حازم جواد وذكريات عن الشهيد فؤاد الركابي ( 3 من 3):

حجم الخط
0

حازم جواد وذكريات عن الشهيد فؤاد الركابي ( 3 من 3):

عندما انشق عن البعث انحاز لناصر ولم يتحول الي معارض موسمي يتنقل كالسائح من بلد لآخراعتقاله تم بدسيسة من البكر وعماش.. والشهيد رفض وساطتي واشترط إلغاء التهمة ليغادر العراقحازم جواد وذكريات عن الشهيد فؤاد الركابي ( 3 من 3):حاوره: ابراهيم درويش هذه مقابلة مع السياسي العراقي حازم جواد عن الشهيد فؤاد الركابي (1931 ـ 1971)، احد مؤسسي حزب البعث، وفيها يضع السياسي الذي يرتبط بصلة قرابة مع فؤاد النقاط علي الحروف في عدد من المسائل التي تتعلق بعلاقة الشهيد فؤاد مع حزب البعث، وانفصاله عنه وعلاقته بعبد الناصر والمشهد السياسي العراقي منذ الخمسينات من القرن الماضي حتي اغتياله في السجن في عام 1971. كما يتعرض الي علاقته مع الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني الذي ارتبط بصداقة مع الشهيد فؤاد. ويكشف الحوار معلومات جديدة غير مطروقة في كتابات الباحثين عن فؤاد، والايام الاخيرة في حياته، وموقف النظام من اغتياله وتشييع جثمانه. وقد بدأنا الحوار بتوجيه اسئلة عامة عن المشهد العراقي الحالي، واشكالية الطائفية التي انتشرت كالمرض داخل المجتمع وعلاقة حزب البعث بها، وان كانت صنيعة ام نتيجة من نتائج ممارساته. القدس العربي خروج فؤاد من الحزب متي خرج ولماذا؟ اما خروج فؤاد من الحزب فقد تم في عام 1961، وكانت العلاقة قد توترت بين الرئيس جمال عبدالناصر وقادة البعث السابقين في سورية الذين انسحبوا من الوحدة في كانون الاول (ديسمبر) 1959 وبطريقة انتهازية وفجة بحيث انهم استغلوا محاكمة 75 بعثيا امام محكمة المهداوي السيئة الصيت وكانوا يجلدون ليلا ونهارا بتهمة اشتراكهم بمحاولة اغتيال قاسم بالاتفاق والتنسيق مع الجمهورية العربية المتحدة من اجل ضم العراق لها، فاستغل اكرم الحوراني والوزراء الاخرون هذه المناسبة واختاروها لتقديم استقالتهم من الحكومة الوحدوية ولكي يتجنبوا غضب الرئيس عبد الناصر والجماهير السورية وبضمنها قطاعات واسعة من البعثيين السوريين السابقين، وفي تلك الظروف، ومع تطورات الازمة وانشقاق بعض البعثيين وبين عبدالناصر الذي غذته اجهزة المخابرات العربية والمنافقون كما هي العادة في مثل هذه الظروف، اندفع الاستاذ فؤاد بهذا الخط فظهر فجأة في بيروت ودون مقدمات وعقد مؤتمرا صحافيا في فندق الريفييرا ، وهو لم يتهم احدا من البعث بالتمهيد للانفصال كما قيل وانما وهذا هو المؤسف اتهم بعض قادة البعث العراقي او احدهم بان له علاقة مع جهة اجنبية، وهي تهمة استطيع نفيها ولا يليق ان تصدر من قائد بعثي من عيار الاستاذ فؤاد. كما هاجم بعض القادة البعثيين السابقين من سورية ، ولم يكن هناك حزب في سورية حتي يهاجمه فقد حل عام 1958. ولقد عشت في سورية طيلة عام 1959 وكنت علي صلة وثيقة مع المرحوم عفلق وللتاريخ اقول لم اسمع منه ولا كلمة واحدة تمس بالوحدة او الرئيس جمال عبدالناصر، بل علي العكس من ذلك فميشيل عفلق هو السياسي الوحيد في الجمهورية العربية المتحدة الذي اجاز له الرئيس جمال عبدالناصر بان ينشط حزبيا من عاصمة الاقليم الشمالي، دمشق ولعموم حزبه وافتتح مكتبا خاصا لهذا الغرض. والعقيد عبد الحميد السراج اطال الله عمره يشهد علي توجيهات عبدالناصر له بهذا الاستثناء. لكن اكرم الحوراني الذي انتابته نوبات من البكاء والنواح علي الديمقراطية المضاعة ايام عبد الناصر ربما كانت له بعض الاتصالات ويهاجم وينتقد وكان يزايد علي الرئيس عبد الناصر في موضوع تحويل نهر الاردن، ويطالب بمنع اسرائيل بالقوة من تحويل روافد النهر يشاركه بعض البعثيين السابقين في سورية وقلة منهم في اقطار اخري. ونحن نعلم في ذلك الوقت والان عدم توفر امكانيات عسكرية للجمهورية العربية المتحدة للقيام بحرب محدودة هدفها منع اسرائيل بالقوة من تنفيذ خططها، والحرب المحدودة لها شروطها وظرفها ولا يمكن فرضها من طرف واحد ولغرض المزايدة. اما الديمقراطية التي تباكي عليها اكرم الحوراني فقد انتهت به ان يكون ضيفا علي نظام البكر ـ صدام لاكثر من 10 اعوام، ومهمته كانت تجميع اللاجئين السوريين من كل مكان بمن فيهم السيد عبدالحميد السراج الذين كانوا ينتقدون عبدالناصر علي احتضانه وتسليمه مقاليد الامور في سورية ايام الوحدة ومن اجل الانقضاض من بغداد لاسقاط النظام السوري، بقيادة حافظ الاسد ولاقامة حكم ديمقراطي مزعوم في سورية. وكأن العراق كان ينعم في تلك الايام في ظلال واحة من الديمقراطية والحقوق المدنية وسيادة القانون.في تلك الظروف خرج الاستاذ فؤاد وشكل مع عبدالله الريماوي الذي فصل من الحزب عام 1959 قيادة ثورية للحزب بدأت بالاتصال بفروع الحزب لشقه. وكنت عندما فصل فؤاد من الحزب امينا لسر القيادة القطرية في العراق. كنا في تلك الفترة نواجه ديكتاتورية قاسم واعادة تنظيم الحزب علي صعيد القطر شعبيا وعسكريا، لكن محاولات شق الحزب باءت بالفشل الذريع، فقد اثبت التاريخ مرارا وتكرارا ان الانشقاقات داخل الاحزاب والحركات مصيرها الفشل ويبقي المنشقون اقلية معزولة حتي في الحركات الدينية الكبري، فالاكثرية تبقي موالية لقيادة الحركة التاريخية وتيارها الاساسي. وللمعلومات لم اكن انا طرفا، فاعلا في تلك الاحداث، فقد كنت معتقلا لاكثر من سنة في معتقل سرية الخيالة في بغداد لكنني تألمت ورفاق آخرون لخروج فؤاد من حزبه بهذه الطريقة وخسارة الحزب لقائد من حجمه.حصيلة ما جري ان قام الاستاذ فؤاد بارتكاب ما يمكن تسميته في السياسة الخطأ الفادح الذي لم يكن له مبرر او داع وادت للاسف الشديد لفقدانه حكمته وحرصه ورجاحة آرائه المشهود له بها لحين مصرعه ومعاناته لعقد من السنين جراء ذلك المؤتمر الصحافي في فندق الريفييرا عام 1961 والنتائج التي تمخضت عنه.بعدها شكل مع المرحوم عبدالله الريماوي وبعض القادة الاخرين القيادة القومية الثورية واتهم الحزب بالاخص الفرع العراقي باتهامات باطلة لا تليق به ولا يجوز ان تصدر من امين سر سابق للحزب (حزبه). وحاول فؤاد شق الحزب في العراق عن طريق بعض المحبين والمعجبين به عندما كان قائدا للبعث الا ان الاكثرية الساحقة من الحزب ادانت سلوكه وتم نسيان موضوع الاستاذ فؤاد وما قام به وبعض الاعضاء المحدودي العدد بعد شهر او شهرين وانصرف الحزب في العراق الي عمله ونشاطه المثابر لتحقيق اهدافه المقررة.