لندن ـ «القدس العربي»: لم يَعد هناك شك بأن تأثير الرياضة بوجه عام وكرة القدم بالأخص، أصبح الآن أقوى من تأثير السياسة على الرأي العام في كثير من دول العالم، خصوصا المجتمعات المُتعلقة بالقوى الناعمة، وهذا تجلى بوضوح في ردود الأفعال الهائلة على إشارة لاعب وسط مانشستر يونايتد بول بوغبا، التي أعلن خلالها تضامنه مع أبناء قارته الذين دفعوا ثمن هجرتهم المعروفة إعلاميا بـ»غير الشرعية» بحثا عن الرزق في أرض الله الواسعة، بدخول مزادات بيع وشراء كعبيد في سوق لا يختلف كثيرا عن مشاهد سوق الرقيق في الدراما العربية التاريخية.
بداية المشهد
قبل أكثر من شهر من وقتنا هذا وتحديدا أواخر أكتوبر الماضي، بثت شبكة «سي ان ان» الأمريكية مقطع فيديو صادم، يُظهر عودة عقارب الزمن لعصر الرق والعبودية، وكأن بالأمس القريب تّحول الأمير محمود ابن ممدود إلى العبد قطز أو محمود، الذي فقد جهاده في الملحمة الكلاسيكية الشهيرة «وإسلاماه» أو مسلسل الفرسان، ولسنا الآن في2017! لكن الفاجعة الكبرى أتت من ليبيا بتوثيق لحظات بيع رجلين في مزاد علني بثمن بخس بنفس النص القرآني. وهذا في مجمع قالت عنه مراسلة المصدر، أنه يحوي آلافا من المهاجرين القادمين من مالي والنيجر ونيجيريا وغانا، كانوا يحلمون بالوصول للأراضي الأوروبية.
ردود الأفعال
كان طبيعيا أن يتصدر مقطع الفيديو عناوين وسائل الإعلام العالمية، وأيضا لم تكن مفاجأة صارخة أن يُدرج ملف المهاجرين الأفارقة في قمة الاتحاد الأفريقي الـ25 التي عُقدت في ابيدجان في كوت ديفوار مطلع ديسمبر/كانون الاول الجاري، لكن ما فاق كل التوقعات، هو أن يُحدث بوغبا هذا التأثير الكبير في توعية الشباب من مختلف أنحاء العالم، لما حدث أو ربما ما زال يحدث في ليبيا، مع أبناء القارة التي هاجر منها إلى فرنسا برفقة عائلته. كل ما فعله أغلى لاعب في العالم سابقا، أنه أظهر اعتراضه على الطريقة التي يتعامل بها الأفارقة في إحدى القرى الليبية، بتمثيل مشهد تكبيل الأيدي بالسلاسل لحظة احتفاله بهدفه الذي سجله في شباك نيوكاسل، بعد عودته من إصابته في التي أبعدته أكثر من شهرين عن الملاعب. وهو الاحتفال الذي لم يكن الكثير من متابعيه يفهم مغزاه الحقيقي، إلى أن قال بنفسه عبر حسابه على انستغرام «بعيدا عن فرحتي بالعودة مرة أخرى. لكن في صلاتي أدعو لأولئك الذين يُعانون من العبودية في ليبيا. الله معكم وتنتهي هذه القسوة قريبا».
شهادة للتاريخ
يقول إيتايي فيريري، وهو المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة: «لاحظنا زيادة في الاهتمام قدرها 100 مرة بعد بادرة بوغبا الطيبة، كان بإمكانه أن يحتفل بأي طريقة أخرى، لكنه أراد أن يفعل ذلك، وهذا ترك صدى لا يُصدق بين الشباب في جميع أنحاء العالم. نعرف أن أغلب الناس يُحبون كرة القدم، لذلك إشارة بوغبا أثارت انتباههم، ويُمكن لهؤلاء الشباب أن يحشدوا مثلهم من دول مختلفة ليتضاعف اهتمام الرأي العام العالمي بالموضوع الذي لم يكن أحد يعرف عنه أي شيء أو يهتم به قبل أسابيع قليلة». على الفور، سارت كوكبة من ألمع نجوم القارة على نهج الفرنسي المولد، الغيني الأصل، بتدشين حملة «خارج كرة القدم… أنا لست للبيع»، رّوج لها لاعب فياريال سيدريك باكامبو وشيخو كويات وجيفري كوندوغبيا والشيخ دوكور، وآخرون ينتظر فيريري انضمامهم للحملة، لاعتقاده بأن لاعبي كرة القدم المشاهير لديهم مفعول السحر في التأثير على الشباب، لزيادة التوعية في ما يتعلق بأزمة الهجرة التي تدفع شباب القارة للتضحية بأنفسهم في سبيل تحقيق حلم الوصول لأوروبا.
استجابة
أهم ما تطرق فيريري للحديث عنه في ختام المقابلة، هو نجاح منظمة الهجرة في إجلاء أكثر من 13 ألف عالق بين ليبيا وشواطئ أوروبا، وإعادتهم إلى بلادهم منذ بداية العام، ومن المتوقع أن يزداد العدد لأكثر من 15 ألف آخرين، بعد استجابة زعماء الاتحاد الأوروبي والأفريقي الـ80، لحملة بوغبا واللاعبين الأفارقة، بالتعهد بتقديم كل أنواع المساعدة للحكومة الليبية المؤقتة للقضاء نهائيا على أزمة المهاجرين الأفارقة وقبلها وقف انتشار ظاهرة تجارة العبيد البائدة. ونُلاحظ أن هذا التحرك الـدولي السريع جدا، لم يأت إلا بعد دخول القوى الناعمة على الخط بتلك الاحتفالات الثائرة التي كان لها مفعول السحر في انتشار هذه القضية أكثر من أي وقت مضى… هذا باختصار شديد يعكس مدى تأثير لاعب كرة القدم أو الشخص الرياضي على الرأي العام في المرحلة الحالية.
عادل منصور