«مشروع فلوريدا» للأمريكي شون بيكر… وقت للبراءة في زمن قاس!

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: يحمل عنوان فيلم «مشروع فلوريدا» (2017) للمخرج الأمريكي شون بيكر قدرا كبيرا من السخرية والمفارقة. اسم «مشروع فلوريدا» هو الاسم الذي أطلقه في بادئ الأمر والت ديزني على مشروعه الضخم لإنجاز قصر الألعاب الشهير في ولاية فلوريدا، تلك البقعة من العالم التي أصبحت محط أحلام الصغار من شتى بقاع العالم، هؤلاء الأطفال الذين يملك آباؤهم المال ليصطحبوهم إليها. حين أقام ديزني مشروعه الضخم كان تعهده أن يصبح «مشروع فلوريدا» جالبا للرخاء والنماء لولاية فلوريدا، التي تعرف باسم «ولاية الشمس الساطعة»، لمنتجعاتها وشمسها وشواطئها.
ولكن فيلم «مشروع فلوريدا» يصحبنا إلى عالم يبعد كل البعد عن عالم السياحة والشواطئ والأثرياء الذين يأتون للولاية للاستجمام. على بعد خطوات من الساحل المشمس، الذي لا نراه قط في الفيلم، نرى مجمعا سكنيا تكسوه ألوان مشرقة براقة، ولكن يبدو عليه الفقر البالغ. إنه مشروع فلوريدا الآخر، تلك الفنادق السكنية الفقيرة، التي توفر إقامة محدودة السعر لمهمشي الولاية وفقرائها وأسرهم.
تحمل هذه المباني ذات الألوان الزاهية أسماء بها من السحر والتفاؤل الكثير، أسماء مثل «القلعة السحرية» و»أرض المستقبل»، اسماء تعد ببهجة لا تفي بها، فهي مبان سكنية تحمل من قسوة العالم الرأسمالي الكثير، فسكانها من الفقراء، الذين تطحنهم عجلة المجتمع، وهم عرضة للطرد الفوري إذا ما تأخروا عن سداد الإيجار، ذلك الإيجار الذي يشق على الكثير منهم رغم انخفاضه مقارنة بالإيجارات الأخرى.
ولكن أجواء الأسطورة وقصة الأطفال السعيدة الملونة بألوان مبهجة لم تغب عن الجميع. فما زال الأطفال الصغار في المبنيين الفقيرين يعرفون كيف يخلقون لأنفسهم البهجة ويصنعون عالما عامرا بالمحبة والصداقة.
في «القلعة السحرية» تعيش موني (بروكلين كيمبرليبرينس في أداء متميز) ذات الستة أعوام صاحبة الضحكة من القلب والطاقة التي لا تنضب والقدرة على صنع البهجة من أقل القليل. تعيش موني مع أمها هالي (بريا فينيتي) تلك الشابة التي تحتال على الحياة حتى تجد قوتها وقوت ابنتها. تبيع العطور الرخيصة (span ) التي اشترتها بسعر الجملة، بأسعار أعلى، تبيع حقوق الانتفاع من منازل الإيجار للمصيف بأسعار مخفضة للسياح، وعندما توصد الأبواب جميعا، فلا يوجد أمامها سوى أقدم مهنة في التاريخ للحصول على مال للإيجار والطعام.
في عالمها البريء تكاد موني ألا تكون مدركة لما تتكبده أمها من معاناة لتدبير العيش. هي بعيدة كل البعد عن عالم من هم أكثر مالا ومن يحيطون بها في ظروفها المعيشية نفسها، ويحفظ عدم معرفتها عليها براءتها. تمضي موني أيامها في اللعب مع صديقها سكوتي (كريستوفرريفيرا)، يشاغبان ويشاكسان ويضحكان، ثم يتعرفان على جارة في عمرهما من مبنى قريب. ويمضي الثلاثة أوقاتهم معا، وأقصى متعة لهم هي الآيس كريم الذي يجمعون ثمنه الضئيل ويتقاسمونه معا.
يتناول بيكر، الذي حظي فيلمه الأول «تانجرين» (2015)، الذي تدور أحداثه عن بائعة هوى متحولة جنسيا، بإشادات نقدية واسعة، والذي صوره كاملا بكاميرا هاتفه المحمول، يتناول الأطفال وحياتهم بحساسية كبيرة، وبتعاطف كبير مع الأطفال وبراءتهم، ولكنه أيضا لا يتوانى عن تصوير الظلم الاجتماعي الذي يواجهه الأطفال والذي تواجهه هايلي، والدة موني. في بعض الأحيان تبدو لنا هايلي طفلة هي الأخرى، طفلة تحاول اكتساب الجرأة للعيش والتطاحن في العالم الكبير.
كما هو الحال في فيلمه «تانجرين» يسعى بيكر لتسليط الضوء على جماعات مهمشة اجتماعيا واقتصاديا. يوضح الفيلم أن براءة الأطفال تحميهم في كثير من الأحيان من ملاحظة شظف العيش وصعوبة الحياة التي يعرفها آباؤهم. تقدم برينس أداء صادقا يتدفق حيوية في دور موني الصغيرة، ويجيد بيكر توجيهها والانتفاع من طاقتها التمثيلية وحيويتها التي تشيع البهجة في الفيلم.
ولعلّ أهم ما يميز الفيلم أنه ينأى بنفسه عن البكائية أو استدرار مشاعر المشاهد. لا يستغل بيكر الفقر ليجعل منه بكائية، ولكننا نمضي ساعتين في أجواء مشروع فلوريدا وفي عالم ابنائه الصغار ونرى العالم عبر منظورهم.

«مشروع فلوريدا» للأمريكي شون بيكر… وقت للبراءة في زمن قاس!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية