تونس ـ «القدس العربي»: يعتبر فن التطريز الفلسطيني أحد أهم وسائل التعبير لدى النساء الفلسطينيات في الداخل والشتات للدلالة على تمسكهن بهويتهن وتراثهن الذي يسعى الاحتلال الصهيوني إلى طمسه منذ قيامه سنة 1948. وهو أحد أسلحة نضالهن ضد هذا الاحتلال الغاشم والجاثم على أرض فلسطين منذ سبعين عاما. والتطريز حاضر بقوة في الندوات والملتقيات إلى جانب المعارض، والاجتماعات المتعلقة بفلسطين وقضيتها.
ويعود تاريخ التطريز الفلسطيني إلى الكنعانيين، سكان فلسطين وبلاد الشام الذين برعوا فيه، فهو إذن جزء من ثقافة وموروث الشعب الفلسطيني وليس دخيلا عليه أو تقليدا عن جهة ما. ويتمثل في الأساس في عملية دمج عشرات الزخارف والألوان والأشكال لتعطي مجتمعة رسوما جميلة تزين المنسوجات، وفي كل رسم لغة تمثل قصة الثوب المطرز وحكاية من ترتديه.
تصر الناشطة الفلسطينية هناء محمد مغامس على ارتداء الكوفية في كل تنقلاتها في أرجاء تونس وذلك حرصا منها على التمسك بهويتها التي تفتخر بها وحنينا منها إلى الديار التي حرمت منها غصبا بسبب الاحتلال. وهناء قدمت إلى تونس منذ طفولتها بعد ان نجت عائلتها من مجزرة صبرا وشاتيلا واستقرت فيها سنة 1985 شأنها شأن أغلب الجالية الفلسطينية المقيمة في تونس التي جاءت بعد اجتياح الصهاينة لبيروت سنة 1982 والسنوات التي تلت هذا الحدث الأليم. ومغامس الآن بصدد إنشاء مشروع للتطريز الفلسطيني لأول مرة في تونس وكلها أمل في نجاح مشروعها الذي تعلق عليه آمالا كبيرة.
وتروي الفنانة والناشطة الفلسطينية لـ «القدس العربي» قصة عشقها لفن التطريز قائلة: «بدأ حبي للتطريز منذ الخامسة عشرة من عمري عندما كنت أشاهد أختي الكبيرة تطرز وتعلمت منها وأتقنت هذا الفن. وحبي له نابع من حبي لفلسطين التي حرمت منها، وأرى ان المقاومة ليست فقط سلاحا، بل نستطيع دحر العدو بالثقافة والفن». وأكدت ان هناك أمنية لطالما راودتها وهي إنشاء مشروع تراثي خاص بفلسطين في بلد الاغتراب وها هي اليوم تقترب من تحقيق حلمها. وقالت: «صحيح أنني لا أعيش في وطني، لكن الوطن يسكنني، لذلك فكرت بإنشاء مشروع للتطريز وأنا فخورة لأنني أول امرأة ستقوم بتعليم التطريز في تونس. يجب الحفاظ على هذا التراث الذي يعتبر ركيزة من ركائز حضارتنا وهويتنا الوجودية، حيث حاول الاحتلال بعد اغتصاب الأرض سرقة كل ملامح الحضارة والتراث الذي يميز هويتنا الفلسطينية».
وأضافت: «أحاول من خلال مشروعي الحفاظ على ديمومة هويتنا، وبمشاركة نساء فلسطينيات وتونسيات سأقوم بتدريبهن على اكتساب مهارة التطريز وسأسعى إلى استخدامه حتى على الموديلات الحديثة من الملابس تلبية لرغبة جميع الأذواق».
وتؤكد مغامس ان مشاهدتها لعروض أزياء صهيونية تسلب التراث الفلسطيني وتدعي ملكيته، جعلها تشعر بالحزن والأسى وتفكر في جعل التطريز أحد أهم أسلحتها للدفاع عن الهوية الفلسطينية المستهدفة. وفي هذا الإطار شاركت هناء في عدة معارض فنية وحرفية في تونس وقامت بواجبها في التعريف بتراثها الوطني من موقعها.
وعن قيمة هذا الفن في التاريخ الفلسطيني تجيب: «الثوب هوية ووثيقة لوجودنا في كل قرية ومدينة فلسطينية، فالمرأة تطرز الأثواب من خلال البيئة التي تعيشها، ليصبح ثوبها هويتها، مثلا اشتهرت يافا ببساتين البرتقال، فطرزنا زهر البرتقال على ثوب يافا وأحطناه بشجر السرو، ثوب المرأة في بئر السبع كان أحمر ولكن إذا توفي زوجها يتغير لونه إلى الأزرق، هكذا نستطيع ان نعرف إلى أي قرية ومدينة تنتمي المرأة بناء على الثوب الذي ترتديه».
وأكدت مغامس على ضرورة تجديد التراث ليتم استخدامه في الحياة العصرية ولينتقل من المتحف إلى الحياة اليومية، ويتناسب مع مختلف الأعمار والأذواق، مثلا الثوب الطويل يصعب استخدامه في الحياة اليومية وفي العمل، فلجأت مغامس إلى دمج قطب الثوب الأصلي في فساتين يمكن ارتداؤها يوميا للعمل، والهدف هو نقل الموروث الثقافي من المتحف إلى الشارع بطريقة عملية.
وتلجأ مغامس إلى حياكة عبارات فلسطينية على الثياب تستنهض الهمم مثل «عائدون» و»القدس لنا» وتزين خريطة فلسطين جل أعمالها في الكوفيات والملابس ومختلف الاكسسوارات التجميلية التي تحيكها. وهي تسعى لفرض نفسها في تونس وربما خارجها بناء على طموحها الكبير وعملها الدؤوب الذي لا يعرف الكلل والملل.
روعة قاسم