في سنة 1988 كانت «العاطل عن الوردة»، مجموعة الشاعر العراقي باسم المرعبي، قد فازت بجائزة يوسف الخال، التي اعتادت مجلة «الناقد» تنظيمها وتكريسها للإصدار الأول. وبدا واضحاً أن تلك المجموعة لا تطلق صوتاً شعرياً شاباً، جديداً وحارّاً ومتحرراً من قيود شتى في المعنى والمبنى، فحسب؛ بل هي تُدخل إلى المشهد شاعراً نضج لتوّه، أو كان يُنضج تجربته بأناة وطموح وحرّية ونزوع جارف إلى التجريب والتفرد.
وفي «الأعمال الشعرية» هذه بات في وسع القارئ أن يتابع كامل المجموعات العشر: «كلمات ثم كلمات»، «صورة الأرض»، «الأرض المرّة»، «سماء بطائر واحد»، «أكثر من أثر»، «الدمُ قراطية»، «ظلال وأقنعة»، «لا مكان لنا»، «في مدار الطوفان»؛ فضلاً عن المجموعة الأولى. ولقد ظلّ المرعبي وفياً لخياره المبكّر في اعتماد قصيدة النثر والتفعيلة، بمهارة واقتدار، وعلى نحو قصدي يتوسل استقراء ما في الشكلين من طاقات عالية، قابلة للتطوير والإغناء. كذلك ظلت موضوعاته في حال ديناميكية من التنوّع من حيث استكشاف أغوار اشتباك الذات مع معضلات الوجود، في الزمان والمكان؛ وإطلاق ضمير المتكلم في دوائر كونية، تراجيدية تارة وغنائية طوراً.
هنا قصيدة «كلمات ليست متأخرة عن جان دمو»، من مجموعة «لا مكان لنا»:
البصيص الذي يأتي من داخلك
سرعان ما تردمه بالكحول والدخان
كذرّة رمل عطشى ترقد في مستقرك
لم يعرفك أحد يا جان
وبقدر ما كنت تنغمر في الصخب حدّ اضمحلالك
إلا أنك كنت وحيداً
ثمة قشرة صلدة داخلك تعزلك عن الآخرين
تعزلك عن نفسك
لم يعرفك أحد يا جان..
أنت أكثر من مرآة
أكثر من صورة
كنت تتلذذ بلعبة التمويه هذه
حدّ لم تعد تميز، في النهاية، أنت ذاتك بينك وبين الصور المتولدة في المقاهي، البارات، مراكز التوقيف، غرف الأصدقاء المؤقتة، الأقبية، استعلامات الصحف، مراكز الاستشفاء، صفقات كتابة القصائد في بيروت، المجلات الفاضحة، مشاريعك الناقصة أبداً
………….
في نهاية العالم
اكتمل، أخيراً، وجود رجل يدعى جان دمو.
غاليري أي و بي، ستوكهولم 2016
باسم المرعبي: «الأعمال الشعرية»