لايوجد حل شامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون القدس

حجم الخط
2

 

صدر حديثا عن دار «ليت فيرلاغ» للطباعة والنشر في جمهورية ألمانيا الاتحادية كتاب بعنوان «مدينة القدس كحجر اختبار لعملية السلام في الشرق الأوسط… تحليل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية» للدكتور باسل مغالسة، ضمن السلسلة العلمية والأكاديمية للعلوم السياسية، والاقتصاد والعلوم الاجتماعية في ألمانيا.
يبدأ الكتاب من منطلقين أساسيين: الأول يكمن في اعتبار ان قضية القدس حجر اختبار رئيسي لعملية السلام في الشرق الأوسط. والثاني يعتبر أن قضية القدس تمثل البؤرة الرئيسية التي بدورها تعكس مجمل مكونات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المختلفة والتي تنطوي على قضايا متعددة منها الأرض والهوية والدين. من هنا تم التأكيد على ان من الصعب التوصل إلى حل شامل للصراع دون الوصول إلى حل عادل ودائم للمدينة. فقضية القدس مرتبطة بالهوية الوجودية والوجدانية على مدى التاريخ.
اهتم الكاتب بطرح فرضيات تتلخص في أن العملية التفاوضية خضعت بشكل رئيسي لمحددات أساسية على هيئة خطوط حمراء على الصعيد المجتمعي والوطني في الداخل الإسرائيلي والفلسطيني، ما شكل عائقا أساسيا أمام التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية. فعلى الجانب الإسرائيلي شكل شعار الحكومات المتعاقبة «القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل» أحد أهم العوامل الأساسية للحد من مساحة حركتها السياسية وأدى بالتالي إلى تعطيل الحل.
على الجانب الآخر شكل ارتباط الهوية الوجودية الفلسطينية بالقدس كعاصمة مستقبلية للدولة الفلسطينية وكمركز ديني ليس لهم فقط بل للعالم الإسلامي أجمع، عاملا جوهريا مرادفا، وانعكس على رفض الفلسطينيين توقيع أي اتفاقية دونها. وكان انحياز الوسيط الأمريكي في عملية السلام في عهد الرئيس بيل كلينتون لمصالح إسرائيل وتبنيه تصوراتها السياسية للحل أثناء العملية التفاوضية، أحد أهم العوامل التي أدت إلى اختلال معادلة القوة بين الطرفين.
امتاز الكتاب بالموضوعية والأمانة العلمية، واجتهد الكاتب في إبراز وجهتي النظر الفلسطينية والإسرائيلية بحيادية تامة. ذلك لأن الأمر يستوجب فهما دقيقا للنمطية التفاعلية ولديناميكية التفاوض من أجل التوصل إلى تحليل سليم لمعرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء وصول الطرفين إلى نفق معتم. وكما قال فإن وقائع التاريخ حول القدس لا تحتاج لدفاع أو تبرير. فهي الشاهد الصدوق على عبث المحتل، شهادة ينطق بها الشجر والأرض والحجر.
تناول الفصل الأول الإطار العام، حيث سعى الكاتب في مقدمة البحث إلى تقصي الدراسات السابقة حول الموضوع ثم قام بطرح أسئلة البحث الرئيسية وإرساء قواعد منهجية علمية. أما الفصل الثاني فقد اعتمد في إطاره النظري على توظيف «المباريات ذات المستويين» كنظرية للمفاوضات وواحدة من أبرز الأطر الفكرية للبروفيسور الأمريكي في جامعة هارفارد روبرت بوتنام للعام 1988 والذي أشار من خلالها إلى ضرورة حدوث تقاطعات توافقية بين الفريقين المتفاوضين وانسجام هذه التقاطعات مع الداخل المجتمعي لكل منهما كأحد أهم الشروط الأساسية للتوصل إلى قيمة ربحية غير صفرية على طاولة المفاوضات. كما اعتمد المؤلف في نظرته التحليلية على البحوث النظرية التي تناولت مسائل الصراع على الهوية في القسم الثاني.
وكشف في الفصل الثالث عن جذور الصراع من خلال سرد منضبط للتطور التاريخي للنزاع على مدينة القدس قلب العالم، التي توسطت آسيا وأوروبا وافريقيا. فبدأ بالحملات التبشيرية منذ ما قبل حملة القائد الفرنسي نابليون على المشرق العربي مارا بالجهود السياسية المبذولة من قبل المنظمات الصهيونية ودعم القوى العظمى لها في إرساء القواعد غير الشرعية لدولة الاحتلال على أرض فلسطين، معرجا على سايكس بيكو ووعد بلفور ثم تقسيم فلسطين حتى احتلال القدس الشرقية في 1967 وصولا إلى بدء عملية السلام في الشرق الأوسط منذ مباحثات مدريد وكامب ديفيد في صيف 2000.
في الفصل الرابع أضاف المؤلف مشهدا مبتكرا، حاول من خلاله تقديم مفهوم جديد لقضية القدس فقسمها إلى قسمين: قدس سماوية وقدس أرضية. القسم الأول مرتبط بالوعي الديني لدى سكانها المؤمنين بالسماء، عارضا خصوصية كل من الأديان الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلامية وملقيا الضوء على ارتباط هذا الوعي الديني بهويتهم الوجودية خاصة ولأتباع هذه الديانات في كافة أنحاء العالم بشكل عام.
أما القدس الأرضية فقد سلط فيها الضوء على الإجراءات القانونية والسياسية والإدارية المتبعة من قبل دولة الاحتلال والتي هدفت من ناحية إلى التوصل لأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين على أكبر مساحة ممكنه من الأرض تحت حكمها. من ناحية أخرى محاولة اخفاء معالم الشخصية العربية والإسلامية للمدينة ومن ثم استنساخ شخصية يهودية وإسرائيلية جديدة بهوية مزورة لفرض أمر واقع جديد اعتمد عليه المفاوض الإسرائيلي فيما بعد كورقة جديدة قام بدسها بين ملفاته لمحاولة الحصول على اعترافات الطرف الفلسطيني بها على طاولة المفاوضات.
في الفصل الخامس قام المؤلف بتقديم عرض شيق لمساحة الحركة السياسية لكل من الطرفين المفاوضين ورصدها رصدا دقيقا. فحاول التوصل إلى تصور تقريبي لتحديد شروط ومعالم التقاطع السياسي المطلوب حول المدينة على طاولة المفاوضات مستعينا بالإطار النظري الذي تم تحديده في خطة البحث. حيث انطلق فيها من ديناميكية المواقف السياسية المعلنة للطرفين من خلال البرامج السياسية للمؤسسات الحزبية وبرامج الانتخابات، مستعينا باستبيانات لقياس مؤشرات القبول والرفض لحل قضية القدس في الداخل المجتمعي الفلسطيني والإسرائيلي والتي أجرتها مؤسسات مدنية ومنظمات تعنى بالشؤون السياسية ومؤسسات البحوث العلمية المختلفة.
ضمن هذا السياق أشار الكاتب إلى أنه رغم أن حزبي الليكود والعمل يصبغان الحياة السياسية ويحددان الخطوط الرئيسية للسياسة العامة منذ أمد بعيد في إسرائيل، إلا ان موقفهما المتعنت من تقسيم القدس مرهون أيضا ببناء التحالفات الائتلافية مع الأحزاب الدينية المتطرفة ما يساهم في المزيد من إضعاف وتقييد حركتهما السياسية تجاه التقسيم. إضافة إلى ذلك فإن أسباب الفشل في التوصل إلى حل نهائي حول قضية القدس في تلك المرحلة لا تعزى إلى الطرف الفلسطيني وحده كما كان يشاع سياسيا وإعلاميا في ذلك الوقت في الأوساط الإعلامية والأكاديمية في أوروبا والعالم، بل ان هناك أسبابا رئيسية أخرى متعددة تتعلق بعدم جهوزية المجتمع الإسرائيلي لتقسيم القدس مضافا إليه محاولة السياسيين الإسرائيليين اتخاذ قضية القدس كدرع يتمترسون خلفه لصد الهجمات الإعلامية ضدهم. ومن جانب آخر اتخاذها كسيف للقضاء على خصومهم السياسيين في المعارك الانتخابية متهمينهم بالخيانة الوطنية لأنهم يسعون لتقسيم القدس. في حين ان الدراسات على الجانب الآخر تشير إلى امكانية دراسة المسألة على الطرف الفلسطيني لا يمكن رصدها بدقة لعدم حيازته على كيان سياسي على شكل دولة بالمقارنة مع الطرف الإسرائيلي.
أما الفصل الرئيسي فقد بحث فيه الكاتب بعمق شديد ثلاث حالات دراسية هي: المفاوضات الماراثونية في صيف 2000 في كامب ديفيد وما سمي البارومتر الذي قدم من قبل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في كانون الأول/ديسمبر 2000 والثالثة مباحثات طابا في بداية العام 2001. وفيه قدم المؤلف نموذجا ناجحا في تحليل العملية التفاوضية حين وقف على تفاصيلها ورصد ديناميكيتها وبحث خلف الكواليس عن أجنداتها الخفية، وقام بعرض المقترحات السياسية الفاعلة ودوافعها. علاوة على ذلك قام بتحليل السلوك الشخصي لأعضاء الوفدين المفاوضين وهيكلية القوة بين الطرفين وأثرهما في الوصول إلى طريق مسدود في النهاية. وعليه عقد الكاتب مقارنة دقيقة بين حالات الدراسة الثلاث وقدم ملخصا ربطه في نهاية المطاف بالإطار النظري للدراسة سعيا منه لاختبار الفرضيات التي تم طرحها في البداية.
في الفصل السابع والأخير قام الكاتب بعرض نتائج عدة ساهمت في التحقق من أسئلة البحث وفرضياته والتي من أهمها: أن الخلاف الأساسي على طاولة المفاوضات يتعلق بشكل رئيسي حول قضية السيادة السياسية على الأماكن الدينية. من هنا ساهم تمسك كل طرف بالخطــوط الحمراء حول قضية القدس في صعوبة التوصل إلى اتفاق حول المدينة.
بعد ذلك تم عرض تصور لمستقبل المدينة على ضوء ما سبق وفي ظل التطورات السياسية الجديدة وقدم توصيات للمساهمة في محاولة التوصل إلى حل سياسي للمدينة ضمن إطار عادل وشامل للقضية الفلسطينية ضمن قراري الأمم المتحدة 242 و 338 للمساهمة في تحقيق الاستقرار الشامل في الشرق الأوسط، كما أوصى بالحفاظ على القدس مدينة مفتوحة دون تقسيمها وإنشاء هيكلية إدارية مشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لإدارتها بشكل يضمن وصول أتباع جميع الديانات الثلاث إلى الأماكن المقدسة للصلاة فيها ومن ثم تحديد إطار جديد للتعايش السلمي بين سكانها وتقديم المجتمع الدولي ضمانات حقيقية لذلك.
يكتسب الكتاب أهمية متميزة كأحد أول الدراسات العلمية من نوعها في ألمانيا، حيث قام فيه المؤلف بسد فجوة أساسية في البناء العلمي والأكاديمي لموضوع بالغ الأهمية والتعقيد. وبحث فيها عن الدوافع السياسية الكامنة لدى الأطراف للتوصل أو عدم التوصل إلى حل حقيقي وملموس حول ملف القدس. كما تناول أثر المواقف الشخصية للمفاوضين السياسيين إضافة إلى البنية الهيكلية للعملية التفاوضية خلف الكواليس باحثا عن وجود أجندات سياسية غير معلنة. وتكمن أهمية الكتاب في محاولة المؤلف في فصوله السبعة خلق نوع من الوعي الجديد والمقنع لدى صانع القرار السياسي والأكاديمي والمثقف الألماني حول قضية القدس التي أنصفها الكاتب ضمن طيات كتابه إلى جانب كتاب آخرين قلة في ألمانيا. ولا يقل ذلك أهمية عن استناد المؤلف على الآراء المباشرة لمفاوضي الوفدين إلى جانب آراء خبراء أكاديميين من خلال مقابلاته العلمية التي استخدمها كأحد أهم الوسائل في جمعه للمعلومات.
هدف الكتاب إلى الإجابة على السؤال الرئيسي المتعلق بماهية الأسباب الشخصية والموضوعية المتعلقة بالعملية التفاوضية ذاتها والظروف الهيكلية التي أدت إلى فشل المفاوضات رغم التقاربات النسبية بين الطرفين ورغم بعض الجزئيات الإيجابية التي تم طرحها في تلك الجولات التفاوضية المتكررة.

Basil Maghalseh:
«Die Stadt Jerusalem als zentraler Prüfsteine für den Frieden im Nahen Osten»
Lit-Verlag , Berlin 2017
351 pages.

لا حل شاملا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون القدس
باسل مغالسة في «مدينة القدس كحجر اختبار لعملية السلام في الشرق الأوسط»:
علاء جمعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية