‘روح تبحث عن جسد’. ذلك ما كتبه المؤرخ والسياسي الانكليزي اللورد أكتون عام 1862 في إحالة إلى بولندا (التي تعرف في المغرب العربي وفرنسا باسم ‘بولونيا’، وكان من كبريات المظالم الكروية – التي هي أقسى من مظالم التاريخ وأوجع – في مونديال 1978 الذي اقيم في الأرجنتين، أنها تفوقت على تونس بهدف يتيم ما كان لينشأ من عدم لولا كبوة من علي الكعبي وفطنة من غريغور بولسلاف لاتو نجح بفضلها حيث أخفقت الصفوة التونسية من طراز حمادي العقربي وتميم الحزامي ومحمد علي عقيد ونجيب غميض وطارق ذياب على ما بذل هؤلاء وأبلوا وعلى ما أبدعوا من معزوفات اللعب السمفوني). روح تبحث عن جسد: ذلك أن بولندا قد قاست نكبة التقسيم، من أواخر القرن 18 إلى أوائل القرن 19، أربع مرات. وما لم يكن يدريه اللورد أكتون أنها كانت منذورة للتقسيم مرة خامسة عام 1939. أما عند كتابته عنها، فقد كانت بولندا مجرد غنيمة موزعة بين بروسيا (النواة الصلبة للدولة الألمانية القادمة) وروسيا وامبراطورية النمسا والمجر، بحيث بقيت وطنا بلا كيان – اسم بلا جسم – قرنا كاملا، من 1815 إلى 1918.
يبدو اليوم بوضوح كاف أن الثورة الشعبية العربية التي اندلعت عام 2011 إنما هي مرشحة لأن تكابد – ربما لعقود – المصير التراجيدي ذاته الذي خبرته بولندا. ووجه المقارنة أنه إذا كان قد أتى على بولندا حين تاريخي مديد ظلت أثناءه، بل ضلت، روحا معذبة تائهة ‘ضليلة’ (كأبينا آدم الشعري امرىء القيس) تبحث عن جسد يلملم شعثها وسكن تجد في تعيّنه المحسوس المنقوص طمأنينة من قلق المثال وطلب الكمال الذي لا يطاقô فإن حقائق الجغرافيا البشرية ومآزق الثقافة السياسية عندنا سرعان ما أدركت الثورة الشعبية العربية فتفرق دمها – المشبع بكولسترول الأمية (97 مليونا، أي أكثر من ربع شعبنا، غارق في الأمية المطلقة) – بين إيديولوجيات الطوائف والقبائل والعوائل.
تفرق دم الثورة بين شعبوية النخب الشاربة نخب بقائها أهلا للحل والعقد والتحليل والتعقيد والتحريم، ونخبوية الجماهير(من الجمهرة لا الجمهور) الثابتة على دين ملوكها العاضّة بالنواجذ على مذهبهم في تأبيد الوضع القائم وتزيين العبث الدائم، وأرستقراطية الغوغاء الهانئة بموفور سعادتها الجالسة القرفصاء على منبسط حكمتها: حكمة السكون وسكينة الركون إلى بسائط الأمن والاستقرار والضرب على أيدي العابثينô تفرق دم الثورة العربية بين قبائل وعوائل وطوائف وجمهوريات وديمقراطيات ليس فيها جمهوريون ولا ديمقراطيون ولا يحزنون، حتى صارت لاجئة تبحث عن بلد يجسدها فيحققها ويبلغها مأمنها وعن وطن يؤويها فيصالحها مع قيم المدنية والسلمية والمؤسسية ويوفر لها نخبا جديرة بقيادة مصائر شعوبها، ويضمن لها شعوبا قديرة على الاضطلاع بمسؤولية الانعتاق من سيىء العادات والممارسات وقديم الهيام بالزعامات.
أما أوضح مؤشر على ‘بولندية’ المصير المحتمل فهو ‘روسية’ المسار المشهود، أي ما كنا عنيناه هنا عندما قلنا إن شبحا يخيم على الثورات العربية هو شبح روسيا البوتينية. ذلك أن اليأس الاجتماعي قد فاقم الحاجة إلى الزعيم المنقذ أو النظام القوي. ولهذا فإن الأنظمة أخذت تتدبر أمرها لتعود سيرتها الأولى فتخرج ناصعة من غير سوء ديمقراطي.