الدوحة ـ «القدس العربي»: أدخلت التطورات الحاصلة وبشكل متسارع في اليمن، البلد في دوامة من الفوضى، وزادت المشهد الضبابي أصلا، قتامة، لتعمق أكثر ورطة التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وتخلط للإمارات حساباتها، مانحة أوراقا رابحة لغريمهم اللدود الحوثي، وحليفه إيران.
المعضلة اليمنية، تفاقمت مع رحيل الراقص مع الأفاعي علي عبد الله صالح، الذي لم يكن مجرد رجل بسيط، أصيب في آخر عهده بلدغة سامة، من حيّة طوقت عنقه بشدة، لمحاولته الانقلاب عليها.
الرجل الذي وقع في فخ آخر نقلة حرك فيها الملك في رقعة الشطرنج، بالتقارب مع السعوديين أعداء الأمس، هو ذاته من أسكن الأفعوان الذي أجهز عليه، جحره وأطعمه لسنوات وتقاسم معه الطبق ذاته، ولم يُمنح فرصة إدراك فداحة الخطأ الذي وقع فيه.
البلد الممزق الآن بين مراكز جذب عدة، تحركها أطراف إقليمية متصارعة على النفوذ والزعامة، فقدَ لاعبا محوريا، يتمتع بالنفوذ، وكان المحرك الرئيسي للأحداث. بصمات علي عبد الله صالح طبعت الحياة السياسية اليمنية بوشم لن يزول أبدا، وكان حضوره طاغيا في المشهد السياسي.
منذ وصل إلى رئاسة اليمن الشمالي عام 1978 قبل وحدته، استمر على رأس السلطة بضم الجنوب، وظل قابعا في منصبه حتى تنحيه عن الرئاسة.
أدركت مبكرا السعودية التي شن ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان حربا مدمرة على جارته الجنوبية، فاجعتها وورطتها الكبرى بخسارة الرجل الذي حاربته لسنوات، وكانت على وشك التحالف معه في آخر أيامه، لكن حساباتها لم تكن دقيقة، بعد فوات الأوان وبعد أن أحرقت كل أوراقها.
وحتى الآن تجد الرياض نفسها في دوامة من دون أفق، وسدت أمامها كل المخارج منذ شنت حربها الفاشلة بكل المقاييس والحسابات السياسية والاستراتيجية، مع تكلفتها الباهضة والخسائر في الأرواح.
المرحلة المقبلة في اليمن الغارق في الحرب، أفقها مجهول، مع ما ترتب عنها من أزمات إنسانية، لجل الأطراف، بدرجات متساوية، بين المتنفذين ومختلف القوى المتصارعة.
انسداد الأفق
ولا تجد قوى التحالف، وتحديدا قطبيه الرياض وأبو ظبي، إجابات واضحة ودقيقة، عن البدائل المتاحة.
بالرغم من أن هذا الطرف، سبق وأن منح الزعيم المتنفذ فرصة لم تتم الاستفادة منها منذ عزله عام 2011 بل ساهم في إنقاذ حياته مرتين، لكن الثالثة لم تكن متاحة.
ولا يجد صناع القرار في كل من السعودية، والإمارات، إجابات واضحة للتحديات التي تواجههم في اليمن بعد صالح، خصوصا وأن الرجل كان متحكما في مراكز قوى متعددة، وأوتي سعة من الدهاء لتحريكها جميعها بتوازن مايسترو ملهم.
والركيزة التي تفقدها الدولة المنهكة بحروبها وأزماتها، أن شخصية المغدور، حققت نوعا من التوازن بين الأعداء، والحلفاء في الوقت نفسه، ويتمتع بمكانة بين القبائل وبينها أكبرها نفوذا، وحجما، وتأثيرا، وتكن له الولاء، وتعترف بزعامته، ووضعها جميعها في جيبه.
يعجز كل من بن سلمان، وبن زايد، في الحصول على إجابات واضحة ودقيقة، من رجالهم في الميدان، حول مصير القوات العسكرية التي كانت تدين بالولاء لصالح، والتي قاتلت إلى جانب الحوثيين ضد قوات هادي.
يضاف إلى هذا، أن المقاومة الشعبية، وهي قوات كبيرة، ومنها نحو 20 ألف جندي، لا يعرف حتى الآن مصيرها، ولا كيف يمكن لها أن تحافظ على تماسكها، في حصارها المستمر على تعز منذ فترة طويلة.
معضلة أخرى يواجهها التحالف، تتعلق بمصير حزب المؤتمر الشعبي العام الذي نجح صالح في إبقاء غالبية أعضائه، ضمن دائرة المؤيدين له.
ولا تدري الرياض، السبيل لإعادة رص صفوف هذه العناصر التي اكتسبت خبرة في الحرب، وكانت تكن ولاء مطلقا للراحل، عبر شبكة تحالفات قبلّية، كان الوحيد من يدير تجانسها بشكل لافت.
أما الإمارات، والتي لها أجندة خاصة، فلا تجد بديلا للرئيس السابق، وتعجز حتى الآن في استنساخه لإدارة شبكات المصالح لضمان ولائها المطلق.
التحالف العربي، الذي حاول بإيعاز من أبو ظبي إجهاض الثورة اليمنية، بحساباته السياسية ومزاجه المناوئ لها، ليس في وسعه التخلص من عقدة الإخوان، وبالتالي لن يتيح للتيار الإخواني الذي يملك ثقلا في الميدان.
لعبة الحوثيين
أحكمت ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران سيطرتها على مدينة صنعاء، وعلى مراكز ثقل عديدة في البلد، وأصبحت إيران تكشف صراحة عن خططها، بالتأكيد أن الحوثيين سوف يستأثرون بالمشهد، على حد وصف الرئيس حسن روحاني، وتأكيده أن اليمنيين سيجعلون «المعتدين» يندمون على أفعالهم.
وبعد سنوات من تقاسم النفوذ في العاصمة وعدد من المحافظات، تحول الحوثيون إلى اللاعب الوحيد في الميدان، وتخلصوا من شريكهم، الذي تحالفوا معه على مضض، ريثما تتاح لهم لحظة الانفراد بالمشهد. وعمليا سيطر الحوثيون على جميع المواقع التي كانت خاضعة لأنصار صالح، بعد ساعات قليلة من مقتله.
وتسببت المعارك في صنعاء بمقتل المئات وإصابة آخرين بجروح، منذ الأول من كانون الأول/ديسمبر، حسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ولم تحدد الإمارات والتي يتواجد فيها نجل صالح، أحمد منذ فترة طويلة، وكانت هي من لعبت دور الوسيط مع السعودية لإقناعها بخطة استمالة صالح لتغيير موازين القوى في الساحة اليمنية ضد أنصار الله خطتها المقبلة، بعد ان باءت الخطة التي حاولت بها أبو ظبي إعادة خصمها، من جديد إلى المشهد السياسي باعتباره القطب الفاعل بدلا من كونه حليفا ثانويا أو طرفا ثالثا في الأزمة بالفشل.
محمد بن زايد الذي كان يلعب في الساحة اليمنية بما يضمن مصالحه، بالرغم من تحالفه مع الرياض، يعاني من معضلة عويصة ليس له فيها هامش مناورة واسع. ولم يحقق مثل حليفه بن سلمان، ما كان يطمح إليه من إخضاع جنوب اليمن لسلطته المطلقة، وتحويله لمنطقة نفوذ خاصة ببلاده بامتياز مع كل ما يتيحه له من سيطرة على الموانئ والمناطق الاستراتيجية مثل جزيرة سومطرة التي تشهد استنزافا لمواردها.
سيناريوهات
محصلة موازين القوى في اليمن، حتى الآن تميل لكفة الحوثيين وحلفائهم، وانقلبت على هذا الطرف الذي يتجرع سوء تقديره الوضع ولم تفلح استراتيجيته في إخضاعه على هواه. المعارك الدائرة في أكثر من جهة، تجعل خيارات التحالف الذي تقوده الرياض وأبو ظبي، في المرحلة المقبلة تتوجه إلى سيناريوهات ليست لصالحه. وارتسام معالم دولة حوثية في اليمن، تعكسها حقيقة لا تقبل الشك، حول قوتهم وحجمهم ميدانيا، تصعب على التحالف القدرة على التعامل مع أي تطورات محتملة.
أسوء فكرة تؤرق بن سلمان وحليفه بن زايد، هي أن السعودية والإمارات عليها أن تتقبل وتقر بتزايد نفوذ إيران في اليمن، وباتت الحدود الجنوبية للمملكة أقرب لسهامها.
وتغلغل إيران وتوسعها في اليمن، أي جنوبا، يأتي في وقت خسرت فيه السعودية هامش المناورة شمالا، أي في سوريا والعراق ولبنان، بعد أن راهن الحاكم الفعلي للرياض على محاربة هذا الغريم اللدود.
ومن أسباب هذه المعضلة أن بن سلمان، لم يقدر بشكل دقيق قدرات عدوه، ولم يبن استراتيجيته على أسس دقيقة، وتميزت تحركاته بالتهور ولم تكن متوازنة.
السعودية مجبرة الآن على تجرع علقم القرارات المرتجلة لحاكمها الذي تحدث عند شنه الحرب في اليمن قبل سنوات خلت عن سهولة المعركة، فإذا به في وضع صعب، مع هامش مناورة ضئيل.
الصفقة السياسية
اليمن الآن مقبل على خيارات عدة، لكن حسم المعركة للتحالف السعودي، يصعب تحقيقه عسكريا، مع تكلفته الباهضة، وما سيرافقه من تدمير أكبر للبلد، وفاتورته المكلفة ماديا لبلاده التي تواجه تحديات اقتصادية صعبة.
والخيار المتاح بأقل الخسائر هو إتاحة فرصة حقيقية لتوافق سياسي يضمن القدر الأدنى من المكاسب للأطراف المتصارعة.
ويدفع عدد من الأطراف، لإتاحة فرصة للمبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ احمد للبدء في وساطة حقيقية تنهي هذه الحرب العبثية، عبر اتاحة الفرصة للقيادات العاقلة.
من شأن الجلوس لطاولة المفاوضات، وهو الخيار الذي كان متاحا منذ بدء الأزمة، واستبعده محمد بن سلمان، أن يقلل الخسائر الممكنة، ويؤدي للملمة الجراح، لعل اليمن يستعيد أهله بعض الأمل في غد، ليس هو الأفضل، لكن الأقل بؤسا من الوضع الحالي.