ من فعل «جرى»، ومعنى الكلمة ـ يقول بواساك ـ تمّ استعارته من حركة الأمواج المنتظمة. وهذا ما كان يُعلَّم منذ أكثر من قرن، أي منذ بدايات النحو المقارن، وما زلنا إلى الآن نكرّره. وما هو، بالفعل، الشيء الأكثر بساطة وإرضاء؟ لقد تعلَّم الإنسان مبادئ الأشياء من الطبيعة، وولّدت حركة الأمواج في ذهنه فكرة الإيقاع. وهذا الاكتشاف مثبت في المصطلح ذاته. وليس ثمة صعوبة مورفولوجية لإعادة الربط بين «جرى» و«ريثموس» عبر الاشتقاق الذي علينا مراعاة ما يرد فيه من تفصيل. غير أن الرابط الدلالي الذي ينعقد بينهما عبر وسيط «الحركة المنتظمة للأمواج» ينكشف كمستحيل في أول اختبار.
يكفي أن نلاحظ أن فعل «جرى» مع مشتقاته الإسمية تدل في اليونانية على مقولة «جرى» وحسب، بيد أن البحر لا «يجري». فـ»جرى» لا تقال قطّ للبحر، ولا كلمة «ريثموس» نفسها تستعمل لحركة الأمواج. بخلاف ذلك، فالذي يجري هو النهر، الغدير. وعليه، ليس لمجرى النهر إيقاع. وإذا كانت «ريثموس» تعني «التدفق، الجريان»، فإننا لا نرى كيف اتخذت قيمة خاصة لكلمة «إيقاع».
إن ثمة تعارضا بين معنى «جرى» ومعنى «ريثموس»، ولن نتفادى صعوبته ونحن نتصور ـ وهو ما يعدّ ابتكارا صرفا ـ أن «ريثموس» بوسعها أن تصف حركة الأمواج. والأرجح أنّ «ريثموس» في استعمالاتها الأقدم لم تُقل للماء الذي يجري، ولا هي تعني كذلك «إيقاعا». إن أي تأويل مثل هذا لا يستند إلى معطيات دقيقة. وبطبيعة الحال، يلزم لابتعاث التاريخ الذي يظهر أقل بساطة، وأكثر فائدة كذلك، أن نشرع في تدشين الدلالة الحقيقية لكلمة «ريثموس»، ونعيّن استعمالها منذ البدايات التي تعود إلى عهد سحيق.
شكل.. ترتيب وتناسب
تغيب الكلمة في القصائد الهوميرية، ولا نعثر عليها بوجه خاص إلا عند الكتاب الأيّونيين وفي الشعر الغنائي والتراجيدي، ثم في النثر الأتيكي، ولاسيما عند الفلاسفة. ولا نمسك بالقيمة الخاصة لـ«ريثموس» إلا داخل مفردات الفلسفة الأيونية القديمة، وبالأخص لدى مبدعي النزعة الذرّية: لوسيب وديمقريطس، فقد جعل هذان الفيلسوفان من «ريثموس» مصطلحا تقنيّا، وإحدى الكلمات المفاتيح لمذهبهما. كما أن أرسطو الذي بفضله وصل إلينا العديد من شواهد ديمقريطس، قد نقل إلينا عنه الدلالة الدقيقة، وحسب نظره، تتأسس العلاقات الجوهرية بين الأجساد من خلال اختلافاتها المتساندة التي تفضي إلى ثلاث مقولات يُطبّقها بالتوالي على «شكل» حروف الهجاء و«نظامها» و«موضعها». ليس هناك أيّ تنويع؛ بمعنى التباس الدلالة التي ينسبها ديمقريطس إلى «ريثموس»، التي هي «شكل» دائما، وهو يقصد به الشكل المميز، الترتيب المخصوص للأجزاء داخل الكل، وهذه النقطة مفصلية يشقّ علينا مطابقتها مع مجموع الأمثلة القديمة.
نعثر على الكلمة داخل النثر الأيوني، كما عند هيرودوت وهو يتناول «شكل» الحروف الألفبائية، وليس مصادفة إن كان هيرودوت يستعمل «ريثموس لـ«شكل» الحروف، ثم ظلت الكلمة تستعمل عند مؤلفي المتن الأبوقراطي، وفي المعنى نفسه. وإذا توجهنا إلى الشعراء الغنائيين رأينا أن «ريثموس» ظهرت مبكّرا منذ القرن السابع للميلاد. وقد اتخذت لتعريف الـ«شكل» الفردي والمميّز للطبيعة الإنسانية. وعند التراجيديين أبقت الكلمة والأفعال المشتقة منها على المعنى نفسه في جميع النصوص المستشهد بها لكل من إشيل وسوفوكل وأوريبيد. ويستمر هذا المعنى للكلمة في النثر الأتيكي للقرن الخامس الميلادي، كأن يجعل كسينوفون من «التناسب» سمة الدرع الجيد، ونجد عند أفلاطون أن الكلمة تعني «التنظيم المتناسب» بين البحبوحة والعوز، و«تنشئة الشاب الفطن»، و«إعادة إنتاج الشكل»، متحدّثا عن الصور التي تعكسها المرايا. وهذا الفعل نفسه يعني أخلاقيّا «إصلاح الطبيعة» عند كسينوفون، ويجترح أرسطو منه معنى «غير الخاضع للشكل غير المنظّم».
إن الشواهد تكفي لتأكيد ما يلي:
إن «ريثموس» لا تعني بتاتا «الإيقاع» مند الأصل حتى المرحلة الأتيكية.
إنها لم تنطبق على حركة الأمواج المنتظمة.
إن المعنى الثابت هو «شكل مميّز، صورة متناسبة، تنظيم»، في شروط أكثر تنوّعا من جهة استعمالها. مثلما أن المشتقات أو المركبات الإسمية والفعلية للكلمة لا تستند بالمرة إلا إلى مقولة «الشكل». ولا يعني ذلك سوى حصر دلالة الكلمة في جميع أجناس الكتابات حتى العصر الذي انتهت إليه شواهدنا. إن هذا المعنى المتحصل يمكن ويجب التدقيق فيه. فبالنسبة إلى «الشكل»، توجد تعابير أخرى في اليونانية ينبغي أن يتميز عنها تعبير»ريثموس» بطريقة من ألّا تدلل عليها ترجمتنا. حتى بنية كلمة «ريثموس» يجب أن توضع موضع تساؤل.
يبعدنا المعنى الأول الذي استخلصناه عن فعل «جرى» الذي فُسّر على ضوئه. مع ذلك، ندع المقارنة التي تعتبر مورفولوجيّا ذات كفاية؛ فعلاقة «ريثموس» بـ«جرى» لا تدعو بحد ذاتها إلى أي اعتراض. وتدل «ريثموس» بحسب السياقات التي ترد فيها، على الشكل في اللحظة الذي يتمظهر فيها ما هو متقلب، متحرك، سائل وأيّ شكل ليس قواما عضويا: يتفق ومبدأ العنصر السائل، والحرف المصاغ اعتباطا، والميل الخاص بالطبيعة أو بالمزاج، إنه الشكل المرتحل، المؤقت والقابل للتعديل. يعتبر «جرى»، والحالة هاته، محمولا جوهريّا للطبيعة والأشياء في الفلسفة الأيونية منذ هيروقليدس، وقد اعتقد ديمقريطس أن ترتيبها المختلف وحده ينتج عنه اختلاف الأشكال والموضوعات، إذ إن الجميع ينتج من خلال الذرّات، لذلك يمكن أن نفهم أن «ريثموس» الدال حرفيّا على كيفية خاصة لفعل «انبثق»، قد عُدّ المصطلح الأخص لوصف «ميولات» أو «تشكلات» يكون بالضرورة طبيعيّا وناجما عن ترتيب هو مثار تغيير دائما. إن اختيار المشتقّ من «جرى» للتعبير عن هذه الصيغة النوعية لـ«شكل» الأشياء هو ميزة الفلسفة التي استلهمته؛ إنه تمثيل للكون حيث تتحدد التشكلات الخاصة بالمتحرك كـ»انبثاقات». هناك وشيجة عميقة بين المعنى الخاص لمصطلح «ريثموس» والمذهب الذي يبرزه باعتباره واحدا من مقولاته أصالة.
الإيقاع بوصفة فعالية الخطاب
كيف إذن تندرج مقولة «الإيقاع» داخل علم الدلالة هذا المنسجم والثابت لـ«الشكل»؟ وأي ارتباط لها مع المفهوم الخاص لـ«ريثموس»؟ تكمن المشكلة في الإمساك بالشروط التي جعلت من «ريثموس» الكلمة الأنسب للتعبير عما نقصده بـ«الإيقاع». هذه الشروط سبق أن تضمّنها جزئيّا التعريف المطروح سلفا. وينتج عن المعنى الحديث لـ«الإيقاع» الذي لا يخطئ وجوده في اليونانية نفسها، تخصيص ثانوي في البدء، يهمّ «الشكل» المثبت بمفرده إلى أواسط القرن الخامس للميلاد. هذا التطور في الإيقاع إنما هو إبداع ننسبه إليه بدون تاريخ أو حادث على الأقل.
وقد كان أفلاطون هو من ضبط مقولة «الإيقاع»، عندما حصرها في المعنى الجديد لقيمة «ريثموس» التقليدية. وينبغي الاستشهاد بالنصوص الرئيسة التي تثبت المقولة داخلها. في Philèbe (17d) يلح سقراط على أهمية الفواصل التي يجب التعرف على خصائصها، مميزاتها وتوليفاتها إذا نحن أردنا أن ندرس الموسيقى بدقة: «علّمنا أسلافنا يقول ـ إن ندعو هذه التوليفات «تناغمات» (…) «وعلّمونا كذلك أنه ينتج عن سمات أخرى متماثلة، ملازمة في الحين لحركات الجسد التي تخضع للأعداد، وأنه يجب أن نسميها إيقاعات وقياسات. في Banquet (187b): «.. التناغم تجانس، والتجانس اتفاق، إنه بالكيفية نفسها التي ينتج فيها الإيقاع عن السريع والبطيء، متعارضين أوّلا ثم متفقين». أخيرا، في Lois a665، يعلمنا أن الفتية يكونون حادّي الطبع وعنيفين، بيد أن نظاما ما، ميزة إنسانية بالخصوص، تظهر في حركاتهم: «هذا النظام في الحركة اصطلح عليه باسم الإيقاع، بينما سمي نظام الصوت الذي يتكون فيه الحاد والخفيض تناغما، وسمي اتحاد الاثنين فنّ الكورال». يلاحظ كيف أن هذا التعريف يصدر عن معنى تقليدي، ثم كيف يعدّله. كما يستعمل أفلاطون «ريثموس» بمعنى «الشكل المميز، التنظيم، التناسب». وهو يطبّقه على شكل الحركة، يكتشف أن الجسد الإنساني يكتمل في الرقص، وعلى تنظيم الصور التي تنحلُّ فيها هذه الحركة. من هنا، تظهر مقولة الـ«ريثموس» الجسدية، فيما هي تخضع لقانون الأعداد: هذا «الشكل» صار محدّدا من الآن بـ«قياس» وخاضعا لنظام. هو ذا المعنى الجديد لـ«الريثموس»: إن «التنظيم» (بالمعنى الخاص للكلمة) يتأسس عند أفلاطون من خلال متوالية متسقة من الحركات البطيئة والسريعة، مثلما أن «التناغم» ينتج عن تناوب الحاد والخفيض. ولن يكون هذا سوى النظام داخل الحركة، المُجْرى بأتمّه داخل الترتيب المتناغم للهيئات الجسدية المركّب مع الوزن، الذي صار من الآن يسمى «ريثموس».
يمكننا إذن أن نتحدث عن «إيقاع» الرقص، المشي، الغناء، الكلام، العمل. وكل ما يفترض فعالية متواصلة يفكّكها الوزن في أزمنة متوالية. صار مفهوم الإيقاع ثابتا. وانطلاقا من «ريثموس»، التشكل الفضائي الذي يحدده الترتيب والتناسب المميّزين للعناصر، ندرك «الإيقاع»، تشكُّل الحركات المتسقة داخل المدة: «كل إيقاع يتمُّ قياسه بحركة محددة» (أرسطو، Probl., 882 b2 ).
إن التاريخ الموجز هنا يساعدنا على تقدير تعقُّد الشروط اللسانية التي استخلصت منها مقولة «الإيقاع». وبعيدا عن التمثيلات التبسيطيّة التي توحي بها الإثيمولوجيا السطحية، وبمنأى عن تأمُّل لعبة الأمواج على الضفة، حيث اكتشف الهيليني البدائي «الإيقاع»، فإنّنا، على العكس من ذلك، نتكلم المجاز عندما نتحدث عن إيقاع الأمواج. وقد لزم تأمُّل عميق في بنية الأشياء، ثم في نظريّةٍ للقياس تُطبَّق على وجوه الرقص ومنحنيات الغناء من أجل تعرُّف مبدأ الحركة الموقَّعة وتعيينها. فليس هناك من «طبيعيٍّ» أقلّ من هذا التدشين الوئيد، بجهد المفكِّرين، لمقولةٍ تبدو لنا ملازمة، بالضرورة، للأشكال المتمفصلة للحركة التي يشقُّ علينا الاعتقاد بأنّنا وعَيْنا بها منذ الأصل.