بدأت الحكاية تأخذ شكلها الحقيقي بدعوة أمير سعودي، ولي العهد في الحقيقة، زعيما فلسطينيا إلى عاصمة بلاده الرياض، ثم تسربت الأخبار في «نيويورك تايمز» عن خطة لم تتبنها أي إدارة أمريكية سابقة من قبل وتتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية التي اتبعتها الإدارات المختلفة ونصبت نفسها كوسيط (نزيه أو غير نزيه) لحل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.
وأخبر الأمير محمد بن سلمان، الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن دولته لن تكون بسيادة كاملة، وستظل محاطة بكتل استيطانية يهودية وحضور أمني إسرائيلي دائم. والعاصمة؟ قيل له إنس القدس وفكر بأبو ديس التي أصبحت خارج جدار الفصل العنصري. وطلب منه أيضا ان لا يفكر بحق العودة وعودة ملايين اللاجئين، دعهم يموتون في مخيماتهم.
وضع الأمير الطامح والمتهور الزعيم الفلسطيني أمام خطة لا يمكنه ولا غيره القبول بها. ومنح عباس شهرين للقبول أو الرفض وإلا فالبديل عنه جاهز، خطة قيل انه ناقشها مع صديقه في البيت الأبيض غارد كوشنر، قبل أسابيع من دعوة عباس وقيل إنهما جلسا حتى ساعات الفجر الأولى وهما يتناقشان في قصر الأمير الصحراوي ويحتسيان الشاي والقهوة.
وكانت هذه بداية التحضير للقرار الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واعترف فيه بالقدس عاصمة إسرائيل «التاريخية». وكان يقف وراءه نائبه مايك بينس ووجهه يتوهج فرحا بعدما تحقق ما دفع من أجله وتحقيق النبوءة الدينية عن نهاية الزمن وقرب نزول المسيح وتحول اليهود عن دينهم وبداية المعركة الأخيرة «الأرماغدون». وهذا ما يريده الإنجيليون الداعمون لترامب منذ ترشحه في الحملة الانتخابية، حربا دينية تبدأ بسيطرة اليهود الكاملة على القدس وبناء المعبد الثالث. وليس غريبا أن يتداخل الخطاب الديني بالبعد الجيوسياسي في هذه القضية، فقد كان الدين محركا في كل ما يجري في الأرض المقدسة. لكن علينا أن لا نبعد في التحليل ونحصر الأمر بقضية وعد انتخابي وقاعدة دينية مسيحية متطرفة لا يزيد عدد أتباعها عن 50 مليون شخص، فما فعله ترامب يتداخل فيه البعد النرجسي والهوس بتدمير ما قام به أسلافه خاصة باراك أوباما والتفاخر بأنه الأكثر شجاعة، والعودة بأمريكا والعالم إلى سنة الصفر.
يوم حزين
وهذا التصفير في كل شيء يهدد مصالح الولايات المتحدة ودورها في العالم. وكما كتب المؤرخ المقدسي رشيد الخالدي فإن قرار ترامب يعتبر يوما حزينا للقانون الدولي ولفلسطين ولكل محب لتحقيق السلام في العالم. وهو وان أدخل الفرح على قلوب أصدقائه في إسرائيل، إلا أنه سحب الأهلية من بلاده كي تكون عرابا صادقا للسلام. وكتب الخالدي في «الغارديان» (6/12/2017) أن ترامب مضى بقراره رغم تحذيرات العالم له مما يؤكد احتقاره للعرب والرأي العالمي. ورغم التداعيات إلا أن الرئيس الأمريكي أكد أن قراره لا يؤثر على «الصفقة الكبرى» التي وعد العالم بالسعي لتحقيقها بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكما قالت صحيفة «نيويورك تايمز» (5/12/2017) فالتاجر الشاطر لا يقدم خدماته مجانا. واتفق الجميع على أن الرئيس ترامب أعطى إسرائيل ما حلمت به منذ عام 1949 بدون مقابل وبدا في هذه الحالة مثل مقامر يكشف أوراقه قبل بدء اللعبة. وليست هذه المرة الأولى التي يتخلى فيها ترامب مجانا، فخروجه من معاهدة التجارة الحرة بين دول المحيط الهادئ حرمت أمريكا من منافع معاهدة كانت تسيطر على نسبة 40٪ من التجارة العالمية وكان يمكنه قيادة 12 دولة لمواجهة التسيد الصيني، ولكنه مزقها وها هو يستجدي الصين بعلاقات تجارية ثنائية معها. وفعل الأمر نفسه في سوريا حيث تخلى عنها لروسيا وإيران وها هو يقدم لبنيامين نتنياهو «يوما تاريخيا» لإسرائيل ومعها ورقة النجاة من التحقيقات الجنائية التي يتعرض لها رئيس الوزراء. ولا بد من الإشارة إلى أن ترامب الذي يواجه نفسه تحقيقات في التدخل الروسي بالحملة الانتخابية العام الماضي ربما حاول ان يستخدم هذا الإعلان ويدفن الأخبار السيئة التي يعدها له المحقق الخاص روبرت موللر بعدما أصدر اتهامات بحق مستشار الأمن السابق مايكل فلين المتهم بالتواصل مع السفير الروسي. واعترف السفير الإسرائيلي أن بلاده حاولت التواصل مع فريق ترامب الانتقالي لوقف قرار مجلس الأمن حول الاستيطان الذي تم إعداده في الأيام الأخيرة لأوباما، ولكن السفير رون ديرمر، قال لمحررة «بوليتكو» (4/12/2017) إنه لا يتذكر إن تحدث مع فلين نفسه. وكوشنر مسؤول ملف المحادثات وصديق ولي العهد السعودي يشك أنه الشخص الذي طلب من فلين التواصل مع السفير الروسي. وكانت سوزان غلاسر محررة المجلة قد توقعت أن يدمر ترامب الخطة التي عمل عليها كوشنر وفريقه. ولا حاجة لذكر تهوره ونرجسيته، فهو يعرف أن قراره استفزازي ولم يكن ضروريا، فبدلا من بناء دعم هادئ لخطته قام بتدميرها وقضى على أي فرصة للعودة إلى طاولة المفاوضات مع أن المتشككين سيقولون أين هي المحادثات؟ ومع ذلك فالقرار أكد ان بلاده لم تكن وليست وسيطا نزيها.
إحراج الحلفاء
وفوق كل هذا عرى ترامب دور الحلفاء بالمنطقة ممن يطلق عليهم بالمعتدلين خاصة الدور الذي لعبه الأمير محمد بن سلمان للضغط على عباس. ووصفت «الغارديان» (7/12/2017) في افتتاحيتها موقفه بالحماقة والذي منح غطاء لترامب كي يقوم بعمله. وكما ناقش الأكاديمي شادي حميد في مجلة «ذا اتلانتك» (6/12/2017) فلو استخدم السعوديون بعضا من نفوذهم الخاص لدى البيت الأبيض لما تجرأ الرئيس على ما قام به. ولكن الأنظمة العربية لا تهتم بالمسلمين حتى لو حمل قادتها لقب «خادم الحرمين الشريفين» ولهذا توقع الكاتب أن لا يختل ميزان العلاقة بين أمريكا وحلفائها في الرياض وأبو ظبي والذين يعتقدون أن الحرب مع إيران الشيعية أهم من الدفاع عن القضية الفلسطينية. وقادوا عبر «ذبابهم» الألكتروني حفلة تتفيه للقضية الفلسطينية وجرى ترداد الأكاذيب القديمة عن بيع الفلسطينيين لقضيتهم، ورد هؤلاء بيوم الغضب. وكما قال حميد، فالقضية الفلسطينية وإن لم تعد الأولى والمركزية لدى شعوب تعاني من مشاكلها إلا أن القدس مهمة في السياق الديني لأكثر من مليار مسلم حول العالم. والمؤسف في الحالة العربية أن العالم العربي انتهى وبقيت منه أنظمة استبدادية قمعية.
عقاب
لم يكشف عباس حقيقة ما جرى له في الرياض، إلا أن المكالمات التي أجراها بعد عودته وهي كثيرة كانت تشي بشيء ما. وكما كشفت صحيفة «التايمز» (8/12/2017) فترامب عاقب عباس بالإعلان عن القدس عاصمة إسرائيلية لرفضه الخطة التي قدمها له محمد بن سلمان. وقد يكون هذا فهم تبسيطي، فالأمير السعودي كان مرسالا ربما لعب دوره «بصدق» أو كان يحاول تخفيض سقف التفاوض من أجل التقدم في الحل، بشكل يسمح له بتطبيع العلاقات مع إسرائيل وتشكيل جبهة معها لمواجهة إيران. ولا شك فقرار ترامب كان خبرا سيئا ثالثا تلقاه بن سلمان هذا الأسبوع، فقد بدأ بمقتل علي عبدالله صالح على يد حلفائه السابقين، الحوثيين.
وهو الذي كان يرى في تخليه عنهم طريق الخروج من مستنقع اليمن. وفي يوم الإثنين سحب سعد الحريري استقالته التي أجبر عليها الشهر الماضي ثم جاء إعلان ترامب واكتمل اسبوع بن سلمان الحافل بانتقادات واضحة من وزير الخارجية ريكس تيلرسون لدور الرياض في لبنان وقطر واليمن. وقبل ذلك بيوم دعا ترامب نفسه الرياض لتخفيف الحصار عن اليمن والسماح للمساعدات الإنسانية. وكما هو الحال في كل ملفات السياسة الخارجية التي تبناها الأمير بن سلمان فقد ربحت إيران عدوة بلاده التقليدية، وهي رابحة في الإعلان الأخير. ونقلت «فايننشال تايمز» (7/12/2017) عن الباحث أندرو باوين من مركز «أمريكان إنتربرايز» فقد دعم السعوديون خطة التسوية التي قدمتها إدارة ترامب مقابل حصولهم «على صك أبيض لعمل ما يريدونه بالمنطقة. وبالتأكيد فالإيرانيون هم الرابحون».
خداع الفلسطينيين
والمفارقة أن القيادة الفلسطينية لم تتعرض لضغوط سعودية بل ولخداع أمريكي. فكما كشف ديفيد كينر بمجلة «فورين بوليسي» (8/12/2017) أخفت الإدارة الأمريكية عن الفلسطينيين خطة ترامب. ويقول إن وفدا فلسطينيا أمنيا ودبلوماسيا اجتمع في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) مع كوشنر والموفد الدولي الخاص للمفاوضات جيسون غرينبلات ونائبة مستشار الأمن القومي دينا باول وخرج الفلسطينيون متفائلين من أن الرئيس ترامب عازم في النهاية على المضي في خطته «الصفقة الكبرى». ومع ذلك لم يخبر الجانب الأمريكي الوفد الفلسطيني بما كان يدور في النقاشات الداخلية وإصرار الرئيس على الإعلان. وسأل الوفد إن كان ترامب سيوقع على قرار تأجيل نقل السفارة، لكن المحاورين الأمريكيين لم يقدموا معلومات حول نيته الإعلان عن القدس عاصمة. وتركز الحديث حول الخطة التي يعمل الثلاثي عليها والتي يرى الكثيرون أنها انتهت الآن. ونقلت المجلة عن مسؤول فلسطيني قوله، إن الأمر لا يتعلق الآن بوضعية القدس بل «بوضعية واشنطن». وقال «لقد أضرت أمريكا موقعها كوسيط وعزلت نفسها عن الإجماع والقانون الدولي». وفي اجتماع طارئ لمجلس الأمن عقد الجمعة، عارضت 14 دولة غير أمريكا قرار الإعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل. وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي مايكل انطون ان قرار ترامب نوقش طوال العام مع القادة الفلسطينيين والعرب إلا ان عباس علم به في 5 كانون الأول (ديسمبر)، مع أن خطة نقل السفارة نوقشت في اجتماع مجلس الأمن القومي في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) أي قبل ثلاثة أيام من مقابلة الوفد الفلسطيني. ويعلق كينر أن إعلان ترامب قضى على المحادثات الجارية مع الفلسطينيين وتفاؤلهم من جدية ترامب فيما يسمونه «صناعة العملية السلمية». ويعتقد أرون ديفيد- ميللر من مركز ويلسون أن إعلان القدس قضى على الجهود، فاستراتيجية ترامب الاعتراف بالقدس لترضية الإسرائيليين بحيث يسمح له انتزاع تنازلات منهم في المستقبل لن تنجح. وفي النهاية لم يكن القرار ضروريا ولا يحظى بدعم أمريكي واسع حسب استطلاع مركز بروكينغز، مع أنه كان مصدر ترحيب من الإنجيليين واليهود المتشددين مثل شيلدون إديلسون «ملك الكازينوهات» والذي تبرع 25 مليون دولار لحملة ترامب الانتخابية وظل يدفع باتجاه الإعلان، فهو كما يقول سايمون شمة في «فايننشال تايمز» (8/12/2017) لا يحب أن يظهر تأثيره على ساكن البيت الأبيض فقط بل وعلى مصير إسرائيل. وأضاف أن الرئيس هرب من مشاكله التي تلاحقه عندما غطى نفسه بلحاف الإنجيلية المتشددة، ولم يهتم بالتداعيات ولا بتحذيرات وزير الدفاع جيمس ماتيس الذي خاف من المشاكل التي ستنجم عنه ولا ريكس تيلرسون الذي وإن ظل دوره محدودا إلا أنه سيكون المسؤول عن التحضيرات اللوجيستية الهائلة لنقل السفارة والتي ستكون بمثابة كابوس له. وبالنسبة لكوشنر الذي قال الأسبوع الماضي أن أي مفاوضات يجب أن يكون للفلسطينيين دور مباشر فيها فقد حوله «عمه» إلى إضحوكة. سيعود ترامب بعد حملته الأخيرة على القدس وحصوله على «صلاة القدس» التي وزعها الإنجيليون بشكل واسع واعتبروها الخطوة الأولى على طريق المعركة الأخيرة، إلى تغريداته التي يطلقها الصبح مؤمنا بأنه القادر ويحاول مطاردة شبح أوباما الذي يلاحقه. وبالنسبة للفلسطينيين فقد حصلوا منه على جمعة الغضب والتي سيتبعها الغليان. واليوم السبت يتذكرون الانتفاضة الأولى قبل ثلاثين عاما. وبالتأكيد لن يسكتوا ومعهم الملايين بعدما صدم ترامب شاحنته بجدار القدس العتيق.
إبراهيم درويش