يجب ان يسجل لفؤاد انه عندما خرج من البعث وانشق عنه انضم الي حركة الرئيس جمال عبد الناصر ولم ينضم لا بالقول او الفعل الي اي جهة غير قومية او وطنية، ولم يحترف اللجوء السياسي مثل الاخرين، ويتنقل من دولة الي اخري كالسائح او المصطاف دونما نفع او فائدة، فعاد فورا الي العراق بعد حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 فضرب بذلك مثلا يقتدي به ليمارس دوره السياسي وفق اجتهاداته الجديدة، لكن تلك الحركة التي تحولت من عملية رسمية حكومية لقمع عصيان منظمة الحرس القومي الشبه عسكرية كما يعترف بذلك معظم قادتها من الضباط القوميين كصبحي عبدالحميد، ورشيد محسن، و محمد مجيد… الخ انتهت بعد ذلك بانفراد عبدالسلام عارف حليف وصديق البعث المدلل بالسلطة والحكم ثم تهميش ومحاربة الاخرين وحلفائه الجدد. وتطورت الامور الي انقلابات وانقلابات مضادة انتهت بمصرعه في حادث الطائرة ومجيء شقيقه عبدالرحمن عارف للسلطة فاستوزر فؤاد في احدي الوزارات القومية التي شكلها عبد السلام عارف وهي اقوي وزارة في عهده ضمت معظم الوزراء القوميين السياسيين والتكنوقراط القوميين.وفي محاكاة وتقليد مشوه لتجربة الجمهورية العربية المتحدة، اقيم الاتحاد الاشتراكي العربي واتخذ منهجا مشابها للاصل في مصر. وتعين فؤاد او انتخب عضوا في قيادته العليا وهذه هي الحركة الثالثة التي يساهم في تأسيسها بعد خروجه من الحزب واولها القيادة الثورية التي حلت او انحلت فبدأ يبشر بالحركة العربية الواحدة التي دعا اليها الرئيس جمال عبدالناصر نهاية عام 1963 بعد خلافه مع البعث واخيرا الاتحاد الاشتراكي العراقي . وفي رأيي المتواضع والمتجرد ان تنقلات فؤاد هذه اضافة لتنقلاته القادمة التي سنتطرق لها كانت تزيده ضعفا وقلقا وبعدا عن الاستقرار. فقد كان سابقا منضويا تحت لواء حزب واحد هو البعث ومن قادته البارزين اما الان فاصبح التغيير والتنقل موسميا.طبعا هذا لا يبرر بأي حال من الاحوال المساس بشخصه او مجرد التفكير بذلك سواء من جماعة 17 تموز (يوليو) والذين شايعوهم او من الاخرين فهو حر بما يري ويعتقد.وللتاريخ فان الاستاذ صفاء محمد علي، المناضل البعثي المعروف الذي كان قريبا من فؤاد في السنتين الاخيرتين من عمر العهد الملكي والسنة الاولي من عمر ثورة 14 تموز (يوليو) قام الاخ في تلك السنين بتكليف من الاخ فؤاد بعدد من الواجبات والمهمات الخاصة والصعبة في آن واحد. واتذكر قام الاخ صفاء بزيارة الاخ الفقيد بعد عودته للعراق في اعقاب انقلاب او حركة الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) واقترح عليه ان يقوم بتسجيل موقف تاريخي يلغي ما سبق وبدر منه بحق الحزب وما بدر من الاخرين بحقه وذلك باعلان عودته مجددا الي حزبه القديم والمساهمة بتخليصه من بعض الشوائب والانحرافات التي لحقت به من امراض كالقطرية مثلا او اليسارية الصبيانية. وتعهد له الاخ صفاء ان موقفه هذا سيكون ليس في صالحه فقط وانما لصالح البعث والحركة القومية وان الكثيرين من البعثيين وكوادرهم والاستاذ صفاء منهم سيدعمونه. الا ان مبادرة الرفيق (ابو كفاح) لم تلق أذنا صاغية من المرحوم فؤاد واضاع بذلك فرصة ذهبية عليه وعلي الحركة القومية في العراق التي يشكل البعث طليعتها وعمودها الفقري.تسألني عن السبب في مواقف الاخ فؤاد السلبية والحادة تجاه البعث ولن اجد لذلك جوابا او تعليلا سوي ان الشهيد غلب الطابع الشخصي والذاتي علي الموقف العقلاني والموضوعي، وهناك قول مأثور عن لينين مفاده ان الحقد او الاهواء موجه سيء في السياسة ، كما ان لكل جواد كبوة ولكل عالم غفلة ولكل سياسي هفوة او عثرة.في تلك الايام وبعد ان انتهي الاتحاد الاشتراكي وفشل وتورط بعض الضباط القوميين بمحاولتي انقلاب فاشلتين اتهمت القاهرة بتدبيرهما وعندما نقول القاهرة فالامر ينسحب علي الرئيس ناصر شخصيا رغم ان ذلك ليس صحيحا دائما. قام الاستاذ فؤاد بتشكيل حركة جديدة اسمها الحركة العربية الاشتراكية ضمت بالاضافة الي جماعته ومعظمهم من البعثيين السابقين حركة القوميين العرب والتكنوقراط من القوميين المستقلين الذين ومنذ حركة 8 شباط (فبراير) 1963 انيطت بهم او تسلموا بعض الوزارات ومؤسسات القطاع العام، الا ان الحركة العربية الاشتراكية كانت اقصر عمرا من المنظمات السابقة ولم تعش طويلا، فعشية انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 انفرطت كما تجمعت علي عجل، فخرج الاستاذ عبدالاله النصراوي الذي يمثل حركة القوميين العرب داخلها وتبني الخط الماركسي اللينيني منهجا لحركته الجديدة وتمسك الاستاذ فؤاد وجماعته باسم الحركة وابقاه لنفسه، وانفضت كتله التكنوقراط وتفرقت ايدي سبأ.حدث هذا الصراع الحاد داخل الحركة التي كان يعول عليها بعض العسكر القوميون المتقاعدون منهم والمستمرون في الخدمة، وفشلت محاولات الرئيس عبدالرحمن عارف لتشكيل وزارة في الاسبوع الاخير لحكمه بسبب هذا الشقاق والانشقاق في الصف القومي وتبادل الاتهامات وحبك المؤامرات فيما بينهم فكان هذا ما يريده المتربصون والمتآمرون من جماعة البكر ـ عماش ـ حردان وجماعة حراس النظام العارفي النايف ـ الداوود ـ غيدان، فدبروا امرهم بليل وتسللوا الي القصر الجمهوري الذي فتحت ابوابه لهم من قبل حراسه وبدأ عهد جديد سمي بعد ذلك بعهد (17 ـ 30 تموز (يوليو) ) ما زال العراق والمنطقة يعاني من آثاره وتداعياته.بادر الاستاذ فؤاد الركابي بعداء فوري وعلني ودون تحفظ لهذا الانقلاب الذي عادته وتوجست شرا منه والحق يقال معظم او جميع القيادات القومية والوطنية داخل العراق، وكان الشعب بعمومه متطيرا منه بما فيها فئات واجنحة اساسية من حزب البعث نفسه. وبدلا من الانحناء للعاصفة مؤقتا لتدبير الامر، بادر الاستاذ الركابي بعداء مكشوف ومتطرف للنظام الجديد وحاول عقد تحالفات مع الفئات المعارضة للنظام الجديد او المكروهة منه كالبعث السوري اي الموالي لسورية والحزب الشيوعي العراقي الخصم اللدود لحزب البعث العراقي. واصدر للاسف ودونما ترو بيانين مشتركين مع الحزب الشيوعي العراقي ضد النظام وقد نبهته شخصيا الي خطورة ذلك، ليس من ناحية امنية فقط وانما من ناحية اثرهما السلبي علي سيرته السياسية القومية بشكل عام وانعكاسات ذلك علي الوسط البعثي بشكل خاص والمؤسسة العسكرية البعثية والمحترفة التي لا تكن ودا للشيوعيين. ما هي طبيعة التهمة التي قادت لسجن فؤاد؟ يبدو ان حركات الاستاذ فؤاد كانت مرصودة ومخترقة فدبرت له تهمة مزيفة لم يصدقها عراقي واحد واعتقل علي اثرها مع مجموعات من العراقيين من مختلف المذاهب والمشارب بتهمة التجسس لا احد يعرف لمن ومع من.واعتقل ولاقي تعذيبا حسبما اعلمني رفاق له كانوا معتقلين معه في معتقل قصر النهاية سيء السمعة في ذلك الوقت. لكنه صمد صمودا فاق توقعات جميع المعتقلين معه، وقد حدثني البعض منهم شخصيا عما تعرض له القائد الشهيد واخص بالذكر العقيد جميل البياتي الذي كان مديرا للامن العام 1963 واعتقل هو الاخر، وان كان اعتقاله لاسباب اخري الا ان ظروف اعتقاله كانت مخففة لكونه من الضباط البعثيين المعروفين. كان يساعد الاخ فؤاد كلما سنحت له الفرصة، باستغفال الحراس بعد منتصف الليل، لايصال بعض المشروبات والاكل له، ولتقوية معنوياته ولتدبير افاداته لكي تتطابق مع افادات معتقلين اخرين من رفاقه ولا انسي ما ذكره الاخ جميل لي عندما كان يذهب لتقوية معنويات فؤاد وكان في وضع صعب، فكان فؤاد يبادره بتقوية معنوياته. وهذا الوصف يكفي لتبيان صمود الاخ فؤاد الشجاع. بعدها حكم عليه بالسجن سنتين علي ما اتذكر وبعد سنة من اعتقاله نقل الي سجن بعقوبة مع معتقلين اخرين كان منهم الوزير اسماعيل خير الله وغانم العقيلي التكنوقراط النفطي وشقيق الضابط المعروف المرحوم عزيز العقيلي، والعقيد لطفي طاهر والمونولوجيست عزيز علي. وزرته في الاسبوع الاول من نقله وكانت معنوياته عالية، ومحتفظا بحس الدعابة وروي لي جزءا ضئيلا مما عاناه تعففا منه وقد عرضت عليه مبادرة شخصية، وهي ان اقوم بمسعي عن طريق معارفي من البعثيين المتواجدين في السلطة قبل التصفيات اللاحقة باخراجه من السجن عن طريق العفو وان يترك العراق ويقيم في لبنان او مصر. كان في ظني انني استطيع القيام بذلك حتي ان تطلب الامر مقابلة صدام شخصيا، فقد كنت لا ازال احتفظ ببعض العلاقات وان كانت باردة داخل المؤسسة البعثية الحاكمة ولا زال في قمة القيادة البعثية بعض الطيبين الذين كان بالامكان حشدهم وتعبئتهم لتحقيق هذا الغرض، الا ان المرحوم فؤاد وافق علي الفكرة من ناحية عامة واشترط شرطا لم يحد عنه وهو ان يصدر بيان بالغاء التهمة الموجهة اليه بالاساس، وكان هذا صعبا. حتي طرح الفكرة علي الاخوة ايضا كان صعبا. واضاف فؤاد انه سيخرج من السجن بعد حوالي سنة علي ما اذكر وان بقاءه في السجن وقت للراحة والتأمل بالنسبة له وهو معتاد علي ذلك. ولا داعي لتكليف نفسي المشقة وتحميلها منة الاخرين واوصاني بالحذر والحيطة لانه سئل عني كثيرا من قبل هيئة التحقيق التي يقودها السيء الصيت ناظم كزار الذي ربما كان يظن هو وقادة النظام ان لي علاقة تنظيمية بالاستاذ فؤاد او الجمهورية العربية المتحدة. بقي فؤاد في السجن تزوره عائلته وتزوره امي الذي كان يحتفظ لها بمكان خاص في قلبه واختي واولادها واخي الكبير وكنا نتوقع ان يتم الافراج عنه عند انتهاء مدة محكوميته الصورية في نهاية عام 1971 علي ما اذكر الي ان فوجئت بخبر وفاته الذي نشرت جريدة القدس العربي الغراء رواية السيد غانم المتولي عن تفاصيلها، وما قام به هذا الاخ الشهم تلك الليلة ولا اظن ان الذين اعتاشوا علي اسم فؤاد في حياته وبعد مماته قادرون او راغبون بالقيام بما فعل الاخ غانم في تلك الليلة المشؤومة الاول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1971 في الوقت الذي امتنع فيه الكثيرون عن تقديم واجبات العزاء ولو عن طريق الهاتف من بعيد! الشخص الوحيد الذي كلمني في التلفون تلك الليلة كان الاستاذ شوكت الشبيب وهو صديق شخصي للاخ فؤاد وصديق شخصي لي ولاخوتي منذ ما يقرب من النصف قرن. وكان يجهش بالبكاء وقد رأيت ابو علي باكيا مرتين في حياتي: الاولي، تلك الليلة عندما اعلمني وعزاني بوفاة فؤاد وبعدها بخمسة اعوام عندما توفي نجله الاصغر حبيب بحادث مؤسف في لندن. وقد حضر الاستاذ شوكت الشبيب صباح اليوم التالي للمشاركة بمراسم تشييع الاخ فؤاد وحضر النقابي القومي الاستاذ عمر البجاري اضافة لي ونفر من اقارب الفقيد من ضمنهم ابناء شقيقته (ام رياض) ولم تكن هناك اية حشود ولم ار لا ناصريا ولا يساريا ولا قوميا اللهم الا اذا كانوا غير مرئيين او يرتدون طواقي الاخفاء.هؤلاء هم من حضر الجنازة وليس كما روي في بعض المصادر عن حضور مسؤولين ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية وهذه القصص وللاسف حولت تراجيديا مصرع القائد الشهيد الي نوع من الكوميديا. يجب ان يسجل ايضا للتاريخ ان من صلي علي الجنازة في ضريح الامام علي عليه السلام، احد انجال السيد محسن الحكيم رحمه الله. وقد شكرت العائلة شخصيا بعد ذلك باكثر من عشرة اعوام وفي لندن عندما تعرفت علي السيد مهدي الحكيم النجل الاكبر لآية الله السيد محسن الحكيم الذي اغتيل هو الاخر في الخرطوم، وحضرت مجلس العزاء المقام له في لندن وفاء للمعروف، خاصة ان الصلاة علي الشهيد كانت في تلك الايام مخاطرة كبيرة كما هو حضور مجلس الفاتحة في لندن.مناخ الخوف هل كان النظام العراقي خائفا فعلا من تحركات الشهيد فؤاد في السجن؟ ذكر البعض ان النظام العراقي تملكه ورجاله الخوف من اتصالات وتحركات الاستاذ فؤاد داخل السجن واظن ان ما ذكر يشكل مبررا لقتله وليس اشادة بمواقف الشهيد ولو اني اشك بهذه المعلومة والاخري التي قيل انه توعد فيها من سجن بعقوبة باسقاط الطغمة الحاكمة وعلي رؤوس الاشهاد من السجناء.نعم كانت هنالك اتصالات محدودة قام بها الاخ فؤاد مع الاسف الشديد وقيل انه كان بصدد تشكيل حزب جديد رابع او خامس تارة باسم الحزب العربي الاشتراكي الموحد ومرة اخري سمعنا اسم الحزب العربي الديمقراطي الا ان هذه الاتصالات كانت مخترقة من قبل الاجهزة الامنية. واظن ان البعض من شلة فؤاد او اتباعه وربما عائلته يعلمون من هو الجاسوس المندس عليه. لقد حذرني النقابي البعثي السيد موسي الجبوري مرتين او ثلاثا بدافع من المحبة والحرص عليّ عن بعض نشاطات المرحوم فؤاد وكنت ادفعها بيقين ان المرحوم يملك من النضوج والخبرة المتراكمة ما يقيه مثل تلك العثرات علاوة علي شكي بما كان ينقله ذلك الصديق واثبتت الايام انه كان مخلصا وهدفه تحذيري وحماية المرحوم فؤاد. لقد ذكر البعض ان فؤاد كان يتصل بضباط الجيش وبقيادات حزبية اخري خارج السجن ويراسل حتي جهات عربية خارج العراق وانه تمكن من تشكيل تنظيم دقيق جدا للحزب الجديد العتيد وهذه جميعها او الاقل منها بكثير تدخل ضمن تبريرات اجهزة النظام السرية لقتله. ولا ادري من الذي روج لمثل هذه النشاطات المبالغ فيها دون انصاف، هل هي اجهزة النظام ام المؤرخون المزعومون؟ وفي ظني ان دوافع اغتيال الشهيد بالاضافة لما روج له هي:الاول: نشاطه المحدود بالنسبة لي الذي كنت اعرف بعضه عرضا وصدقني ان قلت لك بانني لم اكن اصدق ان الاخ المغدور والمشهود بجديته وحرصه وكتمانه يقوم بمثل هذه النشاطات التي لا تسمن ولا تغني من جوع والمكشوفة للنظام. لكن النظام المتوحش والهمجي لا يتسامح مع مثل هذه النشاطات خاصة انها صدرت من القائد المشهود له بالقيادة والريادة مثل فؤاد، وشملت ايضا قادة آخرين في الحزب والسلطة نفسها (عبد الكريم نصرت، حردان التكريتي..الخ).الثاني: هو لنشر وادامة اجواء الرعب والخوف بين العراقيين التي تسيطر علي ذاكرتهم وتراثهم الثقافي منذ بدايات القرن الاول للهجرة حتي يومنا هذا وهم يروون حديثا لامامهم المحبوب الخليفة الرابع الامام علي، عليه السلام ان الخوف اذا تمكن من نفوس الناس ذلت . الثالث: في رأيي ربما كانت هناك بقايا احقاد شخصية بين نائب الرئيس في ذلك الوقت والشهيد فؤاد تكونت ونمت اثناء وجودهما في القاهرة بعد الانشقاق الذي قام به الاخ فؤاد. ان الخوف والرعب الذي ذكرته لك والذي تمكن من نفوس الناس منع حتي اقارب الشهيد من الدرجة الاولي وليس الثانية من حضور ليلة تسليم الجثة لدار المرحومين ابيه وامه، وصباح يوم تشييعه ومجلس عزائه واربعينيته، واقرب المقربين له ولا اريد ان اذكر اسماء بعينها الان ولم يكن هناك حشد او حشود عدا من ذكرت وحضر مجلس الفاتحة كما رأيت بعيني اخوين اثنين من خارج العائلة، وبعض مواطني الناصرية والاخوان هما الاستاذ لطفي عبدالرحيم المحامي البعثي السابق والاستاذ العسكري وهو مهندس وصديق شخصي للمرحوم. ولا اتذكر ان احدا من خارج العراق علي كثرتهم قد كلف نفسه بفتح تلفون واحد لتقديم واجب العزاء عدا التصريح الذي ادلي به القائد الوطني اللبناني كمال جنبلاط الذي كان علي معرفة بالاستاذ فؤاد.لقد تحدث البعض عن مقابلة في مديرية الامن العامة جرت بين الاخ فؤاد والضابط عبد الرزاق النايف وليس ذلك صحيحا. لقد اعتقل الاخ فؤاد في دائرة الانضباط العسكري بوزارة الدفاع وقابل هناك كُلا من ابراهيم عبد الرحمن احد الضباط الذين سلموا القصر الجمهوري لجماعة احمد حسن البكر بعد ذلك ومعه الرائد محمد سعيد الراوي الذي اعتدي علي فؤاد بضربه علي جانب وجهه الايسر فسبب اذي لطبلة اذنه، واستدعي طبيب من القوة الجوية الذي نسيت اسمه الان لعلاجه.ان الضابط ابراهيم الداوود الهيتي لا يحتاج الي تقييم الان فكفاه خزيا وعارا ما حل به منذ خيانته للامانة وحنثه بالقسم بعد اقل من اسبوعين علي 17 تموز (يوليو) وهو معروف بانتهازيته ورعونته ويصفه شقيقه المرحوم عبدالوهاب عبد الرحمن الهيتي بـ الطبل الاجوف لكن المفارقة هنا ان عبد الوهاب، وقد كان من تنظيمات حامد جواد في الحبانية في الستينات من القرن الماضي، هو الذي نال جزاء سنمار الذي لا يستحقه بدلا من شقيقه. اما محمد سعيد الراوي الذي اعتدي علي الاستاذ فهو ضابط معروف برعونته وحماقاته وقد اختفي من المسرح بعد طرد النايف والداوود وقد وبخ في حينها الاثنان علي فعلتهما النكراء مع الاستاذ فؤاد حتي من قبل الرئيس عبد الرحمن عارف واستنكرتها معظم القوي الوطنية والقومية، وكان في معظمها سبابا في حق عبد الناصر والقوميين في العراق. كما عاتبت عبدالرزاق النايف شخصيا بما فعله ابراهيم، وهاجم وانكر معرفته بما حدث، ولم انج لا انا ولا اللواء ناجي طالب من ذلك السباب فقد اتهمنا ذلك الاحمق اننا من الاعاجم كما ذكر لي المرحوم فؤاد بعد اطلاق سراحه مباشرة. واظن ان اعتقال فؤاد قد تم بتحريض ودسيسة من البكر وعماش المتحرقين للعودة الي القصر الجمهوري.اما عن مقابلة صدام للاستاذ فؤاد مع شفيق الكمالي فانا لم اسمع بها بالمرة ولا اظن ان صداما بحاجة الي الكمالي لاصطحابه لكي يري المرحوم فؤاد وهي قصة مختلقة اظنها تخدم النظام العراقي الذي يقدم علي انه يحاور معارضيه وهم يتآمرون عليه.رغم تأثيرات هول الجريمة التي ارتكبت والتي ما زال ظلها مخيما علي البلاد وما عانيت بسببها في تلك الايام بدءا من تلقي النبأ الحزين الي مشاهدة وفحص الجثة العارية المذبوحة الممددة علي طاولة طعام الي اختفاء حشود المشيعين والمعزين المزعومين في الايام التالية الي اشرافي علي تغسيل وتكفين جثمان الشهيد ومن ثم انزاله في قبره ليستريح في مقبرة وادي السلام في ظلال امام المتقين الشهيد. اقول رغم ذلك فقد قمت بزيارة ارملته المقيمة في دار اهلها مرتين علي الاقل لتقديم واجب العزاء لها ولم ارها الا بعد عام او اكثر لا اتذكر الان عندما زارتني وطلبت مساعدتي في تأمين سفرها الي مصر فقد كانت مشمولة بمنع السفر من قبل السلطات الامنية ووجدتني محرجا برجائها، فأساساً ليست لي علاقة بالنظام واجهزته يضاف الي ذلك مصرع الاخ فؤاد واختطاف اخي حامد جواد وهو اعز اخوتي عندي ولم نعد نسمع باخباره منذ شهر تموز (يوليو) 1971 عندما اعلن عن مؤامرة مزعومة اعتقل علي اثرها خيرة الضباط البعثيين القدماء وكنت حينها مقاطعا حتي بعض الاصدقاء القدامي المتعاطفين مع النظام احتجاجا علي همجية ووحشية نظام الخاطفين، ولكني وجدت نفسي مضطرا امام محنة السيدة سلوي ارملة المرحوم فرفعت التلفون وكلمت علي المكشوف الصديق والرفيق المرحوم غانم عبدالجليل، مدير مكتب صدام في ذلك الوقت والذي قتل بطريقة بشعة بعد ذلك بأعوام، قائلا له ان السيدة فلانة ارملة المرحوم فؤاد زارتني هذا اليوم وهي تريد السفر الي القاهرة للالتحاق بوالدها وبمعية اولادها فليس لديها ما تفعله هنا في بغداد، الا انها اكتشفت ان اسمها مشمولا بقوائم المنع فالرجاء ابلاغ الاخ صدام بذلك، فان كانت الاجهزة الامنية تحسبها شخصية خطرة فابقوا المنع لكنني لا اظن انها كذلك.في عصر نفس اليوم تلفن لي غانم وقد كان من البعثيين الاعزاء علي قلبي رغم ان صدام استطاع توريطه بالتعاون معهم فابلغني ان النائب يسلم عليك وباستطاعة السيدة سلوي مراجعة دائرة الجوازات ونتمني لها سفرا ميمونا. وقمت باخبار ام ايمن مباشرة بعد استلامي ذلك الخبر، ومن حينها لم اسمع باخبار السيدة سلوي بعد ان غادرت الي القاهرة.وللمساهمة بالتخفيف عن اهل فؤاد قمت بتعيين ثلاثة من اولاد شقيقته العزيزة علي قلبه (ام رياض)، واحدة معلمة (رائدة) تعينت في بغداد وكان ذلك بعيد المنال حتي علي اعضاء الحزب، والثاني (زكي) في مركز محافظة الناصرية وقد ساعد في ذلك مشكورا الصديق الدكتور عصام عبد علي وزير التربية والتعليم الذي كتب هامشا علي امره الوزاري بتعيينهما انهما من عائلة بعثية قريبة للاستاذ حازم جواد، وصادق بنفسه علي الهامش، فقد كانت التعيينات في حينها وفي سلك التعليم مقصورة علي من تزكيهم منظمات الحزب وان يكون المعينون من المنتظمين بالحزب. ليست الغاية من ذكر هذه الامور التذكير او المنة علي احد، فمهما فعلت وفعل اهلي لأخي ورفيقي وابن خالتي فهو لن يعوض بمثقال ذرة مما قدمه الشهيد من خدمات لحزب البعث والحركة القومية في العراق وخاصة في السنتين الاخيرتين من عمر العهد الملكي التي توجت بثورة 14 تموز (يوليو) 1958 او صموده وبقائه في العراق في عام 1959 لقيادة معركة الدفاع عن عروبة العراق والهوية القومية لثورة تموز (يوليو) العظيمة امام الهجوم الوحشي الشعوبي الذي قادته القوي المناوئة لحركة القومية المتحررة. وفي هذه الايام العصيبة التي نعيشها والمحنة غير المسبوقة بوحشيتها وهمجيتها التي يمر بها العراق الحبيب فاننا نفتقد الشهيد فؤاد وجميع الشهداء والقادة من عياره، الوطنيين والقوميين والاسلاميين الذي كان آخرهم وليس آخرهم المناضل والمجاهد الفلسطيني المحبوب، القائد جمال ابو سمهدانة، رحم الله وعظم اجور شهداء العراق وفلسطين ولبنان واقطار الامة العربية والاسلامية كافة واسكنهم في عليين من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمن قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بــدلوا تبديلا صدق الله العظيم.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية