دخان «بريكست» الأبيض يبعد شبح الفشل

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: وأخيراً تصاعد الدخان الأبيض من مقر المفاوضات حول «بريكست» في العاصمة البلجيكية بروكسل، وتم إبعاد شبح الفشل ولو بشكل مؤقت من على طاولة المفاوضات المنعقدة بين المملكة المتحدة البريطانية والاتحاد الأوروبي. ويبقى ملف التعويضات المالية التي يجب على لندن أن تدفعها إلى الجانب الأوروبي، قيد النقاش، وهو الملف الأكثر تعقيداً. والجانبان لديهما توجهات مختلفة ومصالح متضاربة ما يزيد من صعوبة الجولات المقبلة للمباحثات بهذا الشأن. وأكد المسؤولون الأوروبيون والبريطانيون نهاية الأسبوع أنه حصلت «التطورات الكافية» خلال الجولات الأخيرة للمفاوضات حول كيفية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأن الطريق أصبح ممهداً للجولات المقبلة من المباحثات لمناقشة الملفات المتبقية، خاصةً ملفي التعويضات وشكل العلاقات التجارية.
وأعلن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، أن المفاوضات تقدمت «بشكل كافي» حول حقوق المواطنين الأوروبيين الذين يعيشون في بريطانيا، قائلا أن حقوق المواطنين البريطانيين سيتم الحفاظ عليها داخل حدود دول الاتحاد الأوروبي كما كان سابقاً، وأن هؤلاء سيتمتعون بجميع الحقوق المعيشية والطبية والاجتماعية بعد «بريكست». ويسكن ما لا يقل عن 3 ملايين من مواطني الاتحاد الأوروبي على الأراضي البريطانية، وأكثر من مليون بريطاني يعيشون في دول الاتحاد. وسادت أجواء القلق حول مصير المواطنين الأوروبيين في بريطانيا بعد بدء المفاوضات المتعلقة بخروجها من الاتحاد، بسبب ضبابية القوانين حول مستقبل تواجدهم هناك.
ووصفت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي، التقدم الأخير خلال المفاوضات، بأنه «حصول الجانبين على نتائج مهمة فتحت الباب أمام المرحلة الثانية من المفاوضات المتعلقة بتحديد شكل العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما». وحول العثرة المهمة الأخرى المتمثلة بالحدود بين الشطرين الشمالي والجنوبي لإيرلندا، قالت ماي إن إيرلندا الشمالية هي جزء من الأراضي البريطانية وستبقى، وإن إيرلندا الجنوبية ستبقى جزءاً من الاتحاد الأوروبي. وأوضحت أن حالة الحدود البرية بينهما ستبقى كما الحال عليه الآن، وأنه لن يتم بناء أي حواجز أو إنشاء أي سيطرة حدودية هناك. وأثار ملف إيرلندا جدلاً كبيراً خلال الفترات الماضية وتعثرت المفاوضات بسببه، لكن التوافق الأخير يضمن للمواطنين الإيرلنديين حرية التنقل والعمل بين إيرلندا الجنوبية والشمالية كما هو الحال عليه الآن.
وأكد يونكر وماي أن المرحلة الثانية للمفاوضات ستبدأ قريباً (دون تحديد موعد لها) وأن الملف المالي سيكون على رأس قائمة الأجندة المطروحة. وأعربا عن أملهما أن تُبذل قصارى الجهود من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي يضمن مصالح جميع الأطراف، رغم التوقعات التي تحدثت عن صعوبة المرحلة المقبلة والخلافات المتزايدة في شأن الملف الاقتصادي.
ومن هنا تظهر النقطة الخلافية الأخرى بين الجانبين وهي أن الاتحاد الأوروبي لا يريد توافقاً يعتبر إنجازاً في صالح بريطانيا، وأنه لا يريد إطالة فترة المفاوضات أيضاً. بينما الجانب البريطاني لديه أجندة أخرى تتعارض مع سياسة الاتحاد لهذه المفاوضات. ولا تريد ألمانيا ولا فرنسا بصفتهما العمودين الرئيسيين للاتحاد فترة طويلة من المفاوضات التي من شأنها ان تساعد المملكة المتحدة على امتصاص التداعيات السلبية لفك ارتباطها السياسي الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي. وإذا نجحت بريطانيا في تحقيق ما تريده بشكل كامل، سيؤدي ذلك إلى تأجيج النزعات الانفصالية من الاتحاد، ويقوي رغبة بعض الدول الأوروبية على الخروج من الاتحاد. والمطلوب بالنسبة للقادة التجاريين الألمان هو أن «تقدم بريطانيا تنازلات ملموسة لصالح الاتحاد الأوروبي، وان لا تحصل لندن على توافق نهائي مربح لصالح النهج الذي يريد القضاء على الاتحاد».
وتأكيداً لهذا التوجه، حذر رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، من أن «مراحل مفاوضات بريكست على الطريق ولم تبدأ بعد» مضيفاً أن الانفصال هو أمر صعب، لكن الأصعب والأكثر تعقيداً هو التوافق حول شكل العلاقات المستقبلية. وأوضح أن التوافق الأولي حول بعض الترتيبات أخذ وقتاً أكثر من عام ونصف العام، بينما لم تبق إلا سنة واحدة للجولة الثانية للمفاوضات وتطبيق التوافقات المحتملة لها، مشككاً في سهولة إنجازها، وطالب دول الاتحاد الأوروبي بالإسراع في بدء المرحلة الثانية من المفاوضات مع بريطانيا. وتم تحديد موعد شهر آذار/مارس 2019 كموعد نهائي لانفصال بريطانيا الكامل عن الاتحاد الأوروبي. ونجحت لندن خلال الجولات الست من المرحلة الأولى للمفاوضات ومن خلال المماطلة حول الملفات العالقة، في إطالة فترة المفاوضات أكثر من الفترة المتفق عليها.
ويتصدر ملف التعويضات المالية التي يجب على بريطانيا أن تدفعها إلى الجانب الأوروبي، أجندة المباحثات المقبلة، ولا توجد أي رؤية ملموسة حول كيفية حله حتى الآن، وكل جانب يطرح أرقاماً مختلفة عن مبلغ التعويضات. وكشفت قناة «بي بي سي» الحكومية البريطانية نقلاً عن مصادر مطلعة أن لندن لن تدفع أكثر من 50 مليار يورو (ما يقارب 59 مليار دولار أمريكي) كتعويضات مالية لفك الارتباط الاقتصادي مع الاتحاد. لكن قبل ما يقارب شهرين صرحت رئيسة الوزراء البريطانية أن بلادها مستعدة أن تدفع مبلغ 20 مليار يورو للاتحاد الأوروبي ولا أكثر. بينما كتبت صحيفة «دايلي تلغراف» البريطانية أن لندن ستدفع بين 45 إلى 55 مليار يورو للأوروبيين لفك الارتباط. وفي تقديرات مختلفة أخرى، كتبت صحيفة «فايننشال تايمز» أن المبلغ الإجمالي للتعهدات المالية البريطانية تجاه الاتحاد الأوروبي يقارب 100 مليار يورو خلال العقود المقبلة، ولأن بريطانيا ستدفع مبلغ تعهداتها في دفعة واحدة وبعد التوصل إلى الاتفاق النهائي حول «بريكست» سيتم تقليل المبلغ إلى أقل من النصف أي ما يقارب 50 مليار يورو. بينما طالب الاتحاد الأوروبي رسمياً أن تدفع لندن 60 مليار يورو كتعويضات.
وتشكل كيفية التوافق حول مبلغ التعويضات أهمية كبيرة بالنسبة للأوروبيين خاصة خلال القمة الأوروبية في يومي 14 و15 كانون الأول/ديسمبر الحالي، وسيسمح هذا للمفاوضين التسريع في تحديد شكل العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين، وسيساعد بريطانيا على التسريع في إخراج اقتصادها من الحالة الضبابية التي تمر بها حالياً والتي أدت إلى الركود في العديد من القطاعات.
ومن جهة أخرى، تتعرض تريزا ماي لضغوط كبيرة من قبل منتقديها لتحسين شروط بريطانيا في المفاوضات، ويشدد هؤلاء بأنه يجب على حكومة ماي أن تحافظ على مكانة بلادهم في السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي الأوروبي، ووجهوا لها انتقادات كثيرة لأنها لم تفلح في ذلك. بينما أكدت الحكومة أنها واثقة من أن الاتفاق النهائي سيضمن المصالح البريطانية بشكل كامل. وأكد زعماء حزب العمال البريطانيون أنهم لن يوافقوا على أي توافق إلا أن تشمل قوانين السوق الأوروبية الواحدة والاتحاد الجمركي الأوروبي جميع الأراضي البريطانية. بينما رفض وزير «بريكست» في الحكومة وكبير المفاوضين البريطانيين ديفيد ديفيس، مطالب المنتقدين، قائلاً إن المواطنين صوتوا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأن ذلك يشمل الخروج من السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي أيضاً. وشدد على أن الحكومة لن تسمح أن يبقى جزء من بريطانيا ضمن السوق الأوروبي أو الاتحاد الجمركي، موضحاً أن القوانين التي سيتم وضعها لإيرلندا الشمالية يمكن تعميمها على باقي الأراضي البريطانية.
ومن زاوية ثانية، صرح مدير عام منظمة التجارة العالمية روبرتو كارفاليو دي أزيفيدو، أنه إذا لم يتم توقيع اتفاقية تجارية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ستكون هناك صعوبات للتجار البريطانيين في تعاملاتهم مع باقي دول العالم، لكنه أكد أن ذلك لا يعني أن جميع الطرق تم إغلاقها. وأضاف أن ما يقارب نصف تجارة بريطانيا مع الخارج تتم على أساس قوانين وقواعد منظمة التجارة العالمية، وأنه بعد فك الارتباط بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، سيعمل البريطانيون وفق قوانين المنظمة.
وأعرب العديد من الخبراء عن عدم تفاؤلهم بالمفاوضات الحالية بين لندن وواشنطن لعقد شراكة اقتصادية بدلاً من الاتحاد الأوروبي، مشددين على ضرورة التركيز على التواصل إلى اتفاق جيد مع الأوروبيين بدلا من الأمريكان. واعتبر الحائز على جائزة «نوبل» للاقتصاد جوزيف ستيغليتز، أن المفاوضات التجارية البريطانية الأمريكية هي مضيعة للوقت، وأنه لا يمكن لبريطانيا أن تثق بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حول عقد شراكة تجارية مع حكومته. وأوضح أنه إذا تريدون التعرف على مستقبل التفاوض مع إدارة ترامب، تابعوا مسار المباحثات الجارية حول مستقبل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا» بين الدول المعنية. وشدد على أنه يجب على بريطانيا أن تركز على التوصل إلى «اتفاق جيد» مع الأوروبيين، وألا تعول على الأمريكان. بينما تعتبر الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري لبريطانيا بعد الاتحاد الأوروبي، وتستورد أمريكا ما يقارب 20 في المئة من الصادرات البريطانية للبضائع والخدمات.

دخان «بريكست» الأبيض يبعد شبح الفشل

محمد المذحجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية