«عَشَرة» للمخرج عباس كيارستمي… رؤية كاشفة للمرأة الإيرانية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: في فيلمه «عَشَرة» (2002) يقدم المخرج الإيراني عباس كيارستمي فيلما ثاقب الرؤية مرهف الحساسية عن حياة المرأة الإيرانية وأحلامها، وما يكبلها وما تواجهه في حياتها. العشرة، التي تعطي اسمها للفيلم والتي تشكل إطاره العام، هي عشر محادثات بين سائقة في طهران وركاب سيارتها، ومن بينهم ابنها واختها، وعدد من الصديقات وعدد من النساء الأخريات اللائي توصلهن إلى حيث يرغبن الذهاب.
«عشرة» فيلم بالغ السلاسة تجذبنا عفويته وبساطته، التي تحمل في طياتها الكثير من العمق الإنساني. في سيارة تجوب شوارع طهران تطالعنا أمام عجلة القيادة امرأة ثلاثينية (مانيا أكبري)، ترتدي نظارة شمس وحجابا وضع بدون إحكام، ليتبين منه بعض خصلات شعرها. هي امرأة تبدو من زينتها ومن حريتها في الملبس من الطبقة المتوسطة الإيرانية
تصبح السيارة واحة أمان لركابها، ومع الشعور بالأمان، تنطلق الألسن بالحديث، وتروي القلوب ما يثقلها وما يعتمل فيها. في حيز السيارة الآمن، وفي عالمها الصغير البعيد عن الرجال، ومع وجود الأذن الصاغية من السائقة، تسترسل النساء في الحديث. أحاديث كاشفة، تبدو عفوية بسيطة مرتجلة، وفي بساطتها يكمن صدقها وتأثيرها البالغ. تبكي إحداهن، فتقترح سائقة السيارة عليها أن تنزع عنها الحجاب قليلا في أمان السيارة حتى تستعيد أنفاسها. ولعلّ صورة نزع الحجاب مؤقتا لالتقاط الأنفاس هذه كناية عن الفيلم بأكمله. الفيلم فيه من البوح الصادق الكثير، وفيه الكثير من التجارب الإنسانية والحياتية والعاطفية للمرأة. لا تصدر سائقة السيارة أحكاما، ولا يصدر الفيلم أحكاما على النساء، أيا كان ما يروينه. 94 دقيقة هي مدة الفيلم، فيها من تكثيف المشاعر الإنسانية الكثير ومن الحديث من القلب الكثير. في حيز السيارة الآمن تذرف دموع الحب، ودموع الشكوى من قسوة المجتمع والرجال، وتشكو المسنات من هجر الأبناء، وتحكي النساء عن رغبات عاطفية، أو تجارب جنسية.
في مجتمع ذكوري أبوي، يبقى الغائب عن السيارة الحاضر دوما في حياة النساء هو الرجل. ولعلّها خطوة بالغة الفطنة من كيارستمي أن يجعل من ابن السائقة الصغير، الذي لا يزيد عمره عن تسعة أعوام، شخصية محورية في الفيلم. يبدأ الفيلم أولى محادثاته به، ويعود إليه في المنتصف، ثم في نهاية الفيلم، مما له دلالته الرمزية على مدى تحكم الرجل في حياة المرأة في مجتمع ذكوري. على الرغم من عمره الصغير، يبدو الصبي متسلطا نزقا غاضبا، يلوم أمه على حركاتها وسكناتها، ويدينها أشد الإدانة لإنها بادرت إلى طلب الطلاق من أبيه. يبدو الصبي محملا بتراث من الفكر الذكوري، متهما أمه بالإهمال، لأنها لا تطهو طعاما جديدا كل يوم، وينعتها بالأنانية لأنها فضلت الطلاق والاستقلال على البقاء معه ومع أبيه. إنه مجتمع يدين المرأة لرغبتها في الاستقلال ويكرس لوجودها ككائن مدجن منزلي. ويشغل الرجل أيضا جزءا كبيرا من أحاديث النساء في السيارة. نرى الرجل بأعينهن، الرجل في مختلف صوره: الزوج، الحبيب، الطليق، الأب والابن.
تقنيا، يقدم كيارستمي في الفيلم السهل الممتنع. يعتمد كيارستمي في التصوير على كاميرتين صغيرتين مثبتين في السيارة. أثناء المحادثات العشر في السيارة، وتنتقل الكاميرا ما بين السائقة والراكب. يعتمد الفيلم بأسره على هاتين الكاميرتين، وتمضي الكاميرا أحيانا بعض الوقت على وجه السائقة، أو على وجه من يركب معها السيارة، لقطات مقربة تظهر ما يختلج من مشاعر على الوجه، ولكنها تبتعد بعد برهة لمنح المتحدثات الخصوصية والحرية في الحديث، إنه فيلم يعطي للنساء المساحة الكافية للتعبير عن أنفسهن بدون أن يشعرهن بأنهن تحت المجهر. موازنة تتطلب الكثير من الإنسانية والتفهم، وهو ما يقدمه كيارستمي.
الحوار هو عماد «عشرة» وجوهره. حوار يبدو لصدقه وعفويته وكشفه حوارا مرتجلا يأتي من القلب مباشرة. يبدو لنا أحيانا أن كيارستمي يعبر ذلك الخيط الفاصل بين الروائي والوثائقي. اختار كيارستمي لفيلمه ممثلات غير محترفات، ما يمنح الفيلم الكثير من العفوية والصدق. الرغبة في الحرية خيط يجمع بين الكثير من المحادثات في السيارة. إنها الرغبة في أن تشعر المرأة بأنها ليست سلعة تنتقل من يد ليد، بل تحدد مصيرها الخاص.
ولعلّ النقاش الأهم لمفهوم الحرية وامتلاك الجسد يأتي في حوار السائقة مع بائعة هوى تركب معها السيارة ليلا. تقول الفتاة إنها امتهنت مهنتها لأنها تستمع بها وتستمتع بجسدها وبحريتها. وفي إدانة لمؤسسة الزواج التي تقوم في كثير من الأحيان على الشق المادي والاجتماعي، بدون مراعاة للعاطفة، تشير الفتاة إلى عقد ذهبي ترتديه السائقة، سائلة إياها «ألم تتودي إلى زوجك وتمنحيه جسدك حتى يشتري لك مثل هذه الهدية»! في مجتمع يضع المرأة في الدرجة الثانية بعد الرجل وينظر إليها كسلعة، فإن الزواج والدعارة يتساويان في كثير من الأحيان.
وفي مجتمع يقيد حرية المرأة ويدينها، كثيرا ما يأتي قرار الحرية حادا صارما لا رجعة فيه. يبدو ذلك من تلك المحادثة مع صديقة أخرى امضت سنوات في انتظار الارتباط بمن تحبه، ولكنه يقرر الارتباط بأخرى. ويأتي قرارها بالخلاص منه والتحرر من سطوته النفسية عليها، بأن تتجرد من شعرها تماما، كما لو أن حلاقة الرأس انعتاق من سطوة الرجل عليها، ومن تحديده الصورة التي يجب أن تكون عليها صورة الأنثى. الرجال يريدونها ذات شعر منسدل طويل لا يكشف إلا للمحارم، أما هي فتتمرد وتتجرد تماما من شعرها.
في «عشرة» يقدم كيارستمي فيلما بليغا على بساطته، فيلما صادقا بالغ التأثير، تثير فينا حواراته الكثير من التفهم والفكر، وتقدم صورة كاشفة للمرأة في المجتمع الإيراني، وتتخطى حدود المجتمع الإيراني لتعبر عن المرأة عموما، خاصة المرأة في المجتمعات الذكورية.

«عَشَرة» للمخرج عباس كيارستمي… رؤية كاشفة للمرأة الإيرانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية