واشنطن ـ «القدس العربي» ـ رائد صالحة: زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ان محادثاته مع زعماء العالم الإسلامي قبل قراره الاعتراف بالقدس المحتلة كعاصمة للكيان الإسرائيلي، هي جزء من تحول استراتيجي واسع لابرام اتفاق سلام في الشرق الأوسط. ولكن العديد من المشرعين والخبراء قالوا ان الرئيس قد كذب بدون داع.
وقال محللون ان تعليقات ترامب في الإعلان والتي تضمنت القول بانه لا يمكن حل المشاكل من خلال تقديم افتراضات فاشلة، كانت هجوما على معظم الرؤساء السابقين للولايات المتحدة، بمن فيهم باراك أوباما وجورج بوش وبيل كلينتون، ولكن الانتقادات الموجهة لإعلان ترامب في الولايات المتحدة ركزت، في الواقع على حرية الأديان.
وهناك اعتقاد واسع الانتشار في الولايات المتحدة ان قرار ترامب بشأن القدس كان بهدف ارضاء فئات محددة من جمهوره: المجموعات اليهودية المحافظة سياسيا وفئة الانجيليين المسيحيين الأمريكيين أو ما يطلق عليهم (المسيحيون الصهاينة) وهي فئات عملت منذ فترة طويلة عن دفع الإدارة الأمريكية لاتخاذ هذه الخطوة.
وقد وصلت المخاوف من تداعيات قرار ترامب على المدى الطويل إلى صدور إعلان من رئيس الاتحاد اليهودي للإصلاح ريك جاكوبس قال فيه انه يوافق على إعلان ترامب ولكنه يعتقد ان القرار لم يكن مناسبا في الوقت الحاضر وانه بالتأكيد قد يؤدي إلى تفاقم الصراع.
وأوضح جاكوبس انه لا يمكن تأييد قرار البدء في التحضير لهذه الخطوة في غياب خطة شاملة للسلام، وبالإضافة إلى ذلك، فان أي عملية لنقل السفارة إلى القدس يجب ان تصاغ وتنفذ في سياق واسع يعكس وضع القدس كمدينة مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين على السواء.
وتتفق آراء جاكوبس مع نتائج مسح أجرته اللجنة اليهودية الأمريكية لعام 2017 حول رأي اليهود في الولايات المتحدة حيث تبين ان 16 في المئة فقط من اليهود الأمريكيين يعتقدون انه يجب نقل السفارة إلى القدس فورا، في حين قال 36 في المئة انهم يريدون تحريك السفارة في وقت لاحق بالتزامن مع التقدم في محادثات السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية، وقال 44 في المئة انه لا ينبغي نقلها على الإطلاق.
ورفضت المجموعات الإسلامية الأمريكية الرئيسية مثل مجلس العلاقات الإسلامية ـ الأمريكية «كير» ومجلس الشؤون العامة الإسلامية، مثل هذا التحرك علنا. كما وجه رؤساء كنائس رسائل إلى ترامب تدعوه إلى مواصلة الاعتراف بالوضع الدولي الحالي للقدس وان أي تغييرات ستسبب ضررا لا يمكن إصلاحه.
وعلى الرغم من معارضة المجموعات الإسلامية والمسيحية واليهودية المعتدلة في الولايات المتحدة، إلا ان ترامب لم يكن مهتما بهم، فقد كان اهتمامه منصبا على آراء الجماعات اليهودية المؤيدة لإسرائيل والعديد من الزعماء المسيحيين الانجيليين البارزين. ووفقا للتعليقات التي نشرها أعضاء من مجلس ترامب الانجيلي الاستشاري، وهو كادر من المسيحيين المحافظين الذين يقدمون المشورة للرئيس الأمريكي بشأن عدد لا يحصى من القضايا، فقد كانت هناك سعادة غامرة بهذه الخطوة من قادة المجلس بمن فيهم روبرت جيفرس وجاك غراهام.
واتضح من خلال معلومات سربها جوني مور، النائب السابق لجامعة «ليبرتي» التي تملكها مجموعة ترامب، انه الرئيس استشار أعضاء المجلس المسيحي الانجيلي قبل اتخاذ القرار بشأن القدس، وقال توني سواريز، نائب رئيس المؤتمر المسيحي اللاتيني ان أعضاء مجلس ترامب الانجيلي الاستشاري لعبوا دورا كبيرا في هذا القرار وانهم احتفلوا به كثيرا.
وأعرب السناتور تيد كروز، وهو من المسيحيين الانجيليين أصحاب الولاء الشديد لإسرائيل عن ثنائه لقرار ترامب وقال ان انه تأخر بحق أقرب حلفاء الولايات المتحدة، وقد استقبل عدد كبير من الناخبين الانجيليين القرار بفرح، وهم يتذكرون جيدا قول مستشار ترامب السابق ستيف بانون ان القدس عاصمة لإسرائيل لمجموعة من الناخبين في ولاية الاباما قبل أكثر من عام تمهيدا لاتخاذ هذا القرار.
ولفت خبراء إلى التأثير الكبير للجماعة الانجيلية المسيحية الموالية لإسرائيل في قرار ترامب بشأن القدس والحياة السياسية الأمريكية، وهي جماعة تضم أكثر من 3 ملايين من الأعضاء الناشطين في الدفاع بشدة عن إسرائيل، وقد استضافت الجماعة العديد من المرشحين الجمهوريين للرئاسة، بمن فيهم حاكم اركنساس السابق مايك هوكبي والسناتور تيد كروز والسناتور ليندسي غراهام وحاكم نيويورك السابق جورج باتاكي وسناتور بنسلفانيا السابق ريك سانتوروم.
وبالنسبة إلى العديد من المحللين الأمريكيين فقد كان قرار ترامب استفزازيا وسيؤدي إلى نتائج عكسية، وقالوا ان تعليقاته أثناء الإعلان بشأن القدس وخاصة في مزاعمه ان لإسرائيل الحق في اختيار عاصمتها، تشبه إلى حد ما التعليقات التي رددها خلال جولته الأخيرة في آسيا عندما دافع عن فلسفة (أمريكا أولا) وحث الدول الآسيوية على اتخاذ قرارات بشأن التجارة على أساس وجهة نظر مماثلة، والسعي العدواني لتحقيق المصالح الخاصة على المصالح المشتركة بين بلدان مختلفة.
واتخذ البيت الأبيض قراره المشؤوم من دون خوف من رد فعل كبير في الكونغرس، حيث أشار مسؤول كبير في إدارة ترامب ان مجلس الشيوخ وافق على القرار في عشرة مؤتمرات متعاقبة في السابق، وفي الواقع، هناك دعم كبير من الكونغرس للقرار بسبب النفوذ الواسع للوبي اليهودي في واشنطن والكابتل هيل.
ولم تصدر إلا أصوات قليلة معارضة لقرار ترامب من الكونغرس حيث قال بيتر ويلش، عضو اللجنة الفرعية للهيئة الأمنية لمجلس النواب، ان القرار يقوض جهود الولايات المتحدة في صنع السلام، مشيرا إلى ان هناك حاجة للثقة من أجل الحصول على حل للقضايا الحرجة إذا كنت تريد ان يكون لها أي أمل في حل الدولتين، وبالنسبة إلى ويلش وعدد قليل من المنتقدين في الكونغرس فان السؤال هو: لماذا يريد ترامب اتخاذ إجراء يعتبره الحلفاء العرب خطرا؟
واعتبر السناتور باتريك جيه ليهي من ولاية فيرمونت، وهو كبير الديمقراطيين في اللجنة الفرعية للاعتمادات في مجلس الشيوخ الذي يخصص الميزانية السنوية لوزارة الخارجية، ان القرار عبارة عن «خطأ فظيع وسيئ للغاية» وقال ان ردود الفعل من الأردنيين تظهر مدى كونه سيعرقل الجهود من أجل السلام الحقيقي في الشرق الأوسط